منوعات
القطريفي.. قصة معلّم أصم وأبكم نازح في مأرب

"لغة الأصابع" تُتقنها يداه بعد أن خرست لسانه، وصُمّ سمعه، أتقن لغة الإشارة، وهو اليوم يُتقن تعليمها لأقرانه، منذ 30 عاما.
بأصابعه يفصّل الكلمات، يوصل الجُمل، يشرح دروس اللغة العربية للصفوف الأولى، من الأول إلى الخامس، إنه المعلِّم علي القطريفي (52 عاما).
اُضطر القطريفي إلى النزوح من مغرب عنس التابعة لمحافظة ذمار إلى محافظة مأرب بعد أن قطعت مليشيات الحوثي راتبه، الذي كان يتسلّمه من مكتب التربية والتعليم، منذ التحاقه بالسلك التربوي قبل 32 سنة.
ورغم إعاقته (أصم وأبكم)، وكُبر سِنه، إلا أنه يعمل اليوم بنشاط كبير وحب في تعليم الأطفال من ذوي الإعاقة في مدرسة "بلقيس" الخاصة بالصم والبكم.
بلغة الإشارة، التي أتقن تعلّمها وتعليمها، يقدّم مادة اللغة العربية، ويشرح تفاصيلها بأصابع يديه لأكثر من 400 طالب وطالبة كمتعاقد براتب لا يلبّي احتياجات أسرته الكبيرة.
يقطع القطريفي كل صباح أكثر من 4 كم يوميا من سكنه في مخيم النزوح بحي الشركة إلى مدرسة "بلقيس" في حي الروضة شمال المدينة.
- السنة المشؤومة
وفي العام 2014، العام المشؤوم على موظّفي الدولة، اقتحمت مليشيات الحوثي العاصمة صنعاء، وقطعت رواتب الموظفين منذ 8 سنة، وحتى اليوم.
القطريفي واحد من المعلّمين اليمنيين، الذين اضطرتهم المليشيات إلى النزوح بحثا عن لقمة عيش بديلة لرواتبهم.
نزح القطريفي إلى مأرب تاركا أسرته خلفه في ذمار، وجهّز خيمته في أحد مخيمات النازحين في المدينة، وبعد أقل من سنة نزحت أسرته بعده، وذلك للعيش معه تحت ظل خيمة وغرفة من القش والحطب، مثل آلاف النازحين اليمنيين في مأرب.
- دلّال في المساء ومعلّم في الصباح
مثل الكثير من موظّفي السلك المدني، الذين نهبت جماعة الحوثي مرتباتهم، عمل القطريفي في أعمال ومهن جديدة بعيدة كل البُعد عن مجاله في التعليم.
يقول القطريفي لموقع "بلقيس": "عملت في المدرسة بدون راتب، وكانوا يعطوني أحيانا نصف راتب"، مضيفا أنه عمل إلى جانب التعليم في المدرسة دلّالا في معرض للسيارات لدى أحد معارفه.
وتابع: "كنت أجد أحيانا مصاريف البيت، وأحيانا أبحث عن مساعدات من أقاربي، الذين يعملون في السعودية".
- مقابل شحيح
يعمل القطريفي - متخرّج من كلية الشريعة والقانون وخبير في لغة الإشارة والإندماج لذوي الإعاقة- براتب لا يتجاوز 60 ألفا، في ظل وضع معيشي صعب، لكنه وجد ما يمكن أن يجتهد لأجله، وهو الطلاب النازحون في مأرب من ذوي الإعاقة، حد قوله.
وإلى جانب القطريفي هناك ستة معلّمين آخرين، أربعة منهم من ذوي الإعاقة، بينهم معلّمة، يعملون في مدرسة "بلقيس".
- خمسة آلاف طالب وطالبة
بحسب إحصائيات مكتب التربية في مأرب، 5 آلاف و426 طالبا وطالبة (3117 ذكورا، 2299 إناثا) من ذوي الإعاقة نزحوا إلى مأرب، منذ بداية الحرب الحوثية على البلاد قبل ثماني سنوات، والتحقوا بمدارسها، فيما التحق 400 طالب وطالبة في مدرسة "بلقيس" الخاصة بذوي الإعاقة التي بناها "برنامج حيث الإنسان"، بتمويل مؤسسة توكل كرمان.
ورغم المعوِّقات، وانعدام أدوات ومناهج التعليم، و احتياجات المدرسة، إلا أن القطريفي وإدارة المدرسة يعملون بالمُتاح.
- احتياجات
يقول مدير المدرسة، خالد الرحبي: "الاحتياجات كثيرة لتوفير مساحة تعليمية جيّدة لذوي الإعاقة، لكنها لم تتوفّر حتى اليوم".
وقدًم الرحبي قائمة بالاحتياجات إلى الجهات المعنية، لكنّها لم تلبَّى حتى اليوم، وبدل من العمل على توفير احتياجات المدرسة قامت إدارة التربية في مأرب بتغيير اسم المدرسة من "بلقيس" إلى "التحدي"، بينما تؤجِّل الاحتياجات الهامة - التي يضاعف تأجيلها صعوبات تعليم الأطفال- إلى أجل غير مسمّى، رغم المناشدات.
يُتابع القطريفي منذ أربع سنوات لاستعادة راتبه من وزارة التربية في محافظة عدن، لكن دون جدوى.
وفي حديثه مع موقع "بلقيس"، أشار إلى أن أقرانه المعلّمين النازحين يستلمون مرتباتهم من عدن منذ سنوات، متمنيا حصوله على مرتّبه الرسمي، الذي سيُساهم في إعاشته وأسرته، ومواصلة تعليمه للأطفال.



