تقارير
وول ستريت جورنال: الحوثيون يستهدفون تحركات عسكرية في اليمن بدقة متزايدة ومخاوف من اختراقات استخباراتية
على مدى أيام، حلّقت طائرات مسيّرة للاستطلاع فوق قاعدة عسكرية صحراوية في محافظة شبوة في أقصى مناطق اليمن، حيث كان ضباط سعوديون يستعدون لتدريب مجندين جدد من القوات المحلية، في وقت تتواصل فيه المواجهات مع مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
وبحسب مسؤولين سعوديين ويمنيين أُحيطوا بتفاصيل الحادثة وشهود عيان تحدثوا لـ'وول ستريت جورنال'، استهدف الحوثيون القاعدة بثلاثة صواريخ باليستية خلال دقائق معدودة، بالتزامن مع بدء التدريب في 19 أكتوبر الجاري، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 75 شخصاً وإصابة أكثر من 200 آخرين، بينهم جنود سعوديون، في أعنف هجوم منفرد تنفذه الجماعة منذ اندلاع الحرب الجديدة.
ويُعد الهجوم الذي استهدف محافظة شبوة واحداً من سلسلة هجمات حديثة تكشف حجم التحديات التي تواجهها السعودية في مساعيها لاحتواء خصم أظهر قدرة على جمع معلومات استخباراتية حساسة بشأن تحركات القوات، وتنفيذ ضربات دقيقة وسريعة استناداً إلى تلك المعلومات.
وفي 15 أكتوبر الجاري، استهدف هجوم حوثي بطائرة مسيّرة وصواريخ قصر معاشيق في عدن، مقر السلطة الحكومية اليمنية المعترف بها دولياً، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الأشخاص، بينهم ضباط سعوديون، وفقاً لبعض المسؤولين السعوديين واليمنيين المطلعين على تفاصيل الحادثة. وأشار هؤلاء إلى أن أحد الصواريخ أصاب أماكن إقامة الضباط السعوديين.
والأربعاء الماضي، استهدف هجوم صاروخي حوثي مطاراً بالقرب من مدينة المكلا الساحلية شرقي اليمن، بعد وقت قصير من وصول تعزيزات عسكرية سعودية إلى قاعدة في المنطقة، بحسب مسؤولين.
وقال محمد الباشا، الخبير في الشأن اليمني ورئيس شركة 'باشا ريبورت' الأمريكية المتخصصة في الاستشارات المتعلقة بالمخاطر، إن الحوثيين يستهدفون بصورة منهجية التعزيزات العسكرية وعمليات إعادة الانتشار في مختلف أنحاء اليمن، بما يشمل الآليات الوافدة حديثاً وشحنات الذخيرة وتجمعات القوات ومراكز تجميع المجندين.
ولم ترد الحكومة السعودية على طلبات التعليق.
وتواجه السعودية صعوبات في احتواء التهديد الحوثي على حدودها الجنوبية منذ أكثر من عقد. فقد تدخلت المملكة في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015، بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء بوقت قصير، لكنها توصلت إلى وقف لإطلاق النار بعد سبع سنوات، إثر هجمات حوثية استهدفت مدناً سعودية ومنشآت للطاقة.
وخلال سنوات من الهدوء النسبي، قدمت المملكة دعماً مالياً لتغطية رواتب موظفي الحكومة في صنعاء، غير أن القتال استؤنف خلال الصيف الحالي، وسرعان ما تصاعدت وتيرته.
وتمكن الحوثيون من السيطرة على مناطق على امتداد مضيق باب المندب في البحر الأحمر، ما شكل تهديداً لصادرات النفط السعودية، كما شنوا هجمات متكررة على مطار الرياض الدولي، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، وأدت إلى تعطيل الرحلات الجوية لأسابيع.
وفي مطلع الشهر الجاري، شنت قوات مدعومة من السعودية هجوماً مضاداً، لكنها لم تحقق تقدماً حاسماً يُذكر. وفي المقابل، يواصل الحوثيون تهديد مدينة تعز الاستراتيجية، إلى جانب شن هجمات متكررة على عدن، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وتحتاج السعودية إلى تجنيد مزيد من المقاتلين المحليين أو إرسال أعداد أكبر من قواتها إلى اليمن، إذا أرادت شن هجوم واسع النطاق ضد الحوثيين.
وتكشف الهجمات الأخيرة عن حجم الكلفة البشرية المحتملة لمثل هذه المواجهة، في ظل امتلاك الجماعة طائرات مسيّرة وصواريخ أكثر تطوراً وقدرات استخباراتية متقدمة، فضلاً عن إظهار قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ومحكمة التوقيت داخل اليمن وخارجه.
وقالت فاطمة أبو الأسـرار، الخبيرة في الشأن اليمني والكاتبة في مشروع 'آلة الأيديولوجيا' المعني بدراسة الدعاية في الشرق الأوسط والحكومات السلطوية: 'الوضع اليوم مختلف تماماً عما كان عليه في عام 2015، بل إنه أسوأ بكثير وعلى نحو مضاعف'.
وتقع معسكرات العَلَم، التي استهدفها الحوثيون، في موقع استراتيجي بمحافظة شبوة، وهي منطقة صحراوية تضم حقول النفط والغاز الطبيعي في اليمن المنقسم.
وكانت هجمات الحوثيين قد أدت إلى توقف صادرات الطاقة عام 2022، غير أن المنطقة لا تزال تحتفظ بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، سواء لتعزيز سيطرتها على المناطق الخاضعة لها أو لمواجهة مساعي الحوثيين للسيطرة على البلاد بأكملها.
وسيطرت قوات متحالفة مع دولة الإمارات العربية المتحدة على المعسكر لسنوات، بعدما كانت أبوظبي شريكاً للسعودية في الحرب ضد الحوثيين، قبل أن تنسحب الإمارات من المنطقة عام 2021. ومنذ ذلك الحين، استخدمت القوات المدعومة من السعودية الموقع لتدريب المقاتلين وتقديم الدعم اللوجستي وإدارة العمليات العسكرية في المنطقة.
وفي 19 أكتوبر الجاري، وصل مئات الرجال الذين جرى تجنيدهم للانضمام إلى قوات الأمن المحلية إلى المعسكر للتدريب، بعد تلقيهم وعوداً بالحصول على أجور مقابل التحاقهم، بحسب مسؤول يمني مطلع على الحادثة.
وقال شهود عيان لـ 'وول ستريت جورنال' إن ثلاثة صواريخ باليستية ضربت القاعدة عقب تجمع أربع كتائب فيها، مشيرين إلى أن أحد الصواريخ أصاب مجندين أثناء محاولتهم الفرار من الهجوم الأول.
وكان جنود سعوديون يستعدون للمشاركة في فعالية التدريب عندما سقطت الصواريخ، وفقاً لمسؤولين يمنيين وسعوديين. وأكدت المصادر إصابة عدد من السعوديين، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن حجم الخسائر في صفوفهم.
ووصف شهود عيان المشهد بأنه اتسم بالفوضى والارتباك، إذ كان المقاتلون ينظرون بقلق إلى السماء، فيما نقلوا رفاقهم المصابين بجروح بالغة، في ظل غياب أنظمة الدفاع الجوي القادرة على التصدي للهجوم.
وألقى أقارب القتلى والجرحى باللوم على القائد العسكري المحلي المسؤول عن المعسكر، متهمين إياه بالتقصير في التعامل مع التحذيرات بشأن الطائرات المسيّرة التي حلّقت فوق الموقع خلال الأيام التي سبقت الهجوم.
وطالبت السلطات المحلية في شبوة السعودية بالإسراع في توفير أنظمة دفاع جوي ووسائل للإنذار المبكر والمراقبة، بهدف حماية المواقع العسكرية من الهجمات المستقبلية. وأفاد مسؤولون بعدم وجود أي أنظمة من هذا النوع في محيط معسكر العَلَم.
ويشير التقرير إلى أن القدرات المتطورة للحوثيين تعززت بدعم من إيران، فيما قال مسؤولون يمنيون إنهم يشتبهون في اختراق مخبرين تابعين للجماعة للمعسكر.
وكان تقرير صادر عن الأمم المتحدة العام الماضي قد أشار إلى امتلاك الحوثيين وسائل وتقنيات متقدمة للمراقبة والاستطلاع. وذكر التقرير أن سيطرة الجماعة على معدات الاتصالات في صنعاء تتيح لها اعتراض الاتصالات عبر أرقام الهواتف اليمنية، واختراق الهواتف، والاطلاع على الرسائل ونسخها.
وقبل أسبوع من الهجوم، أدانت الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين شبكات وخدمات الاتصالات المدنية في العمليات العسكرية وأعمال التجسس، كما حذرت المواطنين من أن التخابر لصالح الجماعة قد يعرّض مرتكبيه لتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام.