تقارير
مهاجرون أفارقة.. وداعا للأرض التي بنيناها

- 88 يمنيا مقابل 600 مهاجر يعملون في صندق النظافة
- ترحيل المهاجرين يربك مأرب التي ازدهرت بفضل 1600 عامل من المهاجرين
يرفض عبد الكريم أسمر طلب منظمة الهجرة الدولية ترحيل المهاجرين الأفارقة في محافظة مأرب، الذي أعلنت عنه مطلع الشهر الجاري، وبدأت الرحلات فعليا، ليستمر في عمله الذي يجني منه مائة دولار شهريا.
منظمة الهجرة الدولية قالت، في بيان لها، إنها تنوي -في مرحلتها الأولى- ترحيل 900 مهاجر أفريقي من مأرب التي يعيش فيها 4500 مهاجر.
عبد الكريم أسمر (35 عاما) يعمل منذ الصباح الباكر كل يوم، ومنذ عشرة أشهر في مأرب منذ وصوله اليمن قادما عبر البحر مهاجرا من إثيوبيا.
يعمل في صندوق النظافة والتحسين بمأرب، ويتخذ من أحد شوارع المدينة مكانا محددا لتنظيفه كل يوم بمكنسته ذات العصا الطويلة ويديه السمراء دون ملل.
إلى جواره، يعمل اليوم أكثر من 600 مهاجر أفريقي في صندوق النظافة والتحسين بمأرب، التي ازدهرت بفضلهم، وتميّزت عن باقي محافظات البلاد خلال فترة الحرب من نواحي الجمال والتزيين والنظافة.
- عمّال دون عقود
ينحدر عبد الكريم من منطقة أوادي بأوروميا في إثيوبيا التي قدم منها عن طريق المهرّبين متنقلا، حتى وصل إلى مأرب، واستقر فيها ليعمل لمدة 10 ساعات خلال النهار والليل.
دون عقد عمل، قال أسمر إنه يعمل في صندوق النظافة، ولكنه يتقاضى 100 ألف ريال راتبا (100 دولار) في الشهر.
العمل دون عقد رسمي يخالف ما نصّت عليه اتفاقية عمالة المهاجرين التابعة للأمم المتحدة، التي وقّعت عليها اليمن، لذلك سلكت الهجرة الدولية ومندوب وزارة الخارجية الإثيوبية طريقها نحو مكتب صندوق النظافة والتحسين قبل أن تبدأ عملها في ترحيل المهاجرين المنتشرين في المحافظة.
تتخذ عملية ترحيل المهاجرين إلى بلدانهم أو نقلهم إلى مناطق أكثر أمانا عندما يكون من الصعب توفير الحماية لهم من الانتهاكات، والإجلاء يعد الملاذ الأخير لإنقاذهم.
- إرباك الترحيل
قال مدير مكتب النظافة والتحسين في مأرب أحمد عطية، لـ"بلقيس"، إنه استقبل مندوبي الهجرة الدولية ووزارة الخارجية الإثيوبية في مكتبه، ورحّب بقرار ترحيل المهاجرين من مأرب طواعية.
وأكد عطية أن مغادرة المهاجرين ستؤثّر على عمل وتطوير مشاريع النظافة والتحسين في مأرب، وستتسبب في إرباك القطاعات المختلفة التي يعمل فيها المهاجرون الأفارقة.
وبالنسبة للبدائل، قال عطية إن مهاجرين آخرين هم البديل، بالإضافة إلى النازحين المتواجدين في المحافظة.
يلتحق المهاجرون في الصندوق ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغالبيتهم يغادرون إلى محافظة أخرى أو عمل آخر، بحسب عطية.
ووجّه الشكر والامتنان للمهاجرين الذين ساهموا وخدموا المدينة في كل مناحي التنمية والنظافة والبناء.
يعمل أكثر من 600 مهاجر أفريقي حاليا في صندوق نظافة مأرب، فيما 88 يمنيا فقط يعملون فيه، بحسب إحصائيات الصندوق.
ومنذ 2018، التحق حوالي 3 آلاف مهاجر بالعمل في صندوق النظافة والتحسين بمأرب.
وقال عطية إن صندوق النظافة قدّم امتيازات للعمال المهاجرين، وذلك بإعطائهم رواتب شهرية مستمرة: من 120 ألفا إلى 130 ألف ريال يمني حوال (100 دولار)،
بالإضافة إلى توفير تغذية متكاملة ويومية لثلاث وجبات، والرعاية الصحية والمأوى الدائم.
وأكد عطية ما قاله عبد الكريم أسمر أن المهاجرين لا يوقّعون مع مكتبه عقود عمل متفقا عليها لتحدد مهامهم وأوقات أعمالهم، وحقوقهم.
وأوضح أن استقبال ودعوة المهاجرين إلى العمل في الصندوق تكفل بهما أحد المهاجرين الأفارقة الذي يعمل كمندوب للصندوق لاستجلابهم للعمل، وترجمة الاحتياج، ونوع العمل، والراتب الذي يركز عليه المهاجرون في الدرجة الأولى، بحسب عطية.
وشهدت مدينة مأرب نقلة نوعية في مجالات تحسين وتزيين ورصف وترتيب حدائق الشوارع.
- نهضة بالمهاجرين
لكن مكتب النظافة ليس الوحيد الذي يعتمد على عمال مهاجرين، بل إن أكثر من ألف مهاجر يعملون في مزارع ومكاتب خاصة، ومنظمات ومحال تجارية، وصرافات ومطاعم مأرب كلها تستضيف عمالا من المهاجرين، وذلك لتوفّر اليد العاملة الأقل تكلفة للمهاجرين الأفارقة مقابل العمّال اليمنيين. وذلك يخالف قوانين عمالة الهجرة، التي تلزم بمساواة العمال المهاجرين بالعمالة المحلية من حيث الأجر والخدمات والحقوق.
- أرقام الهجرة
وبحسب إحصائيات منظمة الهجرة الدولية (IOM)، فإن 190.000 مهاجر بحاجة إلى المساعدة في اليمن، وأنه -خلال العام الماضي- لقي 109 مهاجرين مصارعهم، أو اختفوا أثناء سفرهم إلى اليمن، أو عودتهم منه إلى جيبوتي.
وأشارت إلى أنّه عبَر ما لا يقل عن 27800 شخص من القرن الأفريقي إلى اليمن خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري.
فيما دخل اليمن عبر ما يسمى "الطريق الشرقي" ما يقرب من 37500 خلال عام 2020، بينما دخل، العام 2019م، 138000 مهاجر إلى اليمن، 15% منهم من النساء والأطفال.
- لماذا الهجرة؟
تقطّعت بهم السبل إلى مبتغاهم نحو العمل في السعودية، بسبب الحرب الدائرة في اليمن، التي تحوّلت إلى مقر تجمّعاتهم، ليقعوا بين المعاناة والطموح.
ويهاجر الأفارقة من بلادهم بسبب الصراع الديني، وكذا الانتهاكات الواسعة من قِبل القوات الحكومية في بلادهم، وذلك لتخوّفها من بعض الكيانات القبلية والدينية، بينها المسلمون والمسيحيون، وخاصة فئات الشباب، نساء ورجالا.
- لماذا العودة؟
قال المسؤول الإعلامي لمنسقية "الأوتشا"، التابعة للامم المتحدة، صالح الزغري في تصريح لـ"بلقيس" إن قرار إعادة المهاجرين الأفارقة إلى ديارهم يأتي بحسب طلب المهاجرين أنفسهم، لا بطلب السلطات الإثيوبية.
وأضاف الزغري أن معلومات مضللة يروّجها المهربون وتجار البشر في إثيوبيا بأن الهجرة إلى السعودية مربحة جدا، وأنها سالكة، لكنهم ينصدمون بواقع أقسى من ظروف عيشهم في بلدانهم، لذلك يقررون العودة، حد وصفه.
- وداع بالدموع!!
من الصعب على الفتاة روى ساهل (21 عاما)، المهاجرة الأفريقية في اليمن، أن ترى ما كان يخبئه المستقبل لها، وما واجهته من صعاب واقعية أمامها خلال هجرتها قبل عام ونصف.
تقول روى -بحزن- إنها واجهت صعابا كبيرة، وهي تنوي اليوم العودة إلى ديارها في إثيوبيا رغم مخاوفها من القتل أو الضرب أو السجن الذي قد تواجهه، عند عودتها على متن طائرة من مطار سيئون، برفقة مئات المهاجرين.
وبدأت فعليا منظمة الهجرة الدولية أول رحلة لها من مأرب عبر مطار سيئون بعدد 126 مهاجرا ومهاجرة، بينهم روى التي غادرت على متن باص من مأرب وعيناها تدمعان حزنا على فراق الأرض التي شاركت في جمالها.



