تقارير
مختار الحداد .. قصة شاب عصامي يعمل تاجراً على هامش سوق بصنعاء

قناة بلقيس - حسان محمد
تشدك ابتسامته الخجولة التي لا تفارق وجهه، وملامح الهدوء التي تكسو محيّاه، وهو يفترش أحد أرصفة شوارع غرب أمانة العاصمة، ليكسب رزقه من عرقه المتصبب على جبينه تحت أشعّة الشمس، من بيع بضاعة متواضعة، يتنقل بها بين الأرصفة، وجولات المرور.
الشاب العصامي، البائع الأنيق، مختار الحداد، لا يزال يحافظ على المظهر الجميل والمرتّب، رغم افتراشه الأرض، ووقوفه ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، التي كسته اللون الأسمر، ومنحته الإصرار وقوّة الإرادة ليواصل مشوار حياته الصعبة.
طفولة قاسية
اعتاد الحداد الاعتماد على نفسه، ومواجهة قسوة الحياة منذ الطفولة، التي بدأت بوفاة والده، وهو لا يزال في سنواته الأولى، فحُرم بموته من الرّعاية والاهتمام، وحنان الأب.
فقدان الأب والمعيل جعل الحداد يتوقف عن الدراسة، وهو في الصفّ السادس من التعليم الأساسي، ويتّجه إلى السوق بحثا عن عمل يساعده على الاستمرار في الحياة، وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة.
لم يكن السوق بالمكان الآمن، والطريق السهل لطفل يسعى لإثبات نفسه، وتحقيق ذاته، وبدأ رحلة شاقة وطويلة بالعمل في البسطات، والتجارة بكل ما يمكن تحقيق كسب من ورائه، مهما كان قليلاً.
يقول الحداد لـ"بلقيس": "تاجرْت بأشياء كثيرة، وافترشت ببضاعتي العديد من شوارع صنعاء، ولم أتوقف عن العمل منذ الطفولة حتى لا ألجأ إلى طلب المساعدة من أحد".
ويضيف: "لا أعمل ببيع صنف مُعين، وتتغيّر بضاعتي حسب الموسم، لكن أغلب ما أعمل به 'الورود' و'العطريات' و'الفواكه' والخضار".
يوم شاق
في الصباح الباكر، يخرج العشريني مختار الحداد من منزله الكائن في شمال العاصمة، متجهاً إلى 'باب اليمن'، لشراء بضاعته من النباتات العطرية ك'الشذاب' و'النرجس' و'الخوعة'، أو ما تسمى ب'العنصيف'، من المزارعين القادمين من ضواحي صنعاء.
وببضاعته المتواضعة يفترش الحداد أحد الأرصفة غرب أمانة العاصمة، من الصباح حتى الظهر، ينتقل بعدها إلى جولة 'المرور'، القريبة من بسطته، ليعرض بضاعته على سائقي السيارات بكل لُطف وأدب.
ومع تراجع حركة الناس والسيارات، وبدء المقِيل، يعود الحداد إلى المنزل للغداء والراحة حتى "العصر"، ثم يعود لإكمال بيع بضاعته في شارع آخر حتى الليل.
يوم شاق ومُرهق يقضيه الحداد بين الأرصفة والشوارع مقابل عائد مالي قليل، لا يعرف مقداره، لكنه لا يتجاوز ألفي ريال في اليوم، بحسب تقديراته. فهو لا يهتم بمقدار الرِّبح الذي يجنيه، ما يهمه هو أن لا يقف عاجزاً عن تحصيل قوت يومه من عرق جبينه، كما يقول.
واستطاع الحداد وإخوته الأربعة أن يشقوا حياتهم بصعوبة، لتكوين عائلاتهم الخاصة، وبالتجارة المتواضعة استطاع الزواج، وتكوين أسرته الصغيرة. فعلى الرغم من صغر سنّه، وظروفه الصعبة، تمكّن من بناء أسرة، وصار لديه طفلان ينفق عليهما، ويتكفل بإيجار المنزل الذي يكلفه 30 ألف ريال شهرياً.
وفي خضمّ سنوات الحرب، دفعته الظروف إلى ترك صنعاء، والسفر إلى مأرب، للبحث عن باب جديد للرّزق، لكنه لم يصل إليها إلا بشقٍّ الأنفس، والاحتجاز في النّقاط الأمنية لمدة يومين، والتوقيف المستمر طوال الطريق، وهو ما يعانيه كثيرٌ من اليمنيين عند التنقّل بين المحافظات التابعة للحكومة الشرعية، والواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي.
يقول الحداد: "العمل في محافظة مأرب أفضل، والمبيعات أكثر، لكن الفارق بين العُملتين وعُمولة التحويل يجعل الجهد والمال يذهب هدراً، فلم استمر سوى أشهر قليلة، وعدت إلى صنعاء".
مؤشرات أممية
وعلى الرغم من أن الحداد بدأ كفاحه منذ طفولته، إلا أن تبعات الحرب جعلته يكابد ظروفا أكثر قساوة، كواحدٍ من بين 3.6 مليون شخص أدرجهم تحليل 'التصنيف المرحلي المتكامل' للأمن الغذائي للأمم المتحدة ضمن 'المرحلة الرابعة من انعدام الأمن الغذائي'، والذي أشار إلى أن العدد على وشك الوصول إلى 5 ملايين شخص في النّصف الأول من العام 2021، إذا لم يحدث تغيير في مسار الأزمة اليمنية.
وتعدّ المرحلة الرابعة من تحليل 'التصنيف المرحلي المتكامل' للأمن الغذائي (IPC) بمثابة التحذير الأخير للعمل على إنقاذ المصنّفين في هذه المرحلة، الذين يعانون ظروفا معيشية قاهرة، ومن المحتمل أن يموت أعدادٌ منهم بسبب الجوع، بحسب الأمم المتحدة.
ويبيّن التحليل ذاته ظهور جيوب سكانية تعاني ظروفا شبيهة بالمجاعة، وتصنّف في 'المرحلة الخامسة'، ومن المُمكن أن يتضاعف العدد في هذه المرحلة إلى ثلاثة أضعاف بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2021.
الحداد واحدٌ من الشباب العصاميين، الذين لم ييأسوا أو ينحرفوا، على الرّغم من تحمّلهم مسؤولية أنفسهم وأسرهم منذ الصِّغر، وكفاحِهم بكدٍ ليتشبثوا بالأمل، ويشقّوا طريقهم الوعرة بصبر، ويتخطوا تبعات الحرب والفقر والحرمان، ويصنعوا ذاتهم باقتدار.



