تقارير
ما وراء إعلان مليشيا الحوثي توقف مسار المفاوضات مع السعودية؟
أعلنت مليشيا الحوثي توقف مسار المفاوضات مع السعودية، وهددت بعودة الخيار العسكري إلى الطاولة، حيث قال القيادي الحوثي، مهدي المشّاط، إن المفاوضات مع السعودية توقفت عند نقطة الرواتب.
في أبريل الماضي، بلغت التفاهمات السعودية - الحوثية ذروتها بعد زيارة السفير السعودي، محمد آل جابر، إلى صنعاء، ولقائه بالقيادات الحوثية.
وقبل أيام، نشرت صحيفة "فورين أفيرز" الأمريكية تقريرا، قالت فيه إن اليمن ينتظر اتفاق سلام يرتكز على مشاركة المليشيا المسيطرة على الأرض في السلطة.
- تجزئة الحقيقة
يقول سفير اليمن لدى اليونسكو، الدكتور محمد جميح: "هناك ضغوط شعبية تتنامى من يوم إلى آخر، ونلاحظها من خلال وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تنمّر كبير من قِبل المواطنين في مناطق سيطرة المليشيا، الذين يرون أن ذرائع العدوان والحصار قد انتهت، وأن على الحوثيين صرف المرتبات".
وأوضح: "مليشيا الحوثي تتحدث بين الحين والآخر عن تسلية، أحيانا تقول بأنها ستصرف نصف الراتب، وأحيانا تقول إنها ستصرف مرتبات شرائح معينة في وسائل وطرق منتظمة، وأحيانا عن إعاشات وغيرها".
وأضاف: "بالأمس ظهر القيادي الحوثي مهدي المشّاط ليقول خطابا للمواطنين في مناطق سيطرة المليشيا، بأنه يبرئ جماعته من مسؤولية المرتبات، وأن السعودية لا تدفع المرتبات، لأن الأمريكيين هم من يجبرونها على عدم دفعها".
ولفت: "المشّاط تحدث وكأن أمريكا مستفيدة من عدم دفع المرتبات للموظفين في اليمن، ونسي أن بتصريحه هذا يبرئ السعودية، وكأن السعودية تريد دفع المرتبات لكن الأمريكيين هم من يمنعونها".
ويرى أن "هذا خطاب متناقض، وخطاب من يشعر بالضغوط الشعبية الداخلية، ويخشى من تفجّر الأوضاع في الداخل؛ نتيجة الأوضاع المعيشية، التي تراكمت على مدى 8 سنوات، بدون مرتبات، أو أي مصادر دخل حقيقية وثابتة".
وبيّن: "مهدي المشّاط لم يقل الحقيقة كاملة، والحقيقة أن مليشيا الحوثي تريد أن يشمل صرف المرتبات وفق كشوفات ما بعد 2014م، وهي نقطة مهمة في الخلاف".
وتابع: "في الوقت الذي ترى فيه مليشيا الحوثي أن خصومها في مأزق، هي أيضا في مأزق؛ لأنها إن أخذت المرتبات من السعودية -كما تقول- فإن الشارع سيقول بأن هذه المرتبات هي ثمن دماء اليمنيين التي سفكت، خلال سنوات الحرب الماضية، فيما إذا استمر الحال بدون مرتبات فهذا وضع لا يمكن أن يطاق، لا في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، ولا في مناطق الحكومة".
وأشار إلى أن "المسألة تظل مرهونة بقدرة مليشيا الحوثي على التجاوب مع المتطلبات الحقيقية للسلام"، مستدركا: "حتى وإن افترضنا أن مجريات الأمور ذهبت كما تريدها مليشيا الحوثي، بأن تصرف رواتب الموظفين، وتفتح الموانئ والمطارات، وتلبّى جميع اشتراطات المليشيا، فهذا يدل على أن الحرب اليمنية حرب اليمنيين أنفسهم، وأن العالم بدأ يرفع يده عن اليمن، وأن دول الجوار تريد الخروج ليخوض اليمنيون معركتهم مع هذه المليشيا بأنفسهم".
وقال: "في حال كان هناك اتفاق فإنه من الصعب تصور أن تجري الأمور على غير ما يرضي الأطراف الداخلية (الحكومة)، لأن لو جرت الأمور على غير ما تريده هذه الأطراف، فإن هذا الاتفاق لن يكون اتفاق سلام بين اليمنيين، وإنما اتفاق سلام بين مليشيا الحوثي والسعودية والتحالف".
وأضاف: "حتى إن رضيت الأطراف الداخلية في اليمن (الحكومة) بالاتفاق مكرهة، فإن الناس لن يقبلوا بذلك حتى في مناطق سيطرة المليشيا، لذا فإن هذه الاتفاقات لا يمكن أن تكون أو تستمر إلا إذا كانت اتفاقات عادلة ترضي جميع الأطراف".
- إفشال الدولة اليمنية
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة صنعاء، الدكتور عبدالباقي شمسان: "نحن أمام عمليات عسكرية وإستراتيجية ومفاوضات، وهناك منافع من هذا الاستثمار، فتوقف العمليات أو الإعلان عن استمرار الحرب، فالمليشيا تحقق مكاسب كبيرة؛ لأن هناك اعترافا بها كفاعل أساسي في الحقل السياسي اليمني".
وأضاف: "سواء أوقفت المعارك، أو استمرت، فالمليشيا تستثمر كل ذلك، فالإعلان عن إيقاف المعارك في الداخل هو نوع من التسويق الداخلي، بينما السعودية تعرف، ومليشيا الحوثي كذلك تعرف، أن المعركة لن تتوقف في أي مفاوضات سلام".
وأوضح: "تم إفشال الدولة اليمنية قصدا من خلال عمليات إستراتيجية، ومن ثم تم إيجاد سلطة ضعيفة، لذا عندما تشاهد مليشيا الحوثي كل هذا، فمن الغباء السياسي أن تذهب إلى السلام، وهي ما تزال لديها قدرة على المناورة، وإضافة شعارات جديدة، كالوحدة".
وتابع: "توقف الحوار السعودي - الحوثي مرتبط بإيران، وبحاجة مليشيا الحوثي لكسب المزيد من الوقت للاعتراف بها، لكن السعودية تعلم بأنها في مرحلة لاحقة ستدعم بعض الجماعات في المناطق المحررة، لاستنزاف القوة اليمنية في الجغرافيا الشمالية، فيما مليشيا الحوثي تعرف بأنها في مرحلة لاحقة سترفع شعارات الوحدة، والحفاظ على الموارد، لخوض المعركة".
ويرى أنه "من الغباء السياسي أنْ تعتقد السعودية بأنّ مليشيا الحوثي ستذهب إلى السلام، حتى إن وقعت على اتفاقية سلام، فالمليشيا تكسب المزيد من الوقت، وتحقق اعترافا دوليا بها، وتسوق لنفسها على أنها تستطيع الانخراط في السلام، بينما الجميع يعرف أنها وكيل إقليمي لإيران، وأنها مرتبطة بما يحدث في العراق وسوريا ولبنان، وضمن مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومع ذلك التحالف يخدمها".
وبيّن: "السعودية تدرك أن هناك معركة قادمة بين مليشيا الحوثي وحزب التجمع اليمني للإصلاح، ومن معه من المكونات الوطنية في مناطق الجمهورية، ومليشيا الحوثي تدرك بأن أي توافق مع السعودية ما هو إلا توافق مؤقت، لأن القوى الوطنية لن تقبل بالمشروع الحوثي نهائيا، وأن عليها الاستمرار في القتال".
- مناورة سياسية
يقول الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، الدكتور علي الذهب: "تصريحات مهدي المشاط هي مناورة سياسية تحاول المليشيا من خلالها، بشكل أو بآخر، تحقيق الاشتراطات الجديدة، التي جاءت خارج سياق الهدنة الإنسانية المعلنة، في أبريل الماضي".
وأضاف: "لا أتصور أنه سيكون هناك عمل عسكري بحجم الأعمال العسكرية، التي كانت تجري قبل إعلان الهدنة، سواء على المستوى الداخل أو على المستوى الخارج".
وتابع: "لا يزال هناك متسع من الوقت، حتى لا نصل إلى مرحلة التصعيد العسكري الفعلي، لأن المشاط يتحدث من منطلق ضيق، لا سيما وأن العودة إلى العنف مرتبط بإرادة خارجية حاكمة للحوثيين أنفسهم، وهي إرادة إيران".
واعتبر أن "الاتفاق السعودي - الإيراني أضاف نقاط قوة للسعودية، وأضعف مليشيا الحوثي بطرق مختلفة، ولا أتصور أنه سيكون هناك عمل عنيف على النحو الذي كان".
ولفت إلى أن "الخطأ الكبير هو الهدنة واتفاق ستوكهولم، كونهما أسس قانونية جمعت الأطراف الداخلية والخارجية بناء على ظروف كانت فيها الأطراف الخارجية والحكومة في موقف ضعف، ودفعت الثمن، ولم يتحقق منها شيء سوى ما هو في مصلحة مليشيا الحوثي".
وبيّن: "الأسس القانونية لعملية السلام وضعت مليشيا الحوثي في موقف قوة ووضعت الأطراف الداخلية والخارجية في موقف ضعف، ومن المتوقع أن تضحِّي الأطراف الخارجية بالأطراف الداخلية من أجل مصالحها، فيما يتعلق بمطالب مليشيا الحوثي، وتوجيهها لعملية السلام نحو اتجاه ملف واحد، وهو الملف الإنساني، وتحقيق المزيد من مكاسب المليشيا".



