تقارير
مسيرات تعز الغاضبة.. هل ثورة الجياع قادمة؟!

خرج المئات من أبناء مدينة تعز، الأكثر ضحايا ودماراً ومعاناةً وجحيماً وفقراً وبطالة وتردياً اقتصادياً وإنسانياً ومعيشياً. لوّح البسطاء والكادحون والمعدمون والجوعى والمنسيون ب"ثورة الخُبز"، التي انطلقت، صباح السبت، وداس فيها محتجون غاضبون صور قيادات السلطة الشرعية العليا، في تعبير صارخ عن مدى سخطهم.
يتشابه الخروج مع ثورة "11 فبراير" بعفويتها، لكنها تختلف عنها بدوافعها والترتيب لها والدعوة إلى الخروج فيها بشكل واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، وتعليق لافتات في الشوارع تخلو من الشعارات السياسية، في حين تتضمّن هموم البسطاء وهواجسهم المثقلة لكواهلهم بما فيها غلاء المعيشة وارتفاع وانعدام رغيف الخبز وإغلاق المخابز وانهيار قيمة العملة المحلية بشكل غير مسبوق، الأمر الذي اعتبره متظاهرون حرباً وسياسة تجويع ممنهجة، تستهدف لقمة العيش، وتوسع من دائرة الجياع والمعذبين والعاطلين في مدينة تعاني أكثر من حصار، طبقاً للمتظاهر عبده نعمان، وهو موظف حكومي، والذي وجّه أصابع الاتهام إلى التحالف السعودي - الإماراتي وإلى الحوثيين والسلطة الشرعية، التي تقف وراء حصار تعز.
يشكو "علي" من صعوبة الظروف ومن قسوة الحياة، في ظل تقاضيه راتبا يعادل أقل من مائة دولار، ولا يغطي سوى جزء يسير من احتياجاته مع أسرته، في الوقت الذي يتسلمه بشكل غير منتظم، ما يفاقم مأساته مع الكثيرين من الموظفين.
أسباب الخروج
ويرجع خروجه إلى فقدان قيمة الريال اليمني، وانهيار الاقتصاد، بسبب سياسات الحكومة الفاشلة، وأدائها الهزيل في إدارة البلاد عن بُعد، منذ العام 2015، وذلك من منفاها الإجباري في الرياض.
ويوضح "لم تنفع السلطة الشرعية بأي شيء، بل فاقمت من أزمات البلاد ومعانات المواطنين، ولم تعمل على حل مشاكل الناس، لذلك سنستمر بالتصعيد حتى تصحيح الوضع".
ودعا المحتجون الحكومة المعترف بها دولياً إلى: العودة إلى أرض الوطن، والحُكم من داخله، ومعايشة أوضاع المواطنين والعمل على حلها، إلى جانب اتخاذ إجراءات عاجلة، وخطوات جادة، لإنقاذهم من المجاعة المحتملة، ووقف نهب الإيرادات، وفتح الموانئ والمطارات، وإعادة تصدير النفط والغاز، باعتبارهما ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
واحتج المتظاهرون، الذين جابوا شوارع المدينة، على تدهور الأوضاع المعيشية، وتراجع قيمة الريال اليمني، ما فاقم من سوء الوضع المعيشي لهم، كما طالبوا دول التحالف العربي بقيادة السعودية بالرحيل من اليمن، ورفع أيديهم عن مصالح اليمن وثرواته وموارده.
وانتقدوا سياسات التحالف السعودي- الإماراتي، معتبرين إياه سبباً رئيسياً في انهيار العملة، كما حمّلوه أيضا مسؤولية ما يحدث في البلاد، وما تشهده من أوضاع مأساوية.
عامل مشترك
وجمع "الخبز" المتظاهرين، في الوقت الذي أضحى فيه مهدداً بالمصادرة مع سبق الإصرار والترصد، وذلك من أفواه النساء والأطفال والذين أوغل فيهم الحرمان من: الغذاء، والدواء، والمياه الصالحة للشرب، وسلسلة طويلة من الحقوق والخدمات ومتطلبات العيش والبقاء.
وتحضر في أحاديث المحتجين المتشابهة جحيم الأسعار، والتي قفزت مؤخراً إلى أعلى مستوياتها، خصوصاً أسعار: القمح، والدقيق، والسكر، والأرز، والحليب، والأجبان، وغيرها من متطلبات الحياة الضرورية، التي تقتصر عليها اهتماماتهم، وتفكيرهم، وأحلامهم، ومخاوفهم المتزايدة من فقدانها، وصعوبة تأمينها، وهو ما يشير إليه العامل بالأجر اليومي، حميد حامد، الذي يقول لموقع "بلقيس": "خرجنا اليوم بسبب تدهور قيمة العملة، وغلاء الأسعار، ونقول لحكومة الفنادق في الرياض تعالوا عانوا ما نعانيه، وانظروا ما يحدث لنا، علّكم تتحرّكون لوضع حد لمأساتنا".
ويعاني المواطنون من غلاء الأسعار، حيث تصل قيمة "قرص الروتي" إلى خمسين ريالا، ومن المتوقع أن يرتفع سعره إلى مائة ريال.
وحذّر حامد الحكومة الشرعية من استمرار فشلها ونفاد صبر الشعب عليها، والذي لم يعد قادراً على تحمل ضعفها، كما "توعدها بانتفاضة عنيفة، ونزيف دماء، إذا استمر سباتها، ولم تقم بوضع حل للمشاكل العالقة".
أسباب المأساة
وأكد أن الكيل قد طفح، والشعب سيتحرك، وسيخلع الرئيس هادي ومعاونيه، وسينفيهم، ويطرد التحالف العربي، ويدوس على كل من صنع مأساة اليمنيين بالأحذية.
ويعيش أهالي المدينة، التي تسيطر عليها حكومة الشرعية، وضعا مأساويا، نتيجة الانفلات الأمني الخطير، وغلاء أسعار "الروتي" وندرتها، جراء إضراب ملاك الأفران، خلال الأيام الماضية، بسبب انهيار سعر العملة المحلية، وما نتج عنه من ارتفاع في أسعار الدقيق، الأمر الذي أدى إلى أزمة في "الخبز"، وتحوّله إلى سلعة تباع في السوق السوداء، وبأسعار جنونية.
وتداول ناشطون في "الفيس بوك" صور طوابير طويلة لمواطنين مصطفين لشراء "الخبز" من المخابز القليلة، التي واصلت عملها، بعد أن أحدثت تغييرا في حجم أقراص رغيف الخبز، وبيعها بأسعار مرتفعة.
ودعوا سكان المدينة إلى الخروج والانتفاضة ضد السلطة الشرعية، ومطالبتها بإنهاء حالة العبث والانفلات في المدينة، ووضع حلول عاجلة لتدهور قيمة العملة المحلية، وضبط أسعار السلع، إضافة إلى العديد من المطالب الحقوقية والسياسية، التي رفعها المحتجون الذين قطعوا شارع "جمال"، وسط المدينة، والتي باتت قاب قوسين أو أدنى من المجاعة.
لقمة العيش
ويعد الناشط وأحد أعضاء اللجنة المنظمة، فيصل العسالي، "ثورة الخبز" في تعز نتاجاً طبيعياً لما تمر به المدينة من مجاعة قاتلة، وتردٍ للخدمات المصاحب لتدهور العملة الوطنية أمام العملات الأخرى، خصوصا الدولار والريال السعودي.
وتواجه تعز خاصة، واليمن عامة، حرباً صامتة، أشد خطورة من المدافع، تمثلت بالارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية، وهو ما دفع بالمواطنين إلى الخروج وإعلان "ثورة الجياع"، في بلد أوقف فيه التحالف والحكومة الشرعية: الموانئ، والمطارات، وتصدير النفط والغاز، وحولوا الشعب إلى ضحية لعبثهم وفسادهم.
ويطالب العسالي الرئيس هادي -إن كان ما يزال رئيساً لليمن- بأن يتحرك صوب المجتمع الدولي، بدلا من الجلوس في الفندق بالرياض، كي ينقذ شعبه، وينتصر لمطالبه، وتأمين لقمة عيشه، ويعتبر ذلك انتصاراً حقيقياً، "ما لم فستكون العواقب وخيمة".
ودعا في منشور له على صفحته في "الفيس بوك" إلى نصب الخيام في الشارع، وإقامة فعاليات، وتظاهرات يومية، "كون التظاهر لنصف ساعة لن يجدي نفعاً".



