تقارير
نعمة الشرعبي .. من الأمية إلى مشروع تنويري للنساء

معاناة كبيرة أن تظل المرأة تقاسي الجهل والأميّة سنوات طويلة، معزولة عن ما يدور حولها في العالم من أحداث، وتجد نفسها حبيسة على هامش الحياة، يمر عمرها بلا هدف تسعى لتحقيقه، أو أمل يشرق في سماء حياتها، فيُحيل ظلام أيامها نورا وتفاؤلا.
وكالكثير من فتيات الرِّيف، حٌرمت نعمة الشرعبي من الالتحاق بالمدرسة، وعاشت حياتها في إحدى القرى بمحافظة تعز، ترعى الأغنام، محاطة بقيود الجهل، تنظر إلى المستقبل فلا ترى سوى الجهل يطوّقها، ونفق مظلم ممتد ليس له نهاية.
تمتلك الشرعبي إرادة محاربة، وروحا عصيّة على الاستلام. وعلى الرغم من واقعها المُر، ظلت تنتظر -بصبر- فرصة عابرة، أو بريق أمل يلُوح في الأفق، وينتشلها من ظروفها القاسية، ويجعلها تنتصر على قيود المجتمع التي أرادت لها حياة نمطية، بمفاهيم وثقافات ضيّقة تحصر المرأة في دائرة مغلقة.
نافذة أمل
الزواج كان النافذة الأولى التي جعلتها تطل على العالم، فمع زواجها وانتقالها إلى العيش في صنعاء، قررت التمرّد على قيودها، واختيار أسلوب حياة جديدة، تستطيع فيها أن تشكّل رقماً، وأن تتأثر وتُؤثر.
تعْلم نعمة أن لا ملامح للمستقبل في ظل الجهل والأميّة، ولهذا كرَّست جهدها وخطواتها الأولى للتخلص من الأميّة، والتحقت، في العام 2008، بالدراسة في أحد مراكز محو الأمية لثلاث سنوات، لتواصل بعدها تعليمها في المدارس الحكومية، وتستكمل مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي.
تقول الشرعبي لـ"بلقيس": "بذلت كل جهدي لأعوّض ما فاتني من سنوات عمري، ودرست الإعدادية والثانوية عن بُعد، وعملت -خلال هذه السنوات- في العديد من المنظمات والجمعيات النسوية والتنموية، منها جمعية بئر العزب، ومؤسسة إنسان، وجمعية الوعد، ومنظمة الثبات".
وعلى الرغم من ازدحام وقت الشرعبي بالدراسة والعمل، إلا أنها التحقت بالعديد من الدورات التدريبية والتأهيلية، لتطور من نفسها، وتصقل قدراتها في مجال حقوق الإنسان، والعلاقات العامة، والتسويق.
العمل والتأهيل والتعليم جعل نعمة أكثر ثقة بنفسها، فانتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتها، تستقل فيها بذاتها، وتسعى لتكون عضوة فاعلة في المجتمع، قادرة على تقديم العون، ومد يد المساعدة للنساء اللاتي يعشن ظروفها السابقة نفسها، من جهل واعتماد كامل على الأسرة.
مناصرة واستقلالية
قبل عامين، استطاعت نعمة الشرعبي -بجهودها الذاتية ومثابرتها- تأسيس "مركز سديم لتنمية المهارات الحياتية ومحو الأمية" الخاص بها، ليكون إطارا للعمل على تنمية المرأة ومناصرتها.
تؤكد الشرعبي أن المركز استطاع -على الرغم من عدم وجود دعم- خلال عامين فقط محو أمية 70 امرأة، وتنظيم دورات تدريبية حِرفية، استفادت منها أكثر من 300 امرأة، في مجالات: الخياطة، والتطريز، وصناعة البخور، والإكسسوارات، وحِرف مهنية أخرى.
تشعر نعمة بسعادة كبيرة وهي ترى جهدها ينعكس على واقع النساء، لاسيما أن العديد من خريجات الدورات الحِرفية للمركز أصبحن يمتلكن مشاريع خاصة، وتمكنَّ من إعالة أسرهن.
وعلاوة على تلك الأنشطة، تقوم الشرعبي بالتطوّع بالتدريس والتدريب في مركزين لمحو الأمية بأمانة العاصمة، انطلاقاً من إيمانها بقضايا النساء، وتنميتهن ليأخذن مكانتهن المناسبة في الحياة، ويساهمن بنهوض مجتمعاتهن.
طموح لا ينتهي
تمتلك الشرعبي الكثير من الطموح، والمشاريع المستقبلية، ومع استكمال دراستها الثانوية، تسعى للالتحاق بكلية الطبّ، والدخول في مجال آخر، تستطيع من خلاله خدمة المجتمع، وتحقيق ذاتها.
الفراغ الذي عاشته نعمة -خلال السنوات الماضية- صار جدولا مزدحما بالكثير من الأعمال والأنشطة، والأنفاق المسدودة تحوّلت إلى أبواب مُشرعة بالأمل والطموح والأهداف.
تقول نعمة: "فرق كبير بين حياتي السابقة، وحياتي الحالية، كنت أعيش في ظلام دامس، لا أملك قراري، وأجهل الكثير عن ما يدور حولي، والآن صارت لي حياتي المستقلة، وأعيش بالأسلوب الذي أريده، ولا أحد يملئ عليّ طريقته في العيش".



