تقارير
هل تفتح التطورات الإقليمية نافذة جديدة للعودة إلى مسار التسوية المتعثرة في اليمن؟
أكد المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن الأزمة اليمنية أصبحت ذات سياق دولي بعد هجمات مليشيا الحوثي في البحر الأحمر، مشيرا -في إحاطته لمجلس الأمن الدولي- إلى أن زيارته الأخيرة إلى مسقط وصنعاء وطهران والرياض حملت رسائل تحث على خفض التصعيد والعودة إلى مسار التسوية السياسية.
وطالب هانس غروندبرغ الحوثيين بالإفراج الفوري عن الموظفين الأمميين المختطفين، دون قيد أو شرط، كما طالب بضرورة وقف التصعيد العسكري في الجبهات المحلية، ومنع انزلاق البلاد إلى جولة عنف جديدة، والاتجاه لمعالجة الملف الاقتصادي.
- تداعيات إقليمية
يقول المحرر في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، مراد العريفي: "التطورات الإقليمية هي الآن باتت المحدد الرئيسي للتحكم بمسار العملية السياسية في اليمن، على اعتبار أن مليشيا الحوثي أصبحت واحدة من القوى في الإقليم، التي تؤثر في مسار العملية السياسية، خصوصا بعد ما حدث لمحور المقاومة، الذي تنضوي فيه مليشيا الحوثي، وبات على إيران أن تركز على إيجاد مهدد آخر على غرار حزب الله".
وأضاف: "مليشيا الحوثي الآن لديها كل هذه الإمكانيات على اعتبار بُعدها الجغرافي من إسرائيل، وقدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى، وهذا ما حصل مؤخرا خلال ديسمبر الماضي، حيث كنا نشاهد تقريبا في كل يوم عملية عسكرية للحوثيين، في تصعيد غير مسبوق".
وتابع: "كان هذا التصعيد، رغم أننا كنا نقرأ من خلال الأحداث التي جرت وما حدث لحزب الله بالتحديد، بأن مليشيا الحوثي ربما تقلل عملياتها وتعيد التفكير فيما تعرض له حزب الله من ضربات موجعة، ربما أنهت حزب الله بعد 40 سنة من إنشائه، وما أحدثه في العملية السياسية، سواء في داخل لبنان، أو في الهجمات ضد إسرائيل، لكن جماعة الحوثي اتخذت مسارا آخر وصعّدت، وهذا بالضرورة يعود إلى أن إيران فرضت على الجماعة أن تكون هي رأس الحربة فيما يسمى بمحور المقاومة".
وأردف: "هذا يشير أيضا إلى أن إيران تريد من جماعة الحوثي أن تثبت أن محور المقاومة لا يزال فاعلا، وأن ما سعت إليه إيران، خلال الفترة الماضية، عبر هذا المحور بالتحديد، كان محورا للدفاع عنها بدرجة رئيسية، وأن هذا المحور ما يزال قائما، وأن جماعه الحوثي قادرة على أن تنفذ عمليات على الأقل تزعج إسرائيل، خلال التوقيت الحالي".
وزاد: "الأزمة في اليمن لم تعد محلية، فالتداعيات الإقليمية فارضة نفسها على الملف اليمني بدرجة أساسية".
ولفت إلى أن "جماعة الحوثي، خلال الفترة الماضية، توصلت إلى اتفاق مع السعودية، وكان التوقيع على هذه المسودة قاب قوسين أو أدنى، لكن عملياتها في البحر الأحمر أعادت ترتيب كل الأوراق".
وزاد: "والآن مصير هذه الاتفاقية، التي كانت على الأقل تضمن مسارا سياسيا في اليمن، أصبح في أدراج الرياح، لأن المجتمع الدولي بات ينظر لجماعة الحوثي بشكل مختلف، وإيران أيضا استثمرت في هذه الجماعة بشكل مختلف".
وقال: "جماعة الحوثي أيضا وجدت إعادة اكتشاف نفسها في البحر الأحمر من خلال العمليات العسكرية، وهي التي نشأت في الجبال، وكانت كل عملياتها العسكرية تنحصر في الجبال وحرب العصابات، وما إلى ذلك، والآن وجدت نفسها أنها قادرة على التأثير في المسار البحري، وهذا المسار عملياته مختلفة تماما".
وأضاف: "مليشيا الحوثي أعادت اكتشاف نفسها جيوسياسيا في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والآن بدأت تنتج علاقات مع أطراف وجماعات في القرن الإفريقي، وهذا ربَّما سيُشكل تهديدا آخر في واحدة من نقاط الاختناق المائية العالمية، وربما يهدد الاقتصاد العالمي، لذلك أعتقد أن مسار الأزمة اليمنية لم يعد مسارا محليا بقدر ما أن الأزمة لها مسار إقليمي معقد".
وتابع: "جماعة الحوثي ربطت عمليتها العسكرية بالدرجة الأولى بمسار العمليات في غزة، وكان هذا الحديث أيضا يدور في الوسط الدولي، بأنه إذا ما انتهت العمليات في غزة، ستتوقف الجماعة عن تنفيذ عملياتها، لكن ما حدث مؤخرا أعتقد أنه خرج عن سياقه بعد أن شنت جماعة الحوثي هجمات، وأقضَّت مضاجع الإسرائيليين".
وأردف: "نحن شاهدنا كيف كان الإسرائيليون يهرعون إلى الملاجئ في أوقات الفجر، لذا أعتقد أن هذا سيعيد إسرائيل إلى التركيز على جماعة الحوثي، مثلما عادت التركيز على حزب الله في عام 2006".
واستطرد: "ومنذ تلك الفترة بدأت إسرائيل بالتركيز على حزب الله بأنه قادر على أن يشكل خطورة على إسرائيل، وهذا اعتقد ما يحدث الآن في اليمن".
- إعادة ترتيب الأوراق
في هذا السياق، يقول المحرر في مركز صنعاء للدراسات مراد العريفي: "ما يحدث الآن يعيد ترتيب كثير من الأوراق في اليمن، حتى إننا رأينا جماعة الحوثي كيف تعاملت مع الزيارة الأخيرة للمبعوث الأممي إلى صنعاء، حيث لم يلتقِ به المشاط، والتقى به فقط وزير خارجية سلطة الجماعة، وكانت الزيارة محدودة، ولم تكن بذلك القدر الكبير من الدبلوماسية".
وأضاف: "حتى إن المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، قال -في إحاطته- أنه ركز فقط على الإفراج عن الموظفين الأمميين المحتجزين لدى جماعة الحوثي، ولم يتحدث كثيرا على مسألة العملية السياسية، وما دار من المفترض أن يكون هو ما يسعى إليه خلال هذه المرحلة".
وتابع: "من المبكر الحديث عن التسوية السياسية في اليمن خلال الظرف الحالي؛ لأن تداعيات الصراع الإقليمي تفرض نفسها على الأزمة اليمنية".
وزاد: "وإذا ما عدنا إلى العملية السياسية، فإن هناك معارضة شديدة من أطراف في المعسكر المناهض للحوثيين، وهنا بالتحديد المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان قد رفض بشكل أو بآخر الصفقة، التي عقدتها السعودية مع الجماعة".
وأردف: "حتى الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي بكله، كان هناك تململ على هذه المسودة".
وقال: "لذلك أعتقد أن هذه الحرب والتطورات الأخيرة في البحر الأحمر أنقذت الحكومة اليمنية، على اعتبار أن ما كان سيحدث هو تسليم اليمن لمليشيا الحوثي بشكل واضح".
وأضاف: "لأن السعودية وصلت إلى قرار بأنه لا بُد لها أن تنسحب من اليمن، وأنه من الممكن التعامل مع الحوثيين إذا ما كانت هذه الجماعة أعطت ضمانات بأنها لن تهاجم أراضي المملكة من جديد".



