تقارير
ما مستقبل الاقتصاد اليمني مع حكومة مهددة بالإفلاس وتبحث لنفسها عن نفقات تشغيلية؟
تقول الحكومة اليمنية إنها في مأمن من الإفلاس في حين أن العملة الوطنية في انهيار مستمر، وحبل المليشيات شمالا وجنوبا مطوي على رقبتها، وبما أن درجات الرضا عن الحكومات تقاس بالوضع الاقتصادي، نتساءل عن حال اليمنيين مع حكومة تبحث لنفسها عن نفقات تشغيلية؟
في الشمال تسيطر مليشيا الحوثي على المركز المالي للبلاد بعد أن تركته الحكومة خلفها، وزادت معه شهية المليشيا، التي قصفت موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة، وتشترط أن تكون لها حصة فيه.
المجتمع الدولي ورعاة الهدنة غير المعلنة منحوا مليشيا الحوثي في الشمال حصة من الموارد الضريبية والجمركية نتيجة توجه السفن إلى ميناء الحديدة، وفي الجنوب منح المجلس الانتقالي المطالب بالانفصال مسؤولية إدارة الموارد، أمام حكومة فقدت السيطرة على موارد البلاد، التي أؤتمنت عليها، وتبحث عن وعود عرقوبية أطلقها التحالف السعودي - الإماراتي قبل عام، بتقديم وديعة قدرها ثلاثة مليارات دولار.
- أداة سعودية - إماراتية
يقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور عادل المسني: "التحالف بقيادة السعودية هو من يسيطر على القرار السيادي مضى في خطوات مخطط لها منذ البداية، ليوصلنا إلى هذه النتيجة".
وأضاف: "السعودية اليوم تذهب للتفاوض مع مليشيا الحوثي بشكل مفتوح متجاوزة الحكومة الشرعية، وهذا الأمر يفسر الوضع طيلة السنوات الثماني السابقة، بأن النية الصادقة لاستعادة الدولة، وهزيمة مليشيا الحوثي، لم تتوفر لدى السعودية والإمارات".
وأشار إلى أن "المعارك كانت تنصب في معسكر الشرعية، وأطاحت بالشرعية، وتمكنت المليشيا في الشمال والجنوب والشرق، من السيطرة على مجالها الحيوي، ونفوذها في الداخل اليمني".
واعتبر أن "البُعد الاقتصادي أحد أهم أدوات السعودية والإمارات في محاصرة الحكومة الشرعية وإيذائها، لتمرير أجنداتها".
وأوضح: "الحكومة الشرعية كانت نتاجا لإرادة شعبية لها حاضنة واسعة داخل اليمن، ولها مرجعيات دولية، ومعها مقاومة شعبية وجيش، استطاعت بهما تحقيق انتصارات كبيرة على مليشيا الحوثي، وتلقينها ضربات موجعة في السنوات الأولى، فيما التحالف جاء ليخذل الشرعية ويسلبها إمكانياتها الكبيرة فيما يتعلق بالمرجعيات والحاضنة الشعبية".
وتابع: "السعودية والإمارات بدأتا بحصار الحكومة الشرعية اقتصاديا، من خلال إيقاف مرتبات الجيش وكل مؤسسات الدولة، ووضعتا أيديهما على موارد الدولة كالنفط والمطارات والموانئ، حتى أصبحت الشرعية بلا جدوى، وغير قادرة على تنفيذ أجندتها في الداخل، وأيضا مكنتا المليشيات من الضرائب والجمارك وغيرها؛ لتعبث بها كيفما تشاء:.
وبيّن: "الشرعية أصبحت كما نراها اليوم، ليس لها أي تأثير ولا نفوذ على الأرض، بعد أن انتقل النفوذ إلى المليشيات، سواء مليشيا الانتقالي في الساحة الجنوبية، أو مليشيا الحوثي في الشمال، بدعم من السعودية والإمارات".
- التحالف يتحمل المسؤولية
يقول الصحفي الاقتصادي، وفيق صالح: "إنه لمن المؤسف بعد 9 أعوام من الحرب، وبعد إعلان التحالف بقيادة السعودية عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي، أن نجد التنازلات تقدم من السعودية لمليشيا الحوثي في الجانب المالي والاقتصادي والسياسي".
وزاد: "كل ما حصلت عليه مليشيا الحوثي الآن منح لها من قبل التحالف، لا سيما فتح ميناء الحديدة أمام السفن والحاويات، والرضوخ لتهديداتها، وإيقاف تصدير النفط الخام".
ولفت إلى أن "ما حصلت عليه المليشيا لم تكن تحلم به؛ إذا كانت هناك جدية وإرادة حقيقية من التحالف والشرعية لهزيمتها، وإعادة مؤسسات الدولة".
واعتبر أن "الوضع الاقتصادي، الذي تعيشه الحكومة الآن، مؤسف جدا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نحمّل المسؤولية الحكومة وحدها، خصوصا في هذا الوضع الحرج، بل إن من يتحمل المسؤولية الأكبر هم الحلفاء الذين يمسكون بزمام القرار السياسي والاقتصادي".
وأكد: "الحكومة اليوم غير قادرة على مواجهة التحديات، خصوصا وأن الملف اليمني أصبح غير مرتبط بدولة بعينها، وإنما أصبح ملفا دوليا، فالكثير من اللاعبين الدوليين والإقليميين لهم يد في توقيف تصدير النفط والغاز، وفي الهجمات الحوثية على موانئ التصدير في حضرموت وشبوة".
ويرى أن "ما يؤخذ على الحكومة هو رضوخها لما يحدث الآن، بل يجب عليها أن تصارح الشعب اليمني بما يحدث، وتبادر بالسيطرة على الموارد المحلية، وتقوم بإصلاحات مالية واقتصادية، وتسعى لرفع صوتها، وحشد الدعم الدولي والإقليمي".
- تحويل المشكلة من مالية إلى نقدية
يقول الباحث والمحلل الاقتصادي، وحيد الفودعي: "الوضع الحالي للحكومة الشرعية يتمثل بوضعين اقتصاديين، الوضع الأول يتمثل بوضع البنك المركزي اليمني، وسعر الصرف، واحتياطيات البنك المركزي، فيما الوضع الآخر يتمثل بالميزانية العامة للدولة".
وأضاف: "بالنسبة لاحتياطيات البنك المركزي اليمني، تحدثت تقارير، في اليومين الماضيين، عن نظرة تشاؤمية وتضليل حول استنفاد البنك للاحتياطي النقدي، ما يعني أن هناك تحويلا للمشكلة من مشكلة مالية إلى مشكلة نقدية".
وأوضح: "وضع الاحتياطي النقدي الأجنبي، حتى الآن، آمن، لكن هل يعني ذلك أن هناك إمكانية لاستمرارية هذا الوضع؟ لا أعتقد أن هناك إمكانية، بسبب الوضع المالي للدولة".
وتابع: "تحويل المشكلة من الوضع المالي إلى وضع البنك المركزي يمثل خطورة كبيرة، نظرا لحساسية البنك المركزي، وحساسية وظائفه"، مؤكدا أن "أي حديث عن البنك المركزي أو احتياطياته يؤثر على أسعار العملة ويؤدي لارتفاعها إلى رقم قياسي دون متغيرات اقتصادية حقيقية".
ولفت إلى أن "وضع البنك المركزي، حتى الآن، في حدود آمنة، لكن الوضع المالي للدولة في وضع حرج جدا، فالصمود لأكثر من 9 أشهر بدون أهم مورد (صادرات النفط الخام)، الذي كان يرفد خزينة الدولة بنحو 58% من إيرادات الدولة، ليس سهلا، فضلا عن فقدان جزء كبير من إيرادات الضرائب والجمارك التي كانت تأتي عبر ميناء عدن، وتحولت إلى ميناء الحديدة".
وتساءل الباحث الفودعي: "من الذي ساهم في هذا الوضع؟".
وتابع الفودعي: "المجتمع الدولي متواطئ مع مليشيا الحوثي؛ لكي توصلنا إلى هذه المرحلة، أما الحكومة الشرعية فهي بالأخير طرف عاجز عن فعل شيء، والمتاح أمامها الآن هو التواصل، وتكوين حلف للقضاء على تهديدات مليشيا الحوثي".
ولفت إلى أن "مليشيا الحوثي اتخذت مؤخرا إجراء قد يقضي على ما تبقى للحكومة الشرعية من موارد، وهو التحويل من غاز مأرب إلى استيراد الغاز عبر ميناء الحديدة، وهذه قد تكون الضربة الأخيرة، التي ستقضي على أي أمل لموارد اقتصادية مستدامة للحكومة الشرعية، وقد يصل الحال بالمليشيا إلى تهديد منشآت النفط والغاز في مأرب، كما هددت موانئ تصدير النفط والغاز في حضرموت وشبوة".



