تقارير
نازحو جبل "الحجب" غرب تعز.. أسر تستظل بالأشواك!!

قناة بلقيس - هشام سرحان
في منطقة وعِرة، وموحشة، ومليئة بالعقارب، والأفاعي، يلوذ النازح علي عبده (45 عاماً) مع عدد من أفراد أسرته بشجرة شوكية جدباء، أملاً في أن تقيه الحر الشديد، وتخفف عنه مشقة الصيام، ولهيب العطش، الذي ينهك جسده، ويسبب له جفافا شديدا، لكن دون جدوى. فالأشجار لا ظل لها، ولا أوراق في جبل "الحجب"، القريب من مناطق المواجهات، التي تشهدها مديرية "مقبنة"، غربي مدينة تعز، منذ أشهر، بين الجيش الوطني ومليشيا الحوثيين، ما أسفر عن نزوح مئات الأسر نحو مناطق متفرّقة بما فيها "الكدحة" و"الرحبة" في "جبل حبشي".
جردت الحرب السكان من ممتلكاتهم، ومزارعهم، ومهنهم، ومواشيهم، ونحلهم، ودفعت بهم إلى جحيم المعانات، التي يكتوون بنارها كل يوم، بعد سنوات من العمل في الزراعة، والرعي، وتربية، المواشي، والنحل.
يحاول عبده كغيره من النازحين المتناثرين قرب الأشجار، وفي مجاري السيول ب"جبل الحجب"، أن يبلغ مأمنه، ويدرأ عن نفسه وأسرته قسوة الطبيعة، وتقلبات المناخ، ومخاطر الحرب، لكن لا مناص من ذلك في منطقة مكشوفة، يفترشون فيها التراب، ويلتحفون السماء، ويستجيرون بأشجار تتخذ أشكالاً وأبعاداً معيّنة، لا تفي بتغطية أجسادهم مع نسائهم وأطفالهم، في مشهد مأساوي تكبر فيه معاناتهم، خصوصاً في رمضان.
تعيش قرابة 132 أسرة نازحة في "جبل الحجب"، الذي يبعد عن "مقبنة" حوالي 3 كيلو مترات تقريباً، ظروفاً بالغة السوء والتعقيد، وأوضاعاً مادية، ومعيشية، وصحية، وإنسانية في غاية الخطورة والتردي. إذ تفتقر تلك الأسر للغذاء، والدواء، والمياه، والخيام، والفرش، والبطانيات، وأدوات الطبخ، والغاز، وغيرها من متطلبات العيش والبقاء، ما يجعلهم يتضورون جوعاً، وتجف أجسادهم من شدة العطش في منفاهم الإجباري هذا، البعيد عن اهتمام الحكومة والمنظمات الإغاثية.
تقترب مأساة هؤلاء من السماء، في حين تبعد عن الأرض، ومسامع ساكنيها، الذين تركوهم لمواجهة مصيرهم في سفح جبل استضافهم بإمكانيات متواضعة، ولم يقم بواجب الضيافة، ما ضاعف من معاناتهم، وبؤسهم، وشقائهم، بشكل كبير، فاق قدرتهم على الاحتمال، وزاد عزلتهم وعجزهم عن تأمين طعامهم وشرابهم.
تدفع عشرات الأسر النازحة من عزلة "اليمن" وقرى "الطوير الاعلى" و"الطوير الأسفل" و"النشيفة" و"الزهيب"، التابعة لمديرية "مقبنة"، ثمناً باهظاً لحرب دمرت منازلها، وجردتها من ممتلكاتها ومصادر دخلها، وقذفت بها نحو العراء، لتستظل بالأشواك، وتكتوي بالتجاهل الرسمي والمجتمعي، وندرة المساعدات.
* طفولة هزيلة
تشكو قسوة الطبيعة، وبُعدها عن حقولها، وأرزاقها، ومصادر مياهها، وتحكي أجساد أفرادها المنهكة، وملامحهم الكالحة، تفاصيل كثيرة، لا ترويها ألسنتهم المثقلة بلغوب الصيام، بقدر ما تفصح عنها التجاعيد، التي حفرتها الحرب، وتبعات النزوح، على وجوه الجميع بمن فيهم الأطفال، الذين يشيبون في مقتبل العُمر، وتبعثرهم الرياح كأوراق الخريف الشاحبة والمصفّرة.
في زيارة موقع "بلقيس" نازحي "جبل الحجب"، وجد طفولة هزيلة، وبقايا براءة واجمة، وشعثاء، يكسوها الغبار والسواد، كما يستبد بها التشرّد والحرمان من كل شيء، بما فيه الابتسامة، والمرح، واللعب، والتعليم، والعيش الكريم.
الأطفال، في هذا المكان المقفر، منهزمون، ومنسيون، وجوعى، وحفاة، وعراة، تنتابهم الحيرة، إذ يتلفتون حولهم فلا يجدون من ينتشلهم من واقعهم المرير، الذي يتوارى خلف نظراتهم البريئة، المثخنة بالحزن والأسى، والخوف من المجهول.
يفترسهم الفقر، والمرض، وشدة الحاجة، في حين تتنكر لهم الطبيعة، والمناخ، وتتكالب عليهم أشعة الشمس الحارقة، والرياح، وذرات الغبار، وتحدق بهم المخاطر من كل صوب، ما يبعث في نفوسهم الذعر، خصوصاً في الليل، وهو ما يُشير إليه عبده في حديثه لموقع "بلقيس"، موضحاً: "لا نملك خياما، ونعاني من شدة الحر نهاراً، والبرد والزواحف ليلاً، ما يفاقم معاناتنا، ويزيد مخاوفنا مع حلول فصل الصيف، وهطول الأمطار، التي ستجرف معظم النازحين المقيمين في مجاري السيول".
متلازمتا الجوع والعطش تنهكهم بشدة في منطقة وعرة، ونائية، ومفتقرة للآبار، وعيون الماء، وتجعل حياتهم في مفترق طرق، من لم يمتْ منهم بنيران القذائف والأسلحة الرشاشة مات بغيرها، ك: الجوع، والعطش، ولسعات العقارب، ولدغات الأفاعي.
بعضهم باع ما لديه من مواشٍ قبيل النزوح، وآخرون ارتحلوا وأخذوا بعضها، فيما لاذ الكثيرون بالفرار، وتركوا نحلهم، التي نفقت بالاشتباكات، التي حالت دون عودة مالكيها لأخذها، حسب ما ذكره مندوب نازحي "جبل الحجب" (أحمد المغدري) لموقع "بلقيس".
وأوضح أن "جميع النحالين تركوا نحلهم في مناطق المواجهات، ولم يستطيعوا الوصول إليها".
* خسائر فادحة
ألحقت الاشتباكات خسائر مادية كبيرة بالنازحين، بينهم خالد علي (52 عاماً)، الذي تعرّضت ممتلكاته -المقدرة بأكثر من 200 خلية نحل- للحريق بنيران المواجهات، وذلك عقب نزوحه إلى "جبل الحجب"، مخلفاً وراءه ثروة كبيرة، تكبّد بنفوقها خسائر تقدّر بملايين الريالات.
أبسط ما قد تفعله الحرب هو أن تلقيك في العراء، طبقاً للمغدري الذي أشار إلى أن نازحي "الحجب" يجلبون الماء من مناطق بعيدة، ويعجزون عن تدبير وجباتهم الغذائية، التي يعتمدون في إعدادها على مادة الدقيق، التي يتلقونها من برنامج الغذاء العالمي.
يجمعون الحطب ليعِدُّوا بعد ذلك الخبْز، في الوقت الذي لا يتلقون فيه سوى مساعدات شحيحة لا تسد رمقهم، ويعيشون عذابات لا متناهية، يئنون من هولها، ولا صدى لاستغاثاتهم التي يوجزها المغدري -في ختام حديثه لموقع "بلقيس"- بعبارة "مطلبنا هو توفير ما يبقينا على قيد الحياة".



