تقارير
يشيبون عند الفجر.. طلاب وطالبات يدرسون في العراء بتعز

خلال سنوات الحرب الدائرة في البلاد منذ العام 2015، توسّعت ظاهرة التعليم في العراء بمدينة تعز، وعدد من الأرياف الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، إذ يدرس آلاف الطلاب والطالبات في تلك المناطق بمدارس مدمّرة ومبان متهالكة وأحواش وأماكن مكشوفة وتحت الأشجار، ما يجعلهم عرضة لأشعة الشمس والرياح والغبار والضجيج، ويؤثر على أداء معلميهم ومستوى تحصيلهم العلمي.
الطفل محمد خالد (9 أعوام) - طالب في الصف الثالث الابتدائي - تحمله قدماه صباح كل يوم من إحدى القرى المجاورة إلى مدرسة صلاح الدين في قرية الأكدان بعزلة الأقروض التابعة لمديرية المسراخ، لكنه لا يجد مع 53 طالبا وطالبه في صفه سقفاً يستظلون به، ويتفادون أشعة الشمس الحارقة، وغيرها من عوامل الطقس والمناخ.
يفترش خالد ورفاقه الصغار الأرض، ويقعدون في ناحية محددة من فناء المدرسة، الذي يتقاسمونه أيضاً مع 177 طالبا وطالبة من زملائهم في الصفين الأول والثاني الابتدائي، ويتشاطرون المعانات نفسها، ويكتوون بلهيب الشمس صيفاً وصقيع البرد شتاءً، كما يتزاحمون بجوار سور المدرسة الخارجي، وتحديداً عند مساحة صغيرة يغطيها الظل الذي يتضاءل تدريجياً، ويكشف ستاره عن رؤوس الأطفال.
تأثرت ملامح هذا الطفل الريفي، الذي يدرس مع العشرات من زملائه للعام الثالث على التوالي، إذ أن بشرته السمراء أصبحت كالحة ومائلة للسواد، بفعل تعرّضه لأشعة الشمس، التي كلما مرت على وجهه بللته بالعرق، الذي يختلط بذرات الغبار المتطاير من المكان، أو القادم مع الرياح من الجوار.
يصاب خالد أحياناً بالصداع، وأحياناً تنتابه الحمى والكحة، حسب رواية والده، كما يصعب عليه سماع المعلّم بفعل الضجيج، وتداخل الأصوات وتشتت ذهنه، وانشغاله بالمارّة من حوله، كما يذكر هو لموقع "بلقيس"، مضيفاً "الشمس والريح والغبار يتعبني، والضجة ما تخليني أسمع الأستاذ، وأفهم الدروس".
يصعب على مجمّع صلاح الدين للتعليم الأساسي والثانوي استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة القادمين من عدد من القرى المجاورة، الذين وصل عددهم -خلال العام الدراسي 2020 /2021 - إلى 726، بينهم 403 طلاب و323 طالبة، حسب تقرير صادر عن إدارة المدرسة، التي تقوم بتوزيع الطلاب والطالبات في الثلاثة الصفوف الأولى على أماكن متفرّقة في الحوش، في حين تُكدّس نظراءهم من الصف الرابع وحتى الثالث الثانوي في عدد من الفصول.
- عوامل
طلال البحيري - أحد أبناء المنطقة العاملين في منظمة سول للتنمية المهتمة بالتعليم - يوضح لموقع "بلقيس": "نحن مضطرون لتدريس الطلبة من الصف الأول وحتى الثالث الابتدائي في العراء، لعدم توفر فصول إضافية للمدرسة، وقد قمنا مؤخراً ببناء فصلين على حساب فاعلي خير لطلاب الصفين الأول والثاني، ولكن لم نستكملهما بعد".
ويضيف: "مدرسة صلاح الدين ليست الوحيدة في المنطقة التي يدرس طلابها في العراء، ثمة مدارس أخرى في عزلة الأقروض، التي من أبرزها مدرسة الشهيد محمد الدرة في قرية الشبيلة ومدرسة الفلاح في قرية مخيرعة، ومدرسة الفجر الجديد في قرية رأس النقيل، ومدرسة أبو بكر الصديق في قرية ورقة بالعزلة ذاتها".
وتوسّعت ظاهرة التعليم في العراء، منذ العام 2015، بفعل استمرار الحرب، وتضرر عشرات المدارس كلياً أو جزئياً، وإغلاق عدد آخر منها، لوقوعها في مناطق التماس، فضلاً عن تزايد أعداد الملتحقين سنوياً بالتعليم الأساسي والثانوي، وانخفاض الطاقة الاستيعابية لعدد ملحوظ من المرافق التعليمية، التي تشتد حاجتها إلى التوسعة، في حين تزدحم بالطلبة - حسب مسؤولين محليين وتقارير رسمية.
ولفت تقرير صادر، في فبراير من العام الماضي، عن مكتب التخطيط والتعاون الدولي في المحافظة إلى مأساوية الوضع التعليمي في تعز، وتدهور قطاع التعليم، وحاجته إلى تأهيل وترميم ونهوض بالبنية التحتية، وبتكلفة إجمالية تفوق 26 مليونا و279 ألف دولار، كما
ذكر أن قرابة مليون طالب وطالبة في المرحلتين الأساسية والثانوية توزعوا -خلال العام 2020- على 1527 مدرسة، منها 97 مدرسة متضررة جزئيا، و43 مدرسة مدمّرة كليا.
وتعد محافظة تعز من أكثر المحافظات تفشياً لظاهرة التعليم في العراء، وهو ما يرجعه ناشطون إلى عوامل عدة، بينها تحويل عدد من المدارس إلى ثكنات عسكرية، وتآكل البنية التحتية لأخرى، وتخاذل الحكومة الشرعية والسلطات المحلية عن إخلاء المدارس المستوطنة من قِبل وحدات عسكرية، أو إصلاح أضرار الحرب التي طالت نظيراتها، فضلاً عن مركزية نشاط المنظمات، واقتصار تدخلاتها على مناطق دون غيرها.
ويذكر الناشط التربوي عبد الواسع الفاتكي لموقع "بلقيس": "عدم إصلاح ما أفدسته الحرب، وبناء مدارس جديدة دفع أولياء الأمور في داخل المدينة نحو تدريس أبنائهم وبناتهم في مدارس مدمرة ومبانٍ متهالكة وأماكن مكشوفة، لقرب تلك المرافق من منازلهم، وعجزهم عن توفير أجور المواصلات لهم أو إلحاقهم بمدارس بعيدة، في حين تزدحم الكثير منها وترفض استقبال طلبة جدد".
- طبيعة المشهد
ويضيف: "لا يختلف ذلك عن الأرياف، التي ازداد عدد سكانها، في حين لم توسع المدارس القديمة، ولم تبن
أخرى جديدة، ولذلك لجأ الأهالي لتدريس الطلاب والطالبات تحت الأشجار والشمس والأحواش، وداخل مبانٍ مهجورة، لا تتوفر فيها البيئة التعليمية والأجواء المناسبة، وهو ما يخلق معاناة مزدوجة بالنسبة للطلبة والمعلمين".
ويصعب على المعلمين إيصال المعلومات للطلبة الدارسين في مثل تلك الأماكن، جراء الضجيج، وتداخل الأصوات مع بقية الطلاب والمعلمين في الجوار إلى جانب تقلّبات الطقس والمناخ، التي تشتت ذهن الطلاب، وتعرضهم للأمراض، بما فيها الزكام والحمى والالتهابات، حسب الفاتكي، الذي لفت أيضاً إلى أن تلك الأماكن تفتقر إلى السبورات والمقاعد والأرضية المناسبة، ولذلك يجد المعلمون صعوبة بالغة في تأدية مهامهم، والتحكم في سلوك الطلبة بالتزامن مع شرود أذهانهم وانشغالهم بالنظر إلى المارة والمتحدثين بجوارهم.
وفيما يتعلق بعدد الطلاب والطالبات، الذين يدرسون في العراء بتعز، فقد تحفّظ مسؤول رفيع في مكتب التربية والتعليم بالمحافظة عن الحديث حول ذلك، واكتفى بالإشارة إلى أن مشاكل القطاع التعليمي لا تقتصر على مبنى أو اثنين، وإنما أكبر من ذلك بكثير، مضيفاً أن "هناك مدارس منتشرة على مساحة جغرافية واسعة، وتحوي مباني متآكلة، وأخرى مهدمة كلياً أو جزئيا".
وذكر نائب مدير مكتب التربية في محافظة تعز، بجاش المخلافي، لموقع "بلقيس" أن قطاع التعليم في تعز من أكثر القطاعات المتضررة، وعلى نطاق واسع، جراء الحرب، كما أن احتياجاته كثيرة، وخصوصاً في جانب البنية التحتية.
ولفت إلى أن "المشكلة الحقيقية تكمن في زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم في المديريات المحررة، وخصوصاً الواقعة في مركز المدينة، ما يجعلنا بحاجة ماسة لمواجهة الضغط الطلابي، وبناء مدارس جديدة، وتوفير احتياجات كثيرة على رأسها الكتاب المدرسي".
وتم ترميم 160 مدرسة في مديريات تعز المحررة، وبناء 6 مدارس، وتوفير 16 ألف مقعد مدرسي، وبناء فصول، وتوفير أثاث ومنظومات طاقة شمسية، وبناء حمامات للكثير من المدارس، طبقاً للمخلافي، الذي أضاف: "نعمل جاهدين مع الشركاء لاستكمال ترميم وبناء المدارس المتضررة والمهدمة، في حين تتوقف المنظمات عن عملية البناء في ظل الحرب، ومع ذلك نحن نستغل كل الظروف للقيام بذلك".
وتتباطأ جهود مكتب التربية والتعليم في المحافظة، التي وصل فيها عدد المدارس الخارجة عن الخدمة في العام 2016، إلى 400 مدرسة، حسب إحصائية غير رسمية، وهو تحد كبير يصعب تجاوزه لأسباب، أبرزها تواضع الإمكانيات، وندرة الدعم، وتوقف المنظمات في ظل الحرب عن بناء مدارس جديدة، ومع ذلك يحاول المكتب -بجهود شبه ذاتية- خلق استقرار تعليمي، وحل مشاكل قطاع التعليم، وأداء مهامه الأخرى، في حين لا تلبّي النفقات التشغيلية له الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية.



