تقارير
مشاورات الرياض.. لماذا تدفن السعودية رأسها في الرمال؟

مع تزايد التحديات التي تهدد أمن السعودية والإقليم، مثل مزاعم إيران أنها تمتلك جزءا من حقل الدرة الغازي المشترك بين الرياض والكويت، وتنامي قدرات مليشيا الحوثي الهجومية على أراضي المملكة بعد دخول عملية "عاصفة الحزم" عامها الثامن، فضلا عن تداعيات غزو روسيا لأوكرانيا على الإقليم والنظام الدولي برمته، بدت السعودية مرتبكة وفي حيرة من أمرها، وغير قادرة على ترتيب أولوياتها ومواجهة المخاطر المستجدة والمتراكمة وتقليل الخسائر المترتبة عليها.
ففي وضع هكذا مضطرب، دعت السعودية إلى عقد مشاورات يمنية - يمنية في الرياض، لن يكون لها أي تأثير يُذكر على مسار الأحداث لصالح المملكة، لأن معظم من اختارتهم المملكة للمشاركة في المشاورات ليس لهم أي سلطة أو تأثير على الأرض، وليسوا مفوضين من قِبَل كيانات اجتماعية أو أحزاب سياسية لرسم ملامح مستقبل البلاد، فضلا عن القدرة على إيجاد حلول حاسمة، وبدا الأمر كما لو أن السعودية تدفن رأسها في الرمال لمواراة إخفاقاتها المتراكمة والتغطية على عجزها في مواجهة التحديات المستجدة، وصار فشلها عبئا على القضية اليمنية وعلى الأطراف الصديقة المنخرطة في الصراع الطائفي الذي تشعل نيرانه إيران في الإقليم.
وفي ظل سيولة سياسية تشهدها المنطقة والعالم، وفشل تدخل السعودية العسكري في اليمن منذ سبع سنوات، كان يفترض أن المملكة تتجه إلى دراسة إخفاقاتها وترتيب أولوياتها وإيجاد بدائل ممكنة تحقق مصالحها وتحفظ أمنها القومي المرتبط ارتباطا وثيقا بأمن دول الجوار، والمزج بين مواردها الذاتية وقدراتها الدبلوماسية لإعادة صياغة مقاربات جديدة لتجاوز الإخفاقات المتراكمة طوال السنوات الماضية، وأن تولي حاجتها الأمنية اهتماما خاصا بدلا من الاستمرار في سياستها التقليدية المعهودة والقائمة على المؤامرات وزرع الفتن ونشر الفوضى وتدمير مكتسبات دول الجوار، كما تفعل في اليمن، وأن تنتهج سياسات استباقية لامتصاص أي صدمات من المتوقع أن تتعرض لها.
- اليمنيون بين عبء فاتورة الحرب وعبث المملكة
تتزايد مخاوف اليمنيين من استمرار الحرب لسنوات كثيرة مقبلة بعد دخولها عامها الثامن، خصوصا أن المؤشرات الراهنة لا تبعث على الآمال بإمكانية حدوث اختراقات تفضي إلى الإنهاء التدريجي للأزمة أو التخفيف من فاتورتها الباهظة التي تنعكس على معيشة المواطنين، فالتصعيد العسكري ضد الحوثيين توقف فجأة رغم التقدم الذي أنعش الآمال الشعبية وأربك الحوثيين في جبهات شبوة ومأرب وتعز وحجة خلال الأسابيع الماضية، وهذا التوقف غير المبرر تمت مواراته خلف مشاورات الرياض التي يبدو أن هدف السعودية الوحيد منها هو تصعيد شخصيات جديدة ذات مواصفات معينة وتقديمها للجمهور للتهيئة لاستخدامها في مهام مؤجلة، مثل استمرار تصفية الحكومة الشرعية من بقية الشخصيات غير المرغوب فيها، والتأسيس لمرحلة جديدة من العبث والفشل.
وتنذر المؤشرات الحالية بأن الأزمة اليمنية مقبلة على سيناريوهات قاتمة، فمن ناحية، تصاعدت خلال الأشهر القليلة الماضية حدة التململ الشعبي والغضب ضد قيادات كل أطراف الصراع، جراء الأزمة المعيشية الناجمة عن الكلفة الباهظة لطول أمد الحرب. ومن ناحية ثانية، فإن الهدنة لمدة شهرين سيستغلها الحوثيون في حشد مزيد من المقاتلين وتدريبهم بكل أريحية وتعويض خسائرهم البشرية التي تكبدوها منذ فبراير 2021 وحتى اليوم في جبهات محافظة مأرب، والاستعداد لجولة جديدة من المواجهات العنيفة التي ستزيد من حدة الأزمة.
وفي خضم هذا الوضع الكارثي، الذي سيزداد سوءا في حال طالت مدة الحرب في أوكرانيا، وتأثر الأمن الغذائي في اليمن والعالم، تبدو السعودية غير مكترثة بمآلات الأحداث، وهذا لا يعني أنها مستعدة للحسم في حال أوشكت اللعبة على الخروج من يدها أو أنها تُحكِم قبضتها على جميع الأطراف وبالتالي سهولة إدارة الصراع، ولكن يعكس فشلها الإستراتيجي وعدم قدرتها على قراءة الأحداث وتقدير تحولاتها وما ستفرزه من تطورات ونتائج سلبية تهدد أبرز شركاتها النفطية وعصبها الاقتصادي والتجاري، بينما تحالفها مع الحكومة اليمنية الشرعية كبّل تلك الحكومة بقيود عسكرية واقتصادية مما جعل السعودية تمرر مخططاتها لإنهاك البلاد وتدميرها بكل أريحية، وما زالت مستمرة في ذلك رغم تأثيراته عليها، وما أفرزته تلك المخططات من واقع مختلف محفوف بالمخاطر التي تهدد أمن المملكة.
ورغم كل ذلك، إلا أن السعودية ما تزال تهرب من الحقائق المرة إلى الرهانات الخاسرة، فخطر الحوثيين وإيران على المملكة حقيقة مرة لا تنكرها الرياض، لكنها تراهن على أن طول أمد الحرب وتفكيك الدولة اليمنية سيضمن ضعف الجميع بمن فيهم الحوثيون الذين لن يجدوا دولة أمامهم لحكمها وجعلها مصدر خطر دائم يهدد المملكة، بينما الحقيقة عكس ذلك تماما، فالمليشيا الحوثية ومثيلاتها لا تزدهر وتتوسع إلا في زمن الحرب، ولا تتقزم وتذبل وتموت إلا في ظل دولة مستقرة ومزدهرة تنبض بالحيوية والاستقرار السياسي والمعيشي وتعدد المكونات السياسية التي تحاصر العنف وتعيد ترشيد المسار السياسي وإدارته بأسلوب حضاري بعيدا عن عنف وإرهاب المليشيا.
- خيارات متباينة وطرق مسدودة
يعد عقد مشاورات يمنية - يمنية في الرياض أحد أعراض ارتباك السعودية وتخبطها في إدارة الملف اليمني، وهذا الارتباك ناجم عن تباين الخيارات المتاحة وما ستؤول إليه الأزمة وفق كل خيار. فمن جانب، تريد السعودية احتكار القضاء على الحوثيين لكن مع رغبة أن يكون ثمن ذلك إضعاف أطراف أخرى غير مرغوب فيها أو أن علاقتها بها تنقصها الثقة، كما أنها تخشى أن يكون لطرف محدد الدور الأكبر في القضاء على الانقلاب حتى لا يمنحه ذلك شرفا ومكانة شعبية تعزز حضوره السياسي.
ومن جانب آخر، فهي لا تريد القضاء على الانقلاب الحوثي ولا تريد أن تقضي عليه أطراف يمنية أخرى، لأجل تبرير استمرار تدخلها في اليمن وإنهاك الدولة والمجتمع، لكنها تخشى أن يتفوق الحوثيون عسكريا ويتصاعد خطرهم ضدها، وبالتالي فهي ترى أن الحل يبدأ بإعادة هيكلة السلطة الشرعية وتصعيد طرف بديل عنها يتسلل من داخلها ومساعدته على حسم المعركة ضد الحوثيين وإقصاء الأطراف غير المرغوب فيها، وشرعنة ذلك الإقصاء بكل الطرق الممكنة، لكن هذا الخيار تكتنفه كثير من الصعوبات والتحديات، لأنه لا يوجد طرف مؤهل أو مستعد لإعادة تأهيله ليحكم البلاد بمفرده في ظل الانقسامات الأفقية والعمودية التي تعصف بالمكونات اليمنية كافة، وصعوبة التوفيق بينها على القبول بهيمنة طرف بمفرده على مقاليد الحكم.
كما يبدو أن الملف اليمني يخرج من يد السعودية تدريجيا، بسبب تزايد نفوذ إيران في شمال البلاد وتنامي نفوذ دولة الإمارات في جنوبها، فضلا عن التهديدات المربكة للمملكة في أكثر من صعيد. وبسبب عجزها عن ترتيب أولوياتها والمواجهة الجادة وصناعة حلفاء أقوياء، فإنها تفضل دفن رأسها في الرمال، مرة بالإعلان عن هدنة، ومرة بالإعلان عن تقديم مبادرة للتسوية السياسية، ومرة باستضافة مشاورات، ومرة بإجراء حوارات سرية مع الحوثيين، ومرة بعقد اتفاقات، مثل اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، ومرة باللجوء إلى المجتمع الدولي لاستجداء الحماية من هجمات الحوثيين المتزايدة التي تطال قطاع الطاقة في المملكة.
وفي المقابل، فإن السخط الشعبي يتزايد ضد كل الأطراف بسبب سلوكها الانتهازي والعبثي، فالسعودية تدفن رأسها في الرمال كلما ازدادت التحديات التي تواجهها، والحوثيون ينتهجون سياسة الهروب إلى الأمام كلما ازدادت ضدهم الضغوط، والإمارات ترد على الانتقادات الموجهة لها بمزيد من البلطجة، والحكومة الشرعية ترد على الانتقادات الموجهة لها بمزيد من التماهي مع السياسات السعودية العبثية في اليمن، بينما الأطراف الأخرى الطارئة على المشهد تبحث عن مصالح ذاتية من بين أكوام الخراب.
وأما محصلة كل ذلك فتتمثل في اتساع الفجوة بين الشعب وقيادات مختلف الأطراف المحلية والأجنبية الفاعلة في الصراع، وهذه الفجوة لا يمكن أن تقلصها مشاورات الرياض، بل فقد زادتها اتساعا. وإذا استمر العبث والانتهازية كسلوك حاكم لأطراف الصراع في اليمن، فإن تلك الفجوة ستزداد، ومن رحمها ستتبلور خيارات بديلة نابعة من أوساط الجماهير الجائعة من شأنها إرباك الجميع، ففي كل التحولات في تاريخ الشعوب فإنه عندما تتعقد الأمور يأتي الحسم من قبل الشعب بعد أن يكتمل وعيه الجمعي بخطورة ما يحاك ضده وتصل الأوضاع إلى طريق مسدود.



