تقارير
هكذا تحولت مرتبات النازحين إلى سمسرة ومعاناة!

قناة بلقيس- حسان محمد
تحوّلت فرحة الحصول على الراتب لآلاف الموظفين النازحين، الذين يقطنون في المحافظات التابعة لسيطرة جماعة الحوثي، إلى معاناة كبيرة منذ إعادة صرفها لهم، بعد معاملات طويلة ووساطات متعددة، فما بين سياسة تقييد الصرف في المحافظات المحررة، والإطلاق بعمولة تحويل كبيرة تصل إلى ما بين 34% إلى 40%، رحلة شاقة من البحث والعناء.
فاستلام الراتب الأول جعل محمد مهيوب يشعر بسعادة لا توصف، وأعاد إلى روحه الأمل بعد تُوقف أكثر من عامين، على الرغم من انهيار قيمة العُملة المحلية، وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، الذي جعل قيمة الراتب تتقلص إلى أقل من النصف، إلا أن التخبط والقرارات المتضاربة من قبل وزارة المالية التابعة للحكومة الشرعية حول آلية الصرف قتل فرحته، وحوّلها إلى همٍ وعناء.
قرارات متخبطة
مع تصاعد التوتر بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي "المدعوم إماراتياً"، وقيام مليشياته المسلحة في محافظة عدن بعمليات تهجير واضطهاد المواطنين القادمين من المحافظات الشمالية، أقرّت الحكومة السماح بالصّرف في جميع المحافظات، حفاظا على سلامة المواطنين من التعسفات، التي تمارسها الأحزمة الأمنية في نقاط العبور أو في المدن.
واستبشر مهيوب بتلك الإجراءات المسؤولة للحكومة، وانزاح همٌ ثقيل من على صدره، حيث وفرّ تكاليف السفر والإقامة، وأمن المخاوف التي تواجهه في الطرقات، إلا أن الرياح لم تأتي كما يشتهي، وظهر الانقسام المالي بين بنكي صنعاء وعدن، مما أدى إلى ارتفاع فارق صرف الدولار والعملات الأجنبية بينهما، وجعل عمولة التحويل تلتهم أكثر من ثلث الراتب.
وكغيره من الموظفين النازحين رضي بالأمر الواقع، وبراتبه، الذي تقلص من 50 ألف ريال إلى حوالي 30 ألف ريال، في ظل ارتفاع كبير لأسعار السلع الغذائية، بيد أن قرار وزير المالية، سالم بن بريك، بإعادة تقييد صرف الراتب في المحافظات المحررة، الذي صدر مؤخراً، صار بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وصار الراتب لا يغطي تكاليف السفر وأجرة المواصلات، حسب ما يقول مهيوب لـ"بلقيس".
هذه الإجراءات جعلت فارس المسوري يتمنّى أنه لم يعامل على راتبه، حتى تستقر الأوضاع، ويُصرف بطريقة طبيعية، وبدافع الخوف على مصادرة راتبي سبتمبر وأكتوبر، اضطر إلى السفر من صنعاء إلى عدن، متكبداً مشقة السفر وتكاليفه.
يقول المسوري لـ"بلقيس": "راتبي أكثر من 100 ألف ريال، لكني لم أوفر شيئا منه، فالجزء الأكبر ذهب في نفقات السفر، ولأني لا استطيع صرف العملة الجديدة في صنعاء، أخذت عمولة التحويل جزءا كبيرا من المتبقي".
سمسرة المرتّبات
تكاليف السفر ومخاطره، بالإضافة إلى عُمولة التحويل المرتفعة، جعلت الكثير من النازحين يفضلون الاستغناء عن الراتب، وتركه يُصادر إلى أمانات البنك المركزي في عدن، بدلاً من المخاطرة، وتجشم عناء السفر دون فائدة تُذكر، وفي ظل هذا اليأس والتعقيدات نشطت عمليات السمسرة، واستغلتها محلات صرافة تمتلك وكالات من شركة "الكريمي" للصرافة في صنعاء والمحافظات المحررة.
وانتهزت تلك المحلات الفرصة، وقامت بصرف رواتب النازحين مقابل مبلغ مالي يزيد أحيانا عن عشرة آلاف ريال عن كل راتب، علاوة على عمولة التحويل.
وفيما قامت شركة "الكريمي" بإغلاق النظام على الوكلاء في المحافظات التابعة لجماعة الحوثي عند ملاحظة عمليات الصرف، إلا أن الصرف استمر لدى الوكلاء خارج هذه المحافظات بصورة البطاقة الشخصية، دون حضور الموظف، مقابل مبلغ مالي يتفاوت من صراف إلى آخر.
انقسام السياسات النقدية
إجراءات وزارة المالية في عدن جاءت بناء على قرار الوزير سالم بن بريك الذي اتخذه، رداً على منشورات لبعض روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، تتهمه بتقاسم عمولة التحويل مع "مصرف الكريمي"، كما تؤكد مصادر مصرفية.
ونفت شركة "الكريمي" (الجهة المخولة بصرف المرتبات) علاقتها بحصر الراتب على المحافظات المحررة، وأكدت أنها تنفذ توجيهات وزارة المالية في عدن، وأصدرت تعميما إلى الفروع والوكلاء بعدم الصرف في المحافظات التابعة لجماعة الحوثي، وقامت بإغلاق النظام واتخاذ إجراءات عقابية ضد الوكلاء المخالفين.
وأرجعت ارتفاع نسبة عمولة التحويل إلى فارق صرف العملات الأجنبية، وانقسام السياسة النقدية بين أطراف الصراع، والمراكز المالية التابعة لها، وعدم استقرار سوق الصرف، الذي يؤدي إلى تذبذب نسبة الحوالة، بحسب تصريح ريدان الشميري (موظف في شركة الكريمي) لـ"بلقيس".
تخبط السياسات النقدية والقرارات الارتجالية من قبل وزارة المالية في عدن، تقع تبعاته على عاتق الموظفين النازحين وأسرهم، وتجعل رواتبهم تذهب أدراج الرياح، وتتحول إلى وبال عليهم، في وقت هُم في أمسّ الحاجة إلى الدعم والمساعدة.



