تقارير
ما هدف مليشيا الحوثي من السيطرة على الأراضي؟
من صنعاء إلى الحديدة، ومنهما إلى كل مكان تسيطر عليه، توجه جديد تمارسه المليشيا في نهب ممتلكات المواطنين، وخصوصا الأراضي التي باتت هدفا لعمليات سطو واسعة.
بدأ الأمر في منطقة همدان بصنعاء، ثم انتقلت المليشيا إلى بيت الفقيه في الحديدة لتمارس سطوتها على مواطنين عزّل، بهدف نزع ملكية أراضيهم، وإرغامهم على تقديم أوراق ملكية لمساحة تقدّر بنحو عشرة كيلو مترات من الأراضي.
وعلى الرغم من تداول الفيديوهات، التي تثبت قيام الحوثيين بالاعتداء على المواطنين وسجن العشرات منهم، إلا أن جماعة الحوثي نفت كل ذلك، واعتبرته مجرد تلفيقات لا أساس لها من الصحّة.
إلا أن البعض من ناشطي الجماعة يؤكدون أن ما تقوم به المليشيا يأتي في إطار ما يسمونه "استعادة أملاك الهاشميين"، الذين يدّعون أن ثورة 26 سبتمبر انتزعتها منهم.
يقول البعض إن التوجّه الجديد من قِبل الحوثيين يعكس تفرّغ الجماعة لتثبيت مشروعها في ظل الهدنة السارية، وإنها تسعى لمراكمة ثرواتها على حساب مواطنين لا يملكون أي مصادر دخل، وهو ما يعني -على المدى الطويل- ضرب إمكانية أي قدرة على مقاومة مشروع المليشيا ومواجهته، بعد أن تصبح هي القوّة الوحيدة اقتصاديا وسياسيا.
- استعادة أراضي الدولة
وفي هذا السياق، يقول الصحفي طالب الحسني: "التسميات التي تطلق ليست دقيقة ومجافية للواقع وللحقيقة، وفيها محاولة معروفة وهي تضخيم قضية عادية، يجب أن يسود فيها المنطق والقانون والمصلحة العامة والعدالة، بشكل عام".
وأضاف لبرنامج فضاء حر، الذي بثته قناة "بلقيس" مساء أمس، "هناك أراضٍ واسعة تابعة للأوقاف كان يتم التلاعب بها في السابق، حتى الكثير من الأراضي تم بيعها لمواطنين بأوراق ليست دقيقة، هؤلاء يجب معالجة أوضاعهم، والبقية يسكنون أو يبسطون على الأراضي التابعة للأوقاف، ولا يمتلكون أوراق ثبوتية، هذه قضية عادية موجودة منذ فترات طويلة" حسب وصفه.
وأرجع الحسني نبش القضايا الآن إلى محاولة استعادة أراضي الدولة وأراضي الأوقاف.
واعتبر توصيف ما جرى بأنه "استعادة أموال الهاشميين": "تسمية لا أساس لها، ويضحك عليها البعض".
واستطرد "هناك أوقاف للدولة يجب استعادتها ومعالجة أوضاع المواطنين الذين اشتروها بأموال، أو الذين ورثوها عن آبائهم وآباؤهم لم يشتروها، وإنما سكنوا في هذه المناطق".
وأوضح أن "هناك تصنيفات متعددة، لأن هناك أراضي عشوائية، وهناك أراضي تابعة للأوقاف وتابعة للدولة، وهناك مواطنون يفهمون أن هذه أراض كانت تابعة لمؤسسات الدولة، ولكن هؤلاء أيضا يجري معالجة أوضاعهم بطريقة معيّنة" حسب رأيه.
وبيّن أن "ملف الأراضي ملف شائك، وسيجري تضخيمه ومحاولة استغلاله، ومحاولة تثوير الذين قد يكونوا متضررين، ولكن ليس لهم الحق"، مشيرا إلى أن "هذه القضية قد تثير الجدل".
وتابع "الأوقاف تعلم ذلك، ولكن هناك ارتياح لملايين المواطنين من تصحيح هذه الأوضاع".
- معالجة وتصحيح
ويذهب الحسني إلى القول "ما يجري حاليا لا علاقة له بالتاريخ ولا بالثأر"، مؤكدا أن ما يجري هو "معالجة بعض المشاكل الحاصلة الآن".
وأكد الحسني أن "أراضي منطقة القصرة مسجّلة على الأوقاف، ولا أحد يمتلكها، والجميع يعلم ذلك، وهذه القضية ليست في الحديدة فقط بل في أكثر من محافظة، فلا داعي لاستدعاء التاريخ"، حسب رده على ما طرح.
وحول تكذيب مليشيا الحوثي للفيديوهات، التي وثّقت الجرائم المرتكبة بحق أبناء منطقة القصير، يقول الحسني إنه لن يجيب عن هذا السؤال لأنه لا يعلم من أين جيء به!!
ثم يرجع قائلا "من الطبيعي أن تكون هناك احتجاجات نوعا ما، ومن الطبيعي أن تكون هناك أجهزة أمنية وسجون لحل هذه المناطق، لأن هناك الكثير من الذين يبسطون على هذه الأراضي لا يمكن أن يسلموا بالعافية"، ورأى أنه "لا بد وأن تكون هناك إجراءات معيّنة للدولة"، معتبرا ذلك أمرا عاديا.
ودعا الحسني -في الوقت ذاته- إلى تصحيح أوضاع المتضررين، الذين لا يمتلكون الأوراق، من الإجراءات التي تحدث، وأشار إلى أن "كل الدول تسعى لتصحيح هذا الوضع".
وحول الفيديوهات التي أظهرت القوة المفرطة المستخدمة من قِبل مليشيا الحوثي ضد المواطنين في القصرة، يقول "إنه لا يثق بهذه الفيديوهات"، نافيا أن يكون ما يحدث قضية سياسية، بل -كما يرى- هي قضية حقوقية.
وأضاف: "الأمر لا يحتاج أن تكون هناك شريعة بين القضاء والمواطنين، بل يحتاج إلى تسوية من وزارة الأوقاف"، مؤكدا أن الوزارة "تقوم حاليا بذلك".
وأشار إلى أنه "تم سرقة ليس أراضي الأوقاف فقط، بل هناك مواطنون تم سرقة هكتارات من أموالهم في الحديدة تحديدا"، موضحا أن رموز النظام السابق لديهم مزارع بالكيلوهات تم استعادتها، حسب تأكيده.
وشدد الحسني على أن ما يجري "ليس إرغام الناس على التنازل بل تصحيح ومعالجة الوضع القائم، وإجراءات من حق الدولة أن تقوم بها"، حسب تصوره.
- إرهاب وتنكيل
بدوره، يقول محمد السمان: "ما حصل ويحصل اليوم من جرائم ومن انتهاكات تقوم بها مليشيا الحوثي ومن نهب أراضي المواطنين، سواء كان في تهامة أو في غيرها من المناطق الأخرى، هو أنها جاءت بجحافلها وبسلاحها من أجل الإرهاب والتنكيل بالمواطنين في تهامة، التي كان آخرها في مديرية بيت الفقيه، في عزلة القصرة، وليست هذه الأولى أو الأخيرة".
وأوضح السمان أن "مليشيا الحوثي جاءت إلى مديرية بيت الفقيه، وبالتحديد إلى منطقة القصرة، لأن هذه المنطقة هي الإرث التاريخي الذي مرّغ أنف أجداد هؤلاء الإماميين الجدد -في إشارة إلى مليشيا الحوثي- في معركة القوقر ومعركة الزرانيق الشهيرة، فكانت هذه الأرض -أرض القصرة- المعروفة هي الحامية العسكرية التي كانت تستند إليها قبيلة الزرانيق، وهي التي استطاع أبناء الزرانيق أن يمرغوا أنف الإمام، ولم يستطع في حينها (1929م) أن ينتصر على أبناء الزرانيق إلا بالحيلة والخداع والمكر"، مضيفا "وبعد أن تمكّن بواسطة ذلك ساق الأسرى إلى سجن حجة، وهذا مشهور ومعروف ومثبت".
وتابع "بعد ذلك، فاوض الإمام الزرانيق على هذه المنطقة بأن يقتطع هذه الأرض -القصرة- ويضمها إلى أملاكه مقابل أن يطلق سراح الأسرى، فلما راى أبناء الزرانيق في تلك اللحظة أن يفكوا أو أن يتركوا أسراهم وأبطالهم وشرفاءهم، فتفاوضوا مع الإمام على أن يتمكن من هذه الأرض، أرض القصرة وهي تقدر بمئات الكيلو مترات، وهي منطقة خصبة وزراعية، ففاوضوه على أن يطلق أسراهم".
وأضاف "وبعد أن دخل الوسطاء، تمكّن الإمام من الأرض ولم يطلق الأسرى، بل غدر بهم وقتلهم، وحتى الآن مقبرة الزرانيق في حجة شاهدة على ذلك".
- البحث عن إرث الجد
وبيّن أن "مليشيا الحوثي جاءت اليوم متدججة بالأسلحة إلى منطقة القصرة تطالب بإرث جدها"، حسب وصفه.
وفي رده عن سؤال هل هي أراضي أوقاف؟ يقول السمان "هذه الأراضي ليست أراضي أوقاف، وإنما ملك للمواطنين ورثوها أبا عن جد".
وحول حديث الحسني عن أن ما جرى ضُخم واستغل، ومن الطبيعي أن تكون هناك إجراءات وسجون، وأن قضية الأراضي قضية مختلقة لا أساس لها، يقول السمان "لو عدنا إلى بيان السلطة المحلية -المغتصبة- في بيت الفقيه لوجدنا أنها أرادت أن تنفي القضية فثبتت الجريمة التي وقعوا فيها".
وأوضح أنه "في ذيل البيان التي أصدرته السلطة المغتصبة أثبتوا أن هناك معتقلين، وأن هناك مختطفين، وأن سبب ذلك هو قضية الأراضي".
وراى السمان أن "ما تقوم به مليشيا الحوثي هو عملية استدعاء التاريخ، وأن هذا إرث جدهم الإمام، مستدلا بأنه "في مايو 2022، أصدرت مليشيا الحوثي ما يسمى قانون، وهو قانون إحياء التنقيب، سموه بين قوسين إحياء ممتلكات الدولة ويقصدون بها بأملاك بيت حميد الدين"، مشيرا إلى أن 'المتتبع من الصحفيين والقانونيين يعرف هذا القانون الذي سنّته مليشيا الحوثي، وهو تتبع أملاك بيت حميد الدين".
ولفت السمان إلى أن "ثورة 26 سبتمبر قامت ضد الظلم وضد التمييز الطبقي وضد حقبة قاتمة من حياة اليمنيين"، موجها سؤاله للحسني هل تعترف بهذا؟".
وأوضح السمان أن "مليشيا الحوثي في 2014م أرسلت عصاباتها واستولت على 300 ميعاد (ما يعادل 90 كيلو متر مربع) في منطقة التربة الساحلية التابعة لمديرية باجل، وتصدى لهم في حينها قبائل القحرة، واستشهد الشيخ علي بن علي مزرية وأصيب شقيقه مروان"، مشيرا إلى أن الحوثي كان يهدف من خلال ذلك إيجاد موطئ قدم.
وتابع "في يناير 2020، استولت عصابات الحوثي على أرض شاسعة غرب شمال باجل
وشمال المراوعة.. وفي فبراير من العام ذاته، جاء قيادي حوثي -يسمى الرصاص - مدججا بالسلاح وعشرات الأطقم من محافظة حجة، واستولى على مساحات شاسعة في مدينة اللحية ومحيطها، وفي نوفمبر من العام ذاته استولت على أرض في مديرية الجراحي، وفي مايو 2022 صادرت 400 كيلو متر مربع من أراضي ومزارع مديرية الزيدي أو المخلاف، وفي أغسطس 2021 استولت على مساحة تقدر ب13 كليو مترا مربعا في منطقة الزهروانية بمديرية باجل، وفي ديسمبر 2021 استولت على أراض شاسعة في باب الناقة".
وحول امتلاك المواطنين في هذه المناطق أوراق ثبوتية، يقول السمان "الحوثيون جاءوا مستندين إلى الأوراق التي هي من بيت حميد الدين"، متسائلا "من أين لبيت حميد الدين أملاك في تهامة؟"، مجيبا "بل ضمها واغتصبها وأرغم الأمناء الشرعيين والأوقاف على أن يصدروا أوراق أن الأرض تتبعه".
وأشار إلى أن "الناس في تهامة بسطاء وكانوا يأخذون منهم أوراقهم عنوة"، مبينا أن "الفيديو المنتشر والناس معتقلين، كانت مليشيا الحوثي تقول لهم لا يمكن أن نطلقكم إلا أن توقّعوا على أن هذه الأوراق لا تعود ملكيّتها لكم".



