تقارير
ماذا بعد إحباط الولايات المتحدة مشروع قرار إيقاف الحرب في غزة؟
إحباط الولايات المتحدة الأمريكية مشروع قرار مجلس الأمن، الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، يشير إلى أن ما يزال على أبناء غزة أن يخسروا المزيد من الأرواح؛ كون الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، عاجزين عن إيقاف الحرب الإسرائيلية عليهم؛ ما دام لأمريكا وبريطانيا الحق في نقض قرارات مجلس الأمن، فيما يسمى بحق النقض.
العدوان الإسرائيلي على المدنيين والأعيان المدنية في غزة فتح عيون العالم أكثر من أي وقت مضى على عدد من الحقائق الهامة، التي كانت مخفية في الظل، وأخرجتها الحرب إلى الواجهة، منها غياب التوازن الدولي، في ظل تفرد الغرب بقيادة العالم، وانحيازه الكامل لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ولو على حساب مبادئه المعلنة، المتعلقة بحماية العدالة، وضمان الأمن العالمي.
حرب غزة سمحت للكثير من الناس، في مختلف دول العالم، بالتفكير خارج الأطر التقليدية، التي كانت تقدم فيها القضية الفلسطينية، من وجهة نظر إسرائيلية أو متعاطفة معها، على حساب ضحاياها الذين لم يكونوا مرئيين لا مسموعين من قبل كما هو حالهم اليوم.
- مسارات أمريكية
يقول الباحث في العلاقات الدولية د. معاذ العمودي: "نحن كفلسطينيين متعودون على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم حق الفيتو في مسارات مختلفة، فيما يتعلق بحالة النضال الفلسطيني، والصراع الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي، وأيضا في الصراع العربي من الاحتلال الإسرائيلي".
وأضاف: "الولايات المتحدة استخدمت حق الفيتو في مناطق وقضايا وفترات حساسة جدا، تتعلق في موضوع الاستيطان، حيث استخدمته أكثر من 11 مرة بشأن وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستخدمته أكثر من 90 مرة؛ فيما يتعلق بمشاريع قرارات تتعلق على الأقل، بالإفساح للمدنيين الفلسطينيين بممارسة حقوقهم على أرضهم، وفي قضايا إنسانية بحتة".
وتابع: "لو لاحظنا الصورة لمندوب الولايات المتحدة، حينما رفع يده وحيدا للاعتراض، حيث كان هناك خلال واضح، وكأنه خجل على نفسه من أن يرفع يده للاعتراض أمام أكبر دولة في العالم، تستخدم وبكل وقاحة حق نقد الفيتو، ضد إيقاف قتل المدنيين في فلسطين".
وأردف: "ليس هناك شيء أسمى من إيقاف قتل المدنيين في فلسطين، وليس هناك شيء أسمى من تحقيق هدف إنساني، وأمريكا هي التي دعت في الأساس لتأسيس الأمم المتحدة، وتكوين بعد ذلك الأمم المتحدة من خلال مؤسسات حفظ السلام، ودعت إلى تحقيق وحفظ السلام العالمي، والقانون الدولي الإنساني، وكذلك بريطانيا، التي امتنعت عن التصويت، مع أنهما شريكتان في هذا الوزر منذ البداية، وتتحملان المسؤولية منذ بداية نشأة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين".
وتساءل: "من الذي أنشأ الاحتلال الإسرائيلي منذ البداية في 1948م؟ وقبل ذلك من سمح باستجلاب المستوطنين إلى ما سمي زورا حينها بالكيبوتسات الاشتراكية، التي حلت في فلسطين عام 1909، ثم 1917م، ثم وعد بلفور، الذي منحته بريطانيا؟".
وقال: "الأمريكان والبريطانيون هم شركاء، وهم الصناع الأساسيون للجريمة في فلسطين، وتثبيت الاحتلال الإسرائيلي على الأرض".
وأضاف: "منذ التغيّر في النظام الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أوجدت أمريكا إسرائيل إيجادا كدولة وظيفية في المنطقة، وكسرطان في المنطقة العربية؛ يدير مصالحها".
وتايع: "الصلف الموجود يتعارض مع كافة الأعراف القانونية والدولية، حتى إن مدراء ومسؤولين، ومدراء وأمناء العموم، للمنظمات الدولية، في حالة استغراب".
وأردف: "ما حدث في السابع من أكتوبر 2023م، من قيام المقاومة الفلسطينية بالهجوم على الأراضي المحتلة، كان بعد سير عام من التحذيرات، من قبل المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية، ومنظمات الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية من أن هناك حالة من القهر للفلسطينيين سيولد حالة من العنف ستنفجر قريبا".
وزاد: "ليس غريبا أن تستخدم أمريكا حق الفيتو، إنما الإشكالية فيما بعد استخدامها ذلك، ففي السابق في عهد الرئيس الأمريكي بارك أوباما، حينما زار فلسطين لمحاولة إحلال السلام بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية، وصُطدم مباشرة بأن الاستيطان ارتفع من 111 ألف مستوطنة، منذ العام 1948م، إلى 750 ألف مستوطنة عام 2017م".
وقال: "للمرة الأولى منذ العام 2000م، في انتفاضة الأقصى، التي لم تستخدم فيها أمريكا حق الفيتو، ضد قرار إدانة الاستيطان في عام 2014م، قال الرئيس الأمريكي الأسبق، بارك أوباما، حرفيا بالنص إن الاستيطان هو السبب الرئيس في فشل حل الدولتين، وفشل عملية السلام. ورغم ذلك لم تتخذ أمريكا أي إجراء لحماية الفلسطينيين؛ وفق ما أشارت إليه المنظمات الدولية".
وأضاف: "الغرب لديه هواية وخبرة كبيرة في اللعب على المصطلحات، التي يستخدمها، فالقانون الدولي الإنساني ينظر إلى إسرائيل أنها دولة احتلال، وما تقوم به إسرائيل في غزة للدفاع عن احتلالها، وتمارس كل أنواع القتل والعنف للدفاع عن احتلالها".
وتابع: "الاحتلال الإسرائيلي في غزة مسؤول عن توفير المياه وحماية المستشفيات والمدارس، والمدنيين، وفق القانون الدولي الإنساني، فعن أي معايير تتحدث عنها الولايات المتحدة".
وأردف: "الولايات المتحدة اليوم تضرب عمق النظام العالمي، وتضرب المبادئ التي تتحدث عنها طيلة سنوات طويلة من الأمن والسلام، لذا ستمر بأزمة أخلاقية كبيرة، وستستمر هذه الأزمة، منذ أول لحظة لتفجّر صراع في منطقة أخرى من مناطق العالم، ولن تستطيع أمريكا أن تحقق أي إنجاز فيما يتعلق بحق الفيتو، عندما تأتي الدول التي لديها حق الفيتو للاعتراض على كل قرارات الولايات المتحدة، ونعود مجددا إلى دائرة العنف، وتفجر الصراع في مختلف مناطق العالم".
- مصالح استعمارية
يقول رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي: "إن قرار أمريكا (نقض الفيتو) بشأن إيقاف الحرب في غزة ليس الأول، الذي يأتي لحماية الكيان المحتل، وإنما هو رقم 50 من مجموعة 79 قرار نقض فيتو اتخذتهم الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن".
وأضاف: "جريمة الإبادة الجماعية في غزة ليست وليدة اللحظة، وإنما جريمة ممتدة منذ العام 1948م، عندما تمت إبادة ما يقارب 560 قرية فلسطينية".
وتابع: "فكرة تفريغ أرض فلسطين من سكانها هي فكرة تراود قيادات الكيان المحتل منذ البداية، بل البعض يعتبرون أن الآباء المؤسسين لهذا الكيان أخطأوا خطأ فادحا عندما لم يفرِّغوا هذه الأرض من سكانها".
وأردف: "حتى بعض الإسرائيليين المنصفين، مثل: إيلان بابي، لا يعتبر أن الكيان الإسرائيلي كيانا احتلاليا؛ لأنه ينظر إلى كيان الاحتلال كفكرة أو مصطلح قانوني يمكن أن يترتب عليه تبعات قانونية، ويوحي بالنهاية، بمعنى أن المحتل سيبقى فترة من الزمن ثم سيرحل، لكنه يوصفه توصيفا آخر، ويعتبر أنه كيان استعماري استيطاني".
وزاد: "فكرة الاستعمار الاستيطاني تقوم على أمرين اثنين، ومهم إدراكهما، الأمر الأول أنها تقوم على تفريغها من سكانها كما حدث في أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، والأمر الثاني أن المستعمر يأتي مجردا من قيمه الإنسانية، بمعنى أنه يأتي مطاردا، أو حاقدا، أو منتقما، كما شاهدنا هذا الأمر في الكثير من المناطق".
وقال: "أمريكا تقوم بذلك من أجل حماية مصالحها الاستعمارية، وحتى نضع الأمر في سياقه الطبيعي، فإننا لدينا اليوم امتداد استعماري منذ القرن الماضي، ولا يمكن وضع المعادلة في أي سياق آخر، سواء ديني أو تاريخي، أو غير ذلك؛ لأن فكرة تسليم الأراضي الفلسطينية لليهود هي فكرة بريطانية بدأت عام 1840م، من قِبل البريطانيين".
وأضاف: "تيودور هرتزل عندما أسس الصهيونية دعا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، أو أوغندا، أو الأرجنتين، أو أي مكان، لكن الفكر الاستعماري كما سمعنا في تصريح للرئيس الأمريكي بايدن، الذي يقول فيه: إذا لم تكن توجد إسرائيل سننشئ إسرائيل".
وتابع: "الأمم المتحدة اليوم شبيهة بعصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، عندما عجزت عن تنفيذ مهامها".
وأردف: "عندما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة عن استخدام المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، أعلن مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة بأن هذا سقوط أخلاقي، وأن يصل استخدام هذه الألفاظ إلى أمين عام أمم متحدة، فماذا سيكون عن بقية المؤسسات والمنظمات التي تدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين".
وزاد: "الانحياز الأمريكي لإسرائيل ليس تهمة بالنسبة لواشنطن؛ لأنها تعتبر نفسها بأنها حليف إستراتيجي، وأنها تحمي المصالح الأمريكية من خلال إسرائيل".



