تقارير
نحالو اليمن في مواجهة الحرب وتقطعات الطرق

في وادي صافر على سفح الصحراء القريبة من الطريق الإسفلتي، ركن صالح العولقي خلايا النحل في صناديق مخصصة، حيث وزّعها على مجموعات أسفل كل تل رملي من رمال الصحراء.
استظل من حرارة الشمس الصحراوية اللاهبة، وإلى جواره أربعة نحالين آخرين من محافظتي شبوة وأبين تحت سقف محطة وقود، استعدادا لتناول وجبة الغداء أثناء الظهيرة.
الطريق من شبوة إلى مأرب الوحيد الذي بات يسلكه العولقي (45 عاما) بعد ما قطعت كل الطرق المؤدية إلى المناطق التي تشهد مواسم رعي النحل، التي كان يرعى فيها كل عام قبل الحرب الحوثية على البلاد منذ ثماني سنوات.
يقول العولقي لـ"بلقيس": "الحرب أغلقت أمامنا الطرق، التي منها نتنقل بين محافظات اليمن كلها لتتبع مواسم الرعي، لم يعد لنا متنفس نعيش فيه ونرعى إلا هذه الصحراء المفتوحة".
يتحدث العولقي بلهجته البدوية، وهو القادم من منطقة الصعيد بمحافظة شبوة جنوب شرق البلاد، أن تأثيرات الحرب الحوثية أنهكته، ومثله الكثير من أبناء منطقته، التي تشتهر برعي النحل وتجارة العسل.
- معاناة وخسائر
من جهته، سالم الكازمي (30 عاما) هو الآخر ركن خلايا النحل، التي قدم بها من محافظة أبين (جنوب البلاد)، يقول ل"بلقيس": "جماعة الحوثي لم تترك للنحالين مجالا للرعي، الأرض ملغمة من قِبل الحوثيين، والطرق منقطعة ومغلقة، والجبال جبهات حرب للحوثيين"، مشيرا إلى أن كل ذلك دفعه إلى الرعي في صحراء مأرب، بدلا عن الوديان.

وأضاف الكازمي أن "رعاة النحل يتعرضون للمضايقات والاتهامات بتبعيّتهم لأحد أطراف الحرب، ممّا يؤثر على بقائهم، وسهولة تنقلهم، ومخاطر تهدد حياتهم، وتهدد استمرار المهنة العريقة".
النّحال العولقي كان يمتلك 600 خلية نحل، فصار يمتلك اليوم 250 خلية فقط، لأنه فقد أكثر من نصف ثروته بفعل الحرب، التي منعته من الرعي في وديان مليئة بالزهر في مناطق سيطرة الحوثيين، وأبقت له صحراء لا تغني، مما أدى إلى وفات الكثير من الخلايا، وكان يبيع من العسل بمبلغ يتراوح بين 50 و70 مليون ريال يمني في العام الواحد قبل الحرب، لكنه اليوم يبيع بمبلغ يتراوح بين 20 و15 مليون ريال يمني، حد وصف العولقي.
أما الكازمي فكان يمتلك 800 خلية نحل، بينما يملك اليوم 300 خلية فقط، حيث فقد أكثر من نصف ثروته بفعل الحرب التي تشنها مليشيا الحوثي على النحالين، ومنعهم من التنقل والرعي في مناطق سيطرتها، التي يتنوّع فيها الرعي وتشهد أمطارا غزيرة.
القطاع الواسع من النحالين وتجار العسل عانى من "خسائر فادحة منذ انطلاق الحرب في البلاد" حسب تقرير حديث للجنة الدولية للصليب الأحمر.

وبحسب منظمة "الفاو"، التابعة للأمم المتحدة، فإن حوالي 100 ألف أسرة في اليمن تعتمد على تربية النحل كمصدر أساسي لكسب الرزق.
- من الوديان إلى الصحارى
تشهد محافظات إب وذمار وصعدة وعمران أمطارا شديدة، وتنوعا نباتيا واسعا، حيث كان مرعى النحل على مدار العام، استمر ذلك إلى فترة ما قبل الحرب التي شنتها مليشيا الحوثي، التي باتت اليوم تسيطر على تلك المناطق، فانحصر العولقي والمئات من النحالين في صحارى مأرب وشبوة وحضرموت الخاضعة لسيطرة الشرعية، المعترف بها دوليا.
الأمطار والسيول، التي شهدها الجزئ الشرقي من صحراء مأرب، أثمرت عنها أشجار "العلقة"، وحيدة النباتات في الصحراء، لكنها كثيفة جدا، ترعى النحل من أزهارها الصغيرة، حيث وفّرت طعاما هاما للنّحل في المنطقة التي تتزاحم فيها الكثير من خلايا النحل القادمة من محافظات شبوة وحضرموت وأبين، التي حرمتها الطرق النقطعة من التنقل بين المحافظات التي اعتادوا على الرعي فيها، قبل سيطرة مليشيا الحوثي عليها.
- لا مساعدات للنحالين
يمتهن أغلب المواطنين في منطقة الصعيد بشبوة مهنة رعي النحل، يقول عنها العولقي إنها "لم تعد كذلك اليوم، فأغلب رعاة النحل تركوا المهنة التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم بسبب الحرب وتغيّرات المناخ ومشكلة الجفاف، وبات الكثير منهم يعملون في مهن أخرى".
يقول العولقي إن كمية العسل لم تعد متوفّرة بالكميات السابقة نفسها بل أقل من نصفها، وهو ما يؤثر على استمرار رعاة النحل في مهنتهم، ويؤثّر على سمعة العسل اليمني الضاربة في أرجاء المعمورة، مشيرا الى أن هناط إقبالا كبيرا على طلب العسل في الوقت الذي قلّت كمياته كثيرا.

يتحدث العولقي بحزن عن أن العسل اليمني والنحل ورعاته يتعرّضون لإهمال واسع، بالإضافة إلى أن منع وإيقاف التصدير إلى الخارج حاليا جعل العسل اليمني يفقد سمعته وقيمته.
تقول منظمة "الفاو" والصليب الأحمر الدولي إنهما قدّما مشاريع لمساعدة النحالين اليمنيين، لكن العولقي يؤكد عدم تلقيه أو أي من النحالين في منطقة الصعيد أيا من تلك المساعدات، أو من أي منظمة، وبأي شكل منها.
- ألغام وقصف تقتل النحالين
يكشف العولقي عن أحداث الحرب التي أصابت رعاة النحل، مشيرا إلى أن ألغام وقصف مليشيا الحوثي في حريب والجوف وشبوة والبيضاء ومأرب دمّرت آلاف الخلايا، وقتلت وأصابت عشرات النحالين.
من جهته، يشير الكازمي إلى حادثة انفجار لغمين في طريق فرعي بين محافظتي الضالع وإب، التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، أدت إلى تدمير شاحنة أحد أقاربه، كانت تحمل عددا من خلايا النحل، ومقتل سائقها، وفقدان خلايا النحل بحسب كلامه.
في السياق نفسه، دفعت الحرب، التي شنتها مليشيا الحوثي، المواطنة وفاء ناجي إلى العمل في منزلها، بعد أن كانت تعمل مربية نحل مشهورة في مديرية الجوبة، جنوب محافظة مأرب (شرق اليمن)، بعد أن فقدت 60 خلية نحل كانت تربّيها، وتنتج منها العسل النوعي، بسبب الهجوم العسكري على مديرية الجوبة من قِبل مليشيا الحوثي أواخر العام الفائت، حيث استهدفت منزلها بقذيفة أدت إلى تدمير خلايا النحل، مشيرة إلى أنها لم تحصل على أي تعويضات حسب كلامها.



