تقارير
مهام دولية في البحر الأحمر.. الحوثيون كذريعة للوجود العسكري الأجنبي

تكشف طريقة بعض الدول الكبرى في التعاطي مع تهديدات مليشيا الحوثيين للسفن التجارية في البحر الأحمر أنه لا رغبة لتلك الدول في دعم الحكومة اليمنية الشرعية لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة، مع أن ذلك الضمان الوحيد لأمن التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
فبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن تشكيل "تحالف الازدهار" للتصدي لهجمات الحوثيين على السفن التجارية، أعلن الاتحاد الأوروبي عن مهمة بحرية خاصة له في البحر الأحمر وخليج عدن لحماية السفن التجارية من هجمات الحوثيين، بمشاركة كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان، وستكون اليونان مقر العملية، في حين ستتولى إيطاليا القيادة العسكرية.
من المستغرب أن قوى كبرى تشكل تحالفات لمواجهة مليشيا محدودة العدد والعتاد، مع أنه كان بإمكانها اختصار كل ذلك من خلال دعم الحكومة اليمنية الشرعية للقضاء على الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة، باعتبار ذلك أقصر الطرق لتأمين الملاحة عبر أحد أهم المضائق البحرية في العالم، بدلا من الإبقاء على حالة التوتر من خلال التصدي للهجمات الحوثية التي لن تتوقف، ويلبي ذلك رغبة إيران في إبقاء البحر الأحمر منطقة ملتهبة لمناوشة القوى الكبرى بعيدا عن أراضيها، واستعراض مليشياتها في نقاط الاختناق ذات الأهمية الإستراتيجية وتهديد مصالح الدول الكبرى.
- ما الهدف من الإبقاء على التوتر قائما؟
لا شك أن جميع القوى الكبرى في العالم التي لها مصالح في البحر الأحمر وخليج عدن تدرك كل تفاصيل الأزمة اليمنية وتداعياتها على أمن المنطقة، وتدرك ما هي الحلول الجذرية والحلول الترقيعية لتلك الأزمة وتأثيرها على أمن الإقليم وعلى المصالح الدولية، لكن ما يبدو هو أن القوى الكبرى تتخذ من تهديدات الحوثيين للسفن التجارية ذريعة لزيادة وجودها العسكري في المنطقة لأهداف أخرى تتجاوز مسألة مواجهة الحوثيين وحماية السفن التجارية.
علما أن معظم الدول المشاركة في مهام عسكرية في البحر الأحمر لها وجود عسكري سابق في المنطقة لذات الغرض، أي حماية الملاحة الدولية، وبإمكان القواعد العسكرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن تأمين السفن التجارية، ودعم الحكومة اليمنية كشريك على الأرض لإنهاء الانقلاب الحوثي، لكن هناك مآرب أخرى للوجود العسكري الإضافي في منطقة ظلت عبر التاريخ متلقى صراع الحضارات والإمبراطوريات والتكتلات.
صحيح أن ضعف الحكومة اليمنية الشرعية وتشتت أطرافها وهيمنة السعودية والإمارات عليها يجعلها غير مرئية أمام العالم أو شبه مغيبة مما يؤثر على تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة اليمنية وتداعياتها، لكن لا يمكن إغفال دور السعودية والإمارات في التأثير على مواقف الدول الكبرى من الأزمة اليمنية من جانب، ومن جانب آخر تعامل الدول الكبرى مع أزمات المنطقة ضمن سياقات صراعات القوى الكبرى، أي الإبقاء على حالة التوتر في المنطقة قائمة كأحد متطلبات التنافس بين القوى الكبرى.
وهكذا تتخذ الدول الغربية من تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر ذريعة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وهو وجود ليس موجها نحو الحوثيين، وإنما نحو القوى الآسيوية الصاعدة، كالصين وروسيا، ومن دون بقاء التوتر قائما في المنطقة فلن تكون هناك ذريعة لتعزيز وكثافة الوجود العسكري فيها بشكل تدريجي لا يثير الريبة أو يؤجج سريعا من حدة الصراعات الدولية.
- أزمات المنطقة ومصالح القوى الكبرى
إن تعامل القوى الغربية مع المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، يمضي وفق حاجات مصالحها، فمثلما كان التوتر الدائم في الشرق الأوسط، وتحديدا منطقة الخليج، أحد متطلبات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، فإن التوتر حاليا أحد متطلبات أمريكا لمنع عودة روسيا إلى المنطقة، والتأثير على النفوذ الصيني المتزايد في الشرق الأوسط ومنه إلى قارة أفريقيا.
وفيما يتعلق بتعزيز الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، فإن ذلك يعكس توظيف نظرية القوة في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط الذي يستند على السلوك الإستراتيجي الأمريكي الفعلي في هذه المنطقة، المتمثل في الأهداف التي تسعى واشنطن لتحقيقها في ضوء المصالح الحيوية لها في هذه المنطقة المهمة لما تتمتع به من مميزات إستراتيجية، حيث تنبع كافة الأهداف والمصالح الأمريكية من هدفها الرئيسي المتمثل في ضمان وتأكيد الهيمنة على العالم بأسره.
وتجدر الإشارة إلى أن القوة هي المبدأ الذي قامت عليه الإستراتيجية الأمريكية الشاملة لتحقيق مصالحها في العالم منذ تخليها عن "مبدأ مونرو" الصادر عام 1832، الذي كان قد حدد السياسة الخارجية الأمريكية بعدم التورط في المشكلات التي تكون القارة الأوروبية طرفا فيها، مع منع الأوروبيين من التدخل في شؤون العالم الجديد، بيد أنه إثر اندلاع الحرب الباردة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تبلورت مجموعة من المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، فجاء الاهتمام الأمريكي بهذه المنطقة الحيوية من أجل احتواء الاتحاد السوفيتي واستمرار تدفق النفط الخليجي بأسعار معقولة ودعم المواقف السياسية الإسرائيلية وحفظ أمنها والحفاظ على الأسواق التجارية في الشرق الأوسط.
كما أن فرض الحماية على منطقة الشرق الأوسط أصبح هدف السياسة الخارجية الأمريكية وفقا لحسابات قامت عليها الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بالاستناد إلى ما لخصه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في 23 فبراير 1980، في رسالته السنوية عن حالة الاتحاد، والتي ضمنها ما يعرف بـ"مبدأ كارتر"، الذي عبر فيه بأن أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي سوف تعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وأن أي اعتداء من هذا القبيل سيرد عليه بأي وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية.
- منطقة الصراعات والأزمات
ظلت المنطقة العربية مسرحا للصراعات بين القوى الكبرى عبر التاريخ، سواء صراعات على النفوذ في المنطقة أو تحويلها إلى ساحة مواجهات، ابتداء من الصراع الروماني الفارسي قبل الإسلام، مرورا بالصراع بين العرب المسلمين والأوروبيين المسيحيين، ثم بين الترك المسلمين والأوروبيين المسيحيين.
وفي العصور الحديثة، تجدد الصراع على المنطقة بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في القرن التاسع عشر، ثم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في القرن العشرين. ويبدو أن الصراع الجديد على المنطقة بين الصين (وحليفتها روسيا) وأمريكا (وحلفائها الأوروبيين) سيكون معلما من معالم القرن الحادي والعشرين.
- ضبط التوتر
قد يبدو الإبقاء على التوتر في المنطقة وعدم مواجهة تهديدات إيران ومليشياتها متناقضا مع "مبدأ كارتر"، لكن، وكما أشرنا آنفا، أنه مثلما كان التوتر الدائم في الشرق الأوسط، وتحديدا منطقة الخليج، أحد متطلبات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، فإن التوتر حاليا أحد متطلبات أمريكا لمنع عودة روسيا إلى المنطقة، والتأثير على النفوذ الصيني المتزايد في الشرق الأوسط ومنه إلى قارة أفريقيا.
وستظل أمريكا حريصة على ضبط التوتر القائم بحيث لا يتجاوز خطوطها الحمراء، فالتهديدات صحيح أنها تمس بالمصالح الأمريكية، لكنها لم تصل إلى مرحلة الخطر، وليس من مصلحة أمريكا والقوى الغربية حاليا توسيع نطاق الحرب في المنطقة خشية تأثير ذلك على إمدادات الطاقة، بعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها إمدادات الطاقة إثر حرب روسيا على أوكرانيا.
وهذا وضع يمنح إيران ومليشياتها في المنطقة، وفي مقدمتها مليشيا الحوثيين، فرصة للمناورة واستعراض العضلات وتوظيف العدوان الصهيوني على قطاع غزة لتحقيق مكاسب سياسية خاصة، بينما القوى الغربية ترى ذلك فرصة لزيادة وجودها العسكري في المنطقة التي اكتسبت أهمية متزايدة بعد عودة روسيا إليها عبر البوابة السورية وتعزيز علاقتها بإيران، والنفوذ الصيني المتزايد في المنطقة من خلال الشراكات التجارية والاستثمار، وذلك بعد أن كانت أمريكا قد وجهت اهتمامها شرقا وبدأت بالانسحاب التدريجي من المنطقة خلال رئاسة باراك أوباما.
- مخاضات نهاية القطب الأوحد
وبما أن عودة صراعات القوى الكبرى وبروز مؤشرات نهاية القطب الأوحد عوامل تجعل من احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة أمرا واردا، فإن جميع القوى الدولية المتنافسة تفضل أن تخوض صراعاتها في مناطق تماس بعيدا عن مدنها ببنيتها التحتية العملاقة وكثافة عدد سكانها، وستكون منطقة المشرق العربي، أو الشرق الأوسط، مسرح الصراعات والحروب المقبلة بين القوى الكبرى.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة أنفقت مليارات الدولارات على إنشاء قوة مركزية للتدخل السريع في المنطقة لتأمين تدفقات النفط الخليجي ومنع أي قوة أخرى من التغلغل في الخليج، لكنها بنفس الوقت أوجدت نوعا من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي بشكل خاص، وإذكاء حدة الصراعات الإقليمية، بهدف فتح أسواقها لتصريف الأسلحة التي تنتجها، ومن ثم استنزاف الأرصدة البنكية للدول النفطية من خلال التشجيع على التوسع في الإنفاق العسكري، والإبقاء على إيران ومليشياتها كفزاعة للدول النفطية وجعلها في حاجة دائمة للمظلة الأمنية الأمريكية، وما يترتب على ذلك من وجود عسكري أمريكي دائم في المنطقة ضمن إستراتيجية واشنطن للهيمنة في المنطقة والعالم.
وهذا هو ما يفسر حرص أمريكا ودول غربية أخرى على إذكاء حدة الصراعات في المنطقة وعدم القضاء على المليشيات الطائفية التابعة لإيران، وفي مقدمتها مليشيا الحوثيين في اليمن، التي تعتقد أنها تواجه قوى كبرى في البحر الأحمر، لكنها لا تدرك أنها مجرد أداة تستخدم كذريعة للقوى الغربية لإذكاء التوترات وتعزيز وجودها العسكري في المنطقة الموجه نحو الصين وروسيا.



