منوعات
الجُبن.. صناعة النازحين من أجل العيش
في العام 2016م، غادر أحمد سالم (75 عاماً) منزله الكائن في بلدة "البرادة"، الواقعة بين خط المواجهات العسكرية في مديرية مقبنة غرب تعز، لتحط به الرِّحال تحت ظل شجرة في منطقة "الغلة السفلى" بعزلة "العوشقي" بمديرية "موزع"، برفقة أولاده، هرباً من سعير الحرب..
لم يكن مكان النزوح له ملائماً، لكنّه كان حينها أقرب نقطة يتم الوصول إليها هرباً من شظايا القذائف، التي تطالهم، و25 أسرة نازحة نزحت معه من مقبنة إلى مديرية موزّع، ليتخذوا من العش والشجر مأوًى لهم في ظل ظروف معيشية صعبة..
يتخذ الحاج أحمد سالم من صناعة الجُبن مهنة -لتخفيف قساوة النزوح والعيش- له ولأطفاله في ظل انعدام الغذاء والدواء وكامل الخدمات في الشِّعب الجبلي بالمنطقة، حيث يقول إنّه يقوم باستمرار بصناعة الجُبن "العوشقي"، لتوفير لقمة العيش لأطفاله..
- صناعة من أجل العيش
فقد العشرات من قطيعه -خلال النزوح- ولم يتبقَّ سوى بعضها، وهو ما جعله يَعمد إلى صناعة الجُبن كوجبة للأسرة في مكان نزوحها، وليس للبيع كما كان يفعل في مسقط رأسه بعد فقدانه ثلثي أغنامه.
ليست مراحل عملية صناعة الجُبن باليسيرة عند أحمد، فهي تبدأ ب: قطع كرْش صغير الغنم، لا يتجاوز عُمره عشرة أيام، ووضعه في صحن خاص، وخلطه بحليب الغنم، وتركه يوماً آخر حتى يجفّ، ثم نقله إلى صحن آخر، وتجفيفه على دخان حتى يصل إلى درجة الإحمرار، ثم يتم إخراجه ليصبح جاهزا لتتناوله الأسرة كوجبة رئيسة يوميّة في نزوحها.
ويبلغ عدد مخيّمات النزوح، في مديرية "موزع" جنوب غرب تعز، 14 مخيماً، موزّعة بين عُزل المديرية الأربع، لكن عُزلة "العوشقي" تعد الأكثر احتضاناً، حيث يوجد فيها 10 مخيّمات.
يقول صالح الروضي -رئيس الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين في موزع- إن الكثير من النازحين يعتمدون على صناعة الجُبن العوشقي، الذي يعد الأجمل على مستوى تعز، من حيث الجودة والتميُّز، ولهم سر المهنة في ذلك، في سبيل التخفيف من المعاناة القاسية في مخيمات النزوح.
يتابع الروضي أن "750 أسرة نازحة في موزع يكابدون قساوة النزوح من حيث انعدام المأوى والدواء والغذاء وحرمان الطفولة من التعليم"، ولذا يعتمدون على صناعة الجُبن والفحم، للتخفيف من حجم المأساة في المخيمات.
- الجفاف والانتاج..
ويعتمد نازحو عزلة "العوشقي" على صناعة الجُبن، وبيعه داخل الأسواق، أو لزبائن بالجملة أو التجزئة، بيد أن الجفاف وشحة الأمطار يقلل من حجم الانتاج، لشح حليب الأغنام التي تعد المصدر الرئيس لعيش النازحين، وصناعة الجُبن، حيث تتفاوت أسعاره بين 2000 - 5000 ريال يمني.
يقول سمير سالم "في الوقت الذي يصنع الجُبن من أجل العيش، فإن مائدة الإفطار الرمضانية لكل بيوت النازحين لا تكاد تخلو من الجبن العوشقي، حيث يتم طحنه مع البسباس، والثوم، والطماطم، ليتم تقديمه في مائدة الإفطار، كوجبة ذات مذاق وطعم لا يمكن الاستغناء عنه في موزع".