تقارير
هربا من خطباء الحوثي.. هجرة جماعية من المساجد في صنعاء

ما إن بسطت مليشيا الحوثي سيطرتها على صنعاء والمحافظات الشمالية، حتى توجَّهت أنظارها إلى المساجد، واستخدمتها وسيلة دعائية لإدخال كل المجتمعات اليمنية تحت عباءتها، وتطييفها بالمعتقدات والأفكار التي تعتنقها، دون مُراعاة للفوارق الثقافية والمذهبية، أو احترام حُرية الاختلاف.
لم يمر وقت طويل على انقلاب الحوثيين على السلطة، في نهاية العام 2014، حتى شرعوا في تغيير خطباء المساجد والقائمين عليها بعناصر تابعة لهم، وتوجيههم بما يجب أن يروّجوا له، ويحاولوا إقناع المصلين به، لكن رفض الناس الخضوع للأمر الواقع، واعتناق قيم لا يؤمنون بها، جعل كثيرا من المصلين يُحجمون عن حضور صلاة الجمعة، وصارت العديد من المساجد شبه فارغة.
- منبر للدّعاية
حمدي المشولي واحد من المصلين، الذين كانوا يحرصون على الحضور مبكرا لأحد المساجد في منطقة نقم؛ لسماع الخطبة من داعية معتدل فكريا، يصفه بقوله "عندما يخطب لا تملّ من كلامه، وتتمنّى أن لا تنتهي الخطبة".
يقول المشولي لـ"موقع بلقيس": "قبل حوالي ثلاث سنوات، صعد الخطيب إلى المنبر، وفوجئنا بمسلحين تابعين لمليشيا الحوثي يتبعونه إلى المنبر؛ لينزلوه ويستبدلوه بشخص آخر تابع لهم، وما كان من أغلب المصلين إلا مغادرة الجامع؛ تضامنا مع الخطيب؛ واحتجاجا على التصرف الفج الذي لم يحترم رغبة الناس".
وبحسب المشولي، بعد الحادثة لم يعد إلى الجامع، الذي كان يمتلئ والمساحات المجاورة له بالمصلين كما كان، وصار بوجود الخطيب الجديد، الذي لا يملك القدرة على الخطابة، ويجتهد في الترويج لمعتقدات لا يقبلها الناس، شبه فارغا.
ويؤكد المشولي أنه عندما لقي الخطيب سأله عن سبب تنحيته من الخطبة، فأخبره أن الحوثيين طلبوا منه ترديد الصرخة بعد انتهاء الخطبة، ومدح قادة المليشيا، الذين يسمونهم "أعلام الهدى"، وتعبئة الناس ليكونوا تبعا لها، ويؤيدوا كل أعمالهم، إلا أنه رفض.
- رحلة البحث عن جامع
لم يرضَ عبدالله الغُزي بتغيير خطيب الجامع في حي الجراف الشرقي، العام 2016، فقرر في أول يوم يحضره مع الخطيب الجديد، الذي اختتم خطبته بالصرخة، مغادرة الجامع دون صلاة، وعدم العودة إليه مرة أخرى.
يضطر الغُزي، في الوقت الراهن، إلى مغادرة الحي الذي يعيش فيه كل يوم جمعة للذهاب إلى الصلاة في جامع بعيد عن الحي، برفقة العديد من أبناء الحارة، الذين اتخذوا قرار عدم البقاء لسماع خطبة مسيَّسة، تروِّج للأكاذيب، والأفكار المغلوطة.
يقول الغُزي لـ"موقع بلقيس": "كان جامع الأسطى يعجّ بالمصلين، لكن مع استيلاء المليشيا عليه صار أبناء الحي يمرون من جواره وهم ذاهبون للصلاة في جوامع أخرى أقل تطرفا من خطيبه ضيف الله الشامي، المُعين من قِبل الحوثيين وزيرا للإعلام".
لم يقم عاصم علي بالبحث عن جامع آخر، كما يفعل جيرانه، وعادة ما يصلي الظهر بدلا عن صلاة الجمعة، أو يظل في المنزل حتى انتهاء الخطبة، ويذهب إلى الجامع للصلاة فقط، بحسب ما يؤكده لـ"موقع بلقيس".
ويعتقد علي أن خطباء المساجد متشابهون في توجههم، ولم تعد الجوامع لله وحده، بعد أن فرض الحوثيون صرختهم، وطبعوها على جدران المساجد الداخلية، وسخروها كمراكز للدعاية والتعبئة الطائفية.
- انتهاكات متنوِّعة
تعتقد مليشيا الحوثي أن السيطرة على العقول أضمن الطّرق لتثبيت أركانها، والبقاء على سدة الحكم، ولهذا توجَّهت للاستيلاء على منابر المساجد، وأنفقت الملايين في الدورات الثقافية، والمراكز الصيفية التي تقيمها على مدى السنوات الماضية.
وعلى الرّغم من استماتة مليشيا الحوثي في السيطرة على المساجد، وتطويع منابرها في خدمة أجندتها، إلا أن الرفض المجتمعي لمعتقداتها وقف حائلا دون تحقيق أهدافها، وانفضّ المصلون، وتناقصت أعدادهم باستمرار.
ويعد تغيير خطباء الجوامع واحدا من الانتهاكات، التي قامت بها المليشيا ضد دُور العبادة، حيث وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات "3370" واقعة انتهاك طالت المساجد في "14" محافظة يمنية، خلال الفترة من 1 يناير 2015، وحتى 30 أبريل 2022.
ورصدت الشبكة، في تقرير أصدرته مؤخرا، "109" جريمة قتل نفذها الحوثيون ضد خطباء وأئمة المساجد، ومصلين، منها "62" حالة قتل مباشر، و"17" حالة قتل بالقصف العشوائي و"19" حالة قتل نتيجة استخدام القوة المفرطة والضرب، و"11" حالة نتيجة الطعن بالسلاح الأبيض، إضافة إلى "132" حالة إصابة جسدية.
وأكدت الشبكة أن الحوثيين حوّلوا "378" مسجداً إلى ثكنات عسكرية، و54 مسجداً آخر إلى غُرف عمليات لأعمالها الحربية، علاوةً على أنهم اختطفوا "376" من أئمة وخطباء المساجد والمصلين، تعرّض منهم "52" للتعذيب الجسدي والنفسي، و"6" حالات للتعذيب في السجون حتى الموت.



