تقارير
من مأرب إلى تعز.. هل تتشكل معادلة جديدة للصراع في اليمن؟

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
حقق الجيش الوطني في محافظة تعز تقدما متسارعا خلال أيام قليلة في جبهات غربي المحافظة، بينما الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في محافظة مأرب أحبطا أعنف هجوم حوثي بهدف السيطرة على المحافظة الغنية بالنفط والغاز والتي تعد أهم معاقل السلطة الشرعية، وشكلت تلك التطورات صدمة كبيرة للمليشيات الحوثية، وربما أنها أثارت مخاوف تجار الحروب والأطراف المستفيدة من طول أمد الحرب، وسط ترقب الجميع لمآلات اشتعال المعارك بعيدا عن قيود "التوجيهات العليا"، كون ذلك سيعيد رسم حدود التدخل الخارجي في اليمن، وسيعيد أيضا رسم خارطة الصراع في البلاد ونقل المعركة من مربع "الاستنزاف البطيء للجميع" إلى مسار الحسم.
- دوافع التصعيد الحوثي
مع بداية العام الجاري، عاشت مليشيات الحوثيين وضعا صعبا إثر تصنيفها من قِبَل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب منظمة إرهابية، فسبب ذلك إرباكا كبيرا للجماعة وسط مخاوف من تشكل تحالف دولي للقضاء عليها، كما حدث بالنسبة لتنظيم "داعش" في العراق وسوريا، لكن السياسية الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، التي بدت متشددة إزاء تدخل السعودية العسكري في اليمن، وبنفس الوقت ألغت إجراءات اتخذتها الإدارة السابقة ضد إيران والحوثيين، مثل إلغاء تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وعودة التفاوض حول ملف إيران النووي، كل ذلك جعل الحوثيين يسابقون الزمن لتحقق نصر عسكري نوعي خوفا من متغيرات دولية مقبلة قد لا تصب في صالحهم، وفهموا السياسة الخارجية الجديدة لواشنطن بأنها ضوء أخضر لهم بالتصعيد ضد السعودية وضد السلطة اليمنية الشرعية.
ولا يمكن إغفال دور إيران في التصعيد الحوثي الأخير، ذلك أن عودة المفاوضات حول برنامجها النووي مع الغرب جعلتها تستثمر أوراقها لتحقيق مكاسب سياسية، ولذا سيستمر الحوثيون في تصعيدهم حتى وإن بدت الخطة الأمريكية الأخيرة لوقف إطلاق النار في اليمن بمثابة إنقاذ لهم من خوض معارك خاسرة والتغطية على تراجعهم في تعز وخسائرهم في مأرب بذريعة الاستجابة لخطة وقف إطلاق النار، لأن طهران هي من باتت تتحكم بالقرار الحوثي مباشرة، خصوصا بعد تعيين حاكم عسكري إيراني في صنعاء تحت لافتة "سفير"، وسيتوقف الحوثيون عن التصعيد العسكري في حال وجهتهم إيران بذلك.
وهناك عوامل أخرى أغرت الحوثيين بالتصعيد في مأرب وضد السعودية، من بينها أن إهمال جبهات مأرب، وسحب السعودية لمنظومة الباتريوت منها، وعدم صرف رواتب جنود الجيش الوطني هناك منذ عدة أشهر، والنقص الحاصل في التغذية، كل ذلك جعل الحوثيين وحليفتهم إيران يشعرون أن مأرب باتت في وضع يغريهم بالسيطرة عليها، خصوصا في ظل استمرار "الشيطنة الإعلامية" من قبل بعض الأطراف للجيش الوطني والمقاومة الشعبية في محافظة مأرب، فساد الاعتقاد لدى الحوثيين بأن تلك الشيطنة تعني عدم رضا عدة أطراف عن الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مأرب، وبالتالي لن يتقدم أحد لنصرتها.
- مفاجآت عسكرية
بدت النتائج الأولية للمعارك في محافظات تعز ومأرب وحجة مفاجئة وصادمة للحوثيين، فمنذ أكثر من شهر على بدء معركتهم للسيطرة على مأرب خسروا عددا كبيرا من مقاتليهم وعتادهم العسكري، وفي تعز استعاد الجيش الوطني السيطرة على مساحات واسعة غربي المحافظة وسط انهيارات غير متوقعة للمليشيات الحوثية، وأخيرا فاق الحوثيون على صدمة سيطرة الجيش الوطني في محافظة حجة على عدد من المناطق، وإذا استمر التصعيد وتحريك مختلف الجبهات ضد مليشيات الحوثيين، فإنها ستنهار خلال مدة وجيزة وبسرعة غير متوقعة.
لقد بدأ التصعيد الحوثي ضد السلطة الشرعية منذ بداية العام الماضي، بعد استعدادات استمرت طوال العام 2019، الذي كثف خلاله الحوثيون من تحشيد المقاتلين في صفوفهم وتدريبهم في معسكرات تدريب مكشوفة لكنها لم تُستهدف من قِبَل التحالف السعودي الإماراتي، وكان لافتا أنه خلال ذلك العام خفت الضربات الجوية من قبل التحالف على مواقع الحوثيين، كما شهدت معظم جبهات الحرب، سواء الداخلية أو في الحد الجنوبي للسعودية، انخفاضا ملحوظا في العمليات العسكرية قياسا بالأعوام السابقة، بالتوازي مع اضطراب الأوضاع في المحافظات المحررة، جراء الفوضى التي افتعلها حلفاء دولة الإمارات، مما أربك السلطة الشرعية، التي آلمتها المتاعب التي افتعلها التحالف السعودي الإماراتي في طريقها، وجعلها أمام أعداء كثر، وانقلابات هنا وهناك.
ورغم أن مليشيات الحوثيين حققت مع بداية العام 2020 مكاسب متسارعة في الجبهات المهمشة، وهي جبهات نهم شرق العاصمة صنعاء ومحافظة الجوف، لكنها في الحقيقة كانت مكاسب قليلة ثمنها خسائر كبيرة في صفوف المليشيات، علما بأن تلك المكاسب ما كان لها أن تتحقق لولا ما يمكن وصفه بـ"التهيئة اللوجستية" لإسقاط تلك الجبهات بيد الحوثيين من قِبَل التحالف، بدليل أنه (التحالف) سحب عتاده وجنوده من تلك الجبهات، وأوقف رواتب أفراد الجيش الوطني هناك، ونقل عددا منهم إلى جبهات الحد الجنوبي للسعودية، وضم بعضهم إلى التشكيلات المسلحة في الساحل الغربي، التابعة لطارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق علي صالح.
كما أن الانتصارات المحدودة المتسارعة التي حققها الحوثيون في نهم والجوف رافقها تهليل إعلامي وتبشير بقرب سقوط مأرب من قبل أتباع دولة الإمارات، وهم غالبا ممن تم تجنيدهم لشيطنة القوات الحكومية ووصفها بأنها تابعة لحزب الإصلاح، الحليف الرئيسي للسلطة الشرعية والتحالف ضد الحوثيين، وذلك بعد أن أربكت القوات الحكومية مؤامرة الانفصال بعد أحداث أغسطس 2019، التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن، لكن مليشيات الحوثيين لم تستطع التقدم نحو مأرب، نتيجة خسائرها الكبيرة في نهم والجوف، فاستعدت مجددا للسيطرة على مأرب، وحشدت كل إمكانياتها لاقتحام المحافظة، والزعم بأن ذلك سيتم خلال أيام قليلة، وها هي المعارك تدخل شهرها الثاني دون تحقيق أي تقدم نوعي، وما تحقق من تقدم في مناطق محدودة بمديرية صرواح لا يتناسب مع حجم الخسائر التي تكبدتها المليشيات هناك.
- معادلة جديدة للصراع
لم تستمر نشوة المكاسب التي حققتها مليشيات الحوثيين في جبهات الجوف ونهم شرق العاصمة صنعاء كثيرا، فتلك المكاسب التي فتحت شهية المليشيات للسيطرة على محافظة مأرب الغنية بالنفط والغاز، تحولت إلى وبال عليها بعد عجزها عن اقتحام المحافظة رغم شراسة المعارك وضخامة الخسائر منذ أكثر من شهر، كما أن حشدها كل إمكانياتها لاقتحام مأرب كشف هشاشتها في الجبهات الأخرى، وظهرت حقيقة قوتها التي كانت غامضة نوعا ما منذ أحداث ديسمبر 2017 التي شهدتها العاصمة صنعاء والتي انتهت بقتل الحوثيين حليفهم السابق الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بعد تفاقم الخلافات البينية.
وعلى ضوء التطورات الميدانية الأخيرة في جبهات القتال بمحافظات تعز ومأرب وحجة، تتشكل معادلة جديدة للصراع ليس في تلك المحافظات فقط، وإنما في كل الجغرافيا اليمنية، ذلك أن تلك التطورات كشفت هشاشة المليشيات الحوثية في حال تم تحريك كل الجبهات بدون استثناء، وجعلت المليشيات الحوثية وحاضنتها الشعبية أمام واقع جديد (مُر) سيكون له انعكاساته النفسية السلبية على المشروع الحوثي السلالي، يقابل ذلك ارتفاع معنويات جنود الجيش الوطني وأفراد المقاومة الشعبية للقضاء على مشروع الانقلاب السلالي الكهنوتي. باختصار، لن يكون مستقبل الصراع في اليمن بعد التطورات في تعز ومأرب وحجة كما كان قبلها، مهما حاولت أطراف خارجية فرض سيناريوهات ضد الإرادة الشعبية.



