تقارير
معاناة مزمنة.. أحياء في تعز لا تصلها مادة الغاز

منذ اندلاع الحرب في العام 2015، وإطباق مليشيا الحوثي الحصار على مدينة تعز، بدأت معانات المواطنين تتفاقم في عدد من المناطق والحارات، جراء حرمانها من حصصها من الغاز المنزلي أو نقص إمداداته.
عند تلك اللحظة، بدأ الناس يخوضون رحلة بحث شاقة وطويلة عن أسطوانات الغاز وشرائها بسعر مرتفع من السوق السوداء، المكان الذي تتوفّر فيه في أغلب الأوقات.
لم يتناسب ذلك مع القدرات الشرائية الضعيفة لدى الكثير من الأسر، التي لجأت إلى الاحتطاب وجمع الأخشاب والكراتين، والاستعانة بها في إعداد وجباتها المتواضعة.
هناك مناطق عدة تتعرّض للحرمان المؤقت أو المستمر من الغاز، سواء داخل مدينة تعز أو الأرياف المجاورة لها، مما دفع بالبعض إلى الخروج والتظاهر والاحتجاج.

أسطوانة الغاز في المناطق، التي لا تصل إليها الكميات المخصصة لها، واحدة من الهموم اليومية التي تؤرّق السكان، وتزيد من سخطهم، كما تتصدّر قائمة اهتماماتهم اليومية.
يقول مسؤول محلي لموقع "بلقيس": "إن الحرمان الكلي من الغاز يطال عشرات المناطق الواقعة في أرياف مدينة تعز الخاضعة للسلطة الشرعية، فيما يعاني البعض الآخر من حرمان جزئي، تصل نسبته إلى 60%".
تتجاهل السلطات المحلية معانات المواطنين في المناطق والأحياء التي لم تتلقَّ حصتها الطبيعية من الغاز، أو تقلّ الكميات المعتمدة لها من قِبل فرع شركة الغاز في المحافظة، التي أخفقت مراراً في تلبية احتياجات المواطنين وحلحلة ملف الغاز.
- جغرافيا الحرمان
من جهته، ذكر نائب مدير عام فرع شركة الغاز لشؤون التموين في تعز، لبيب المقرمي، أن جميع المديريات الريفية مغطّاة من الغاز المنزلي بنسبة 40%.
وأرجع ذلك إلى رفض محافظ المحافظة تنفيذ آلية التوزيع الشامل على جميع المناطق، وبما يتناسب مع حجم الكثافة السكانية.
تتوزّع المناطق المحرومة من الغاز على أجزاء من مديرية مقبنة وجبل حبشي وحيفان والشمايتين و الحجرية، ومديريات جبل صبر ونظيراتها في مركز المدينة، التي تقع ضمن المنطقة الأولى، وتخضع لسيطرة الحكومة الشرعية، وتتكون من 12 مديرية تتلقى 60% فقط من إجمالي حصة المحافظة من الغاز.
كما يتم توزيعه عبر 5 محطات، ثلاث منها مغلقة بفعل تدخلات مسؤولين محليين وقادة عسكريين، وتتلقى 7 مديريات خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثيين 40% من الغاز، ويتم توزيعه عبر 10 محطات.

مديريات الساحل الخاضعة لسيطرة القوات المشتركة (التابعة للتحالف)، بقيادة طارق صالح، يتم تزويدها بالغاز عبر محطة النور في المخا، التي توقفت عن العمل العام 2015، واستأنفت في أبريل/ نيسان من العام 2021، ثم توقفت بعد شهر بسبب تدخلات قيادات عسكرية.
يلفت الناشط رئيس لجنة رصد الانتهاكات في تكتل "ثورة الجياع"، فيصل العسالي، إلى حرمان عشرات الأسر في جميع المناطق من الغاز، أبرزها الفساد الرسمي وعدم وجود خطة واضحة لحماية حصص الأسر البسيطة من قِبل السلطات المحلية، وفرع شركة الغاز في المحافظة.
وذكر أن شركة الغاز تجاهلت المطالبات المجتمعية المستمرة بإصدار البطاقة التموينية التي ستضمن حصول كل أسرة على حصتها، وستحد من التلاعب بهذه المادة والاتجار بها في السوق السوداء.
يتهم ناشطون وإعلاميون مسؤولين وقيادات أمنية وعسكرية ونافذين وتجار بالوقوف وراء مصادرة حصص الكثير من المناطق والأسر، وبيعها في السوق السوداء، ويلفتون إلى تهرّب السلطات المحلية وشركة الغاز من مسؤولياتها في تفعيل الدور الرقابي، وإيجاد آلية شاملة وعادلة.
مشكلة متراكمة
تقتصر طريقة تعاطي السلطة المحلية المتكرر مع هذه المشكلة -إثر نشوبها- بعقد اجتماعات، تخرج منها بقرارات وتوصيات لا تعمل على تنفيذها.
في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، عقد اجتماع ضم وكلاء الغاز ومسؤولي محطة النور المسؤولة عن تموين مديريات ساحل تعز، وخرج الاجتماع، الذي ترأسه مسؤول أمني وآخر محلي، بمحضر اتفاق -حصل موقع "بلقيس" على نسخة منه- تضمن العديد من البنود،
أبرزها:
-زيادة حصة عاصمة المديرية من الغاز بما يتناسب مع حجم التزايد السكاني..
- إلغاء حصة كبار المستهلكين التي كانت تُصرف بالآلاف وتوزيعها عل جميع وكلاء الغاز في مدينة المخا.
كما ألزم المحضر محطة النور باتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من التلاعب بالأوزان، مطالبا الشركة اليمنية للغاز بمضاعفة كميات الغاز المرسلة إليها، وبما يتناسب مع تزايد عدد السكان في مختلف مديريات الساحل، وهو ما لم يُنفذ لاحقاً.

في منتصف أبريل/ نيسان الماضي، اشتكى مواطنون في عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي من قيام نافذين بنهب ثلثي حصة العزلة من الغاز المنزلي، والمتاجرة به في السوق السوداء، وتغاضت قيادة السلطة المحلية في المحافظة ذلك، إذ لم تبادر بتشكيل لجنة للتحقيق، بل وجّهت بضبط المواطنين الذين أغلقوا بمركباتهم أمام بوابة محطة الحسام في منطقة درخاف، ووصفتهم بالمسلحين.
- تخاذل حكومي
يغيب التنسيق بين شركة الغاز في المحافظة والمناطق التي لا تصلها مادة الغاز، ما دفع المواطنين في بعض المناطق نحو مطالبة السلطات المحلية بإطلاعهم بأسماء الوكلاء، وتحديد نطاقهم الجغرافي، والمناطق التي يغطّونها، وعدد الأسطوانات المخصصة لكل منطقة.
تُرجع تقارير محلية استفحال هذه المشكلة إلى الحصار الذي تفرضه مليشيا الحوثي، وهشاشة السلطات، والفراغ المؤسسي، وغياب البنية التحتية وآلية التوزيع العادلة، فضلاً عن الفساد، وغياب الرقابة، واستمرار التدخلات الحاصلة في التوزيع، وذلك من مسؤولين وقيادات عسكرية وأمنية ونافذين.
السلطات المحلية في المحافظة رفضت -في وقت سابق- خطة التوزيع المقترحة من قِبل المركز الرئيسي للشركة اليمنية للغاز في مأرب، وأوقفت -العام الماضي- العمل بآلية التوزيع الجديدة لفرع الشركة في المحافظة.
ويضع مسؤولون وقيادات ونافذون و وكلاء غاز وموزعون وسماسرة ومسلحون وآخرون ممن لديهم علاقات ومصالح ومخصصات لدى وكلاء الغاز أمام أي تحرّكات لحل هذه المعضلة الكثير من العراقيل، بينها التقطع والاحتكار، ودفع رشاوى، وتقاسم عائدات، وإخفاء كميات كبيرة من الغاز، وخلق أزمات متواترة، والدفع بمسلحين للتقطّع.
يتم بيع مخصصات المناطق والأحياء المحرومة من الغاز من قِبل هوامير نقابة وكلاء الغاز، الذين يستغلون غياب الوكالات المعتمدة رسمياً في تلك الأماكن، ويقومون ببيع معظم الكميات بأسعار مرتفعة على سماسرة السوق السوداء وأصحاب البقالات وكبار المستهلكين، كما يبيعون كميات شحيحة على المواطنين بأسعار زائدة عن السعر الرسمي.
يواصل فرع شركة الغاز في المحافظة العمل وفق آلية التوزيع السابقة، التي لا تخصص كميات لكبار المستهلكين، في حين تعتمد قرابة 18 مقطورة بينها 4 مقطورات لمديريات ساحل تعز الأربع، ومقطورتين لمديرية حيفان، و12 مقطورة لمديريات المدينة.
تقترح شركة الغاز اعتماد مقطورتين إضافيتين لصالح كبار المستهلكين، فضلاً عن تخصيص 4 مقطورات لمديريات الساحل، بينها مقطورتان كانتا مخصصتين لمديرية حيفان، التي يتم تموينها من مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حسب رواية رسمية.



