تقارير
هُوية في خطر.. تأجير المعالم الأثرية في تعز

الأنكى ليس ما تعرّضت له المعالم الأثرية في مدينة تعز من دمار وعبث ونبش ونسف وإهمال، بل ما حدث من تأجير لبعض تلك المعالم، والبناء حولها وعليها، رغم أنها تعود إلى حُقب زمنية قديمة ومهمّة، يمتد عُمرها لمئات السنين.
خلال الفترة الماضية، قامت مكاتب حكومية -في هذه المدينة الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية- بتأجير المساحة المحيطة بقبّة الحسينية، إلى جانب مساحات في أسفل قلعة القاهرة، وأنقاض بعض المعالِم القديمة في حيي المغربة وثعبات التاريخيين، تقول الهيئة العامة للآثار في تعز.
تجاهلت الجهات، التي قامت بالتأجير، تأريخ تلك المعالم، إذُ يقارب عُمر قلعة القاهرة 1000 عام، ويفوق عُمر "قبة الحسينية" 400 عام، فيما تعود المعالم في المغربة إلى الدولة الرسولية، ويتجاوز عُمرها 800 عام.
وفيما شُيّدت "قبة الحسينية" إبان الحكم العثماني للبلاد، وتحديداً في العام 1581، تُعد قلعة القاهرة من أشهر وأعرق المعالم الأثرية، التي بُنيت أوائل عهد الدولة الصليحية في القرن الخامس الهجري، وأسميت ب'حصن تعز'، الذي شكّل البذرة الأولى للمدينة القديمة، كما يقول باحثون.
يُعد حي المغربة من أقدم الأحياء، التي تشكّلت في الناحية الغربية لقلعة القاهرة، وقد ازدهر وتوسّع عمرانياً في عهد الدولة الرسولية.
حوى عدداً من المعالم، التي تدلُّ بقاياها على أنه كان يشغل الرقعة الواقعة ما بين جبل صبر جنوباً ومرتفع القلعة شمالاً، كما يمتد من قرية ذِي هُزَيْم (قَرْيَة المَدْرَسَة) غرباً ويمر بالقلعة وصولاً إلى بداية شارع المَغْرَبَة شرقاً.
-تأجير المعالم الأثرية
يقول نائب مدير فرع الهيئة العامة للآثار والمتاحف في تعز، أحمد جسار، لموقع "بلقيس": "قامت هيئة حكومية بتعز (يتحفظ الموقع عن ذكرها) بتأجير الحرَم المجاور لقبة الحسينية لمواطن يُدعى وضاح الحميضة، وقد بنى فيها مسكناً".
وفيما يُعد البناء بجانب المعالِم الأثرية مخالفة، يُعاقب عليها القانون، كون المكان حرماً أثرياً يجب الحفاظ عليه،
ألصق المبنى المستحدث بجدار القبة، ولم يترك متنفساً لها، ما شكّل عائقاً كبيراً أمام أعمال ترميمها.
ويضيف جسار: "تم أيضاً تأجير العديد من المواقع الأثرية في منطقة المغربة، أسفل قلعة القاهرة من جهة الجنوب، من قِبل مكتب حكومي بتعز (يتحفظ موقع بلقيس عن ذكره)، وقد تم بناء مساكن على أنقاض تلك المعالِم".
تجهل هيئة الآثار التفاصيل المتعلِّقة بتوقيت وشروط وقيمة صفقات التأجير، التي تمّت بسريّة تامة، في حين علمت الهيئة عنها لاحقاً، وذلك من مصادر قضائية، ولم تتمكّن من الحصول على الوثائق المتعلّقة بالتأجير.
تم هدم جزء من المبنى الملاصق لقبة الحسينية من الناحية الجنوبية، وذلك بناءً على توجيهات السلطة المحلية، وقرار مكتب الأشغال العامة القاضي بإزالة المبنى المستحدث، الذي ما يزال جزءٌ منه ماثلاً، كما يتواجد مبنى آخر وملاصق للقبة من الجهة الشرقية، يتبع مؤسسة المياه في تعز، حسب جسار.
في المقابل، تحوّلت الهيئة إلى جهة مُدانة، إذ أصدرت نيابة غرب تعز، في 24 سبتمبر من العام 2020، أمرا قهريا ضد مدير إدارة المتاحف في الهيئة، رمزي الدميني، وذلك بناءً على دعوة تقدّم بها صاحب المبنى.
-استحداثات
اُستحدث أيضاً، وفي وقت سابق، مبنى على أنقاض "قصر المعقلي" في منطقة ثعبات، كما قام مواطن، قبل شهر تقريباً، ببناء قواعد مسلّحة وسط بركة البحر الأثرية في المنطقة ذاتها، وقد تم إيقافه عن العمل، وإحالة القضية إلى النيابة العامة.
يتساءل مسؤول رفيع عن الجهة، التي سمحت لهؤلاء بالبناء على أنقاض "قصر المعقلي" الأثري، الذي يعود إلى عهد الدولة الرسولية، وقد شيّده الملك المؤيّد داوود بن الملك المظفر الرسولي قبل 8 قرون تقريباً.
انتعشت -خلال سنوات الحرب- في تعز ظاهرة تأجير المعالم الأثرية، التي من بينها تأجير مساحة مجاورة للباب الكبير، على مواطن أنشأ عليها كشكاً صغيراً، كما تم تأجير بعض المرافق في المدينة القديمة.
في سياق متصل، قام ضُباط وجنود ونافذون، في العام 2017، ببناء مساكن في الناحيتين الجنوبية والغربية، أسفل قلعة القاهرة، وتم إحالة قضيّتهم إلى النيابة العامة.
وفي منتصف مارس من العام 2020، أقدم محسوبون على الجيش الوطني، ووحدات الحرس الرئاسي، على البناء في حرم قلعة القاهرة الأثري.
هيئة الآثار، التي تنفي اليوم عِلمها بالجهة التي سمحت لهؤلاء بالبناء، أدانت سابقاً تلك الاستحداثات، وعدّتها تغييباً لتاريخ تعز، وطمساً لهُويتها التاريخية، كما طالبت بإيقافها وإبقاء المساحات المجاورة للقلعة كمتنفّسات وحدائق تزيّن منظرها، وتبرز جمالها الأثري.
-استغراب
المصادر الرسمية المسؤولة لم تتحدث لموقع "بلقيس" عن أي إجراءات متّخذة في حق الجهات، التي قامت بتأجير تلك المعالِم، واكتفت بالحديث عن إحالة بعض المستأجرين إلى النيابة في قضايا لم يبتُّ فيها بعد، ويكتنفها الغموض، ولم يكشف عن تفاصيلها للرأي العام.
واستغرب ناشطون ومهتمون بالآثار -في أحاديث متفرِّقة لموقع "بلقيس"- من التكتّم الرسمي الحاصل، وتجاهل الحكومة الشرعية والسلطات المحلية في المحافظة ظاهرة تأجير المعالم، وعدم اتخاذها الإجراءات القانونية اللازمة، ومحاسبة المسؤولين المتورّطين، وإيقاف كافة الاستحداثات.
وتسبب تأجير المعالِم الأثرية والبناء عليها بتخريبها، وتغيير طبيعتها ووظيفتها، حسب الباحث في الآثار، منير طلال، الذي أبدى استياءه من تحويل الأماكن التاريخية، ك: "باب موسى" الأثري إلى مبانٍ حكومية، وأقسام شرطة، ومكاتب للإدارات العامة، ما أضرَّ بتلك المعالم الأثرية.
وذكر طلال لموقع "بلقيس": "تعرّضت بعض المواقع الأثرية للنَّهب، والبسط، والأخطر من ذلك البناء على التلّ الذي تتواجد فيه قلعة القاهرة، وكذلك البناء في حي المدرسة، حيث تتواجد المدرسة الوزيرية، التي تعود إلى العصر الأيوبي، وفيها قبور ثلاثة من أعظم الملوك القدامى".
ويضيف: "في الجهة المقابلة لقلعة القاهرة، تم البناء فوق المدرسة المؤيّدية، وحول المدرسة المظفرية، التي لم يتبقَّ منها سوى القليل، جراء الزّحف العمراني المتواصل، الذي يشكّل خطراً كبيراً على تلك المعالم، ويعمل على تجريف التاريخ والقضاء".



