منوعات

"بيع الورد".. حِرفة ناعمة لامرأة في صنعاء من أجل العيْش

17/11/2022, 15:09:48

وجدت الأربعينية "أم سيدرا" مهنة بيع الورد ملاذاً لتأمين لقمة عيْش أطفالها الخمسة الذين تعيلهم، وشكّل لها ازدحام السير في أحد الشوارع الحيوية بصنعاء فرصة مناسبة لعرض باقات الورد العاجية، التي تبيعها لسائقي السيارات.

تقول "بائعة الورد" لموقع "بلقيس": "حياة أطفالي جعلتني أخرج للعمل في الشارع وبيع الورد، انتقل بين الزحام من مكان لآخر، لأنه وقت مناسب يشتروا السائقين منّي".

لم يسبق لبائعة متجوّلة أن عملت في حِرفة ناعمة من الشارع، تحت أشعة شمس النهار الحارقة حتى المساء، مثل "أم سيدرا" التي تبيع الورد جائلةً بحركة خفيفة ونشاط دؤوب دون توقّف، بحثاً عن الرزقِ الحلال، وحرصاً على تأمين المتطلبات الضرورية لصغارها.

تضيف "أم سيدرا" لموقع "بلقيس": "أول ما فكّرت بالعمل من الشارع، قررت أن أشتغل في شيء ما أحد قد عمل فيه من سابق، من شأن المهمّة تكون سهلة عليا".

- عناء مزدوج

تتحمّل البائعة المتجوّلة مذ قرابة 3 سنوات مسؤولية مزدوجة العناء، تبدو مأساتها مضاعفة بعد الانفصال عن زوجها ووالد أطفالها، الذين احتملت لأجلهم مشقّة التربية والحماية من التشرّد والضياع.

بعد أن تخلّى الأب عن دوره الأساسي تجاه أبنائه، وأصبحت أوضاعهم المعيشية سيِّئة، ألقت الحياة حملها الثقيل على امرأة مطلَّقة لا سند لها.

تقول "أم سيدرا" لموقع "بلقيس": "أنا متحمّلة مصاريف أطفالي، من يوم انفصلت عن أبوهم، تركهم لا يدورهم ولا يسأل عنهم، أنا لن أتركهم يضيعوا، خرجت أشتغل من شأن يعيشوا".

تغلّبت المرأة على بؤس حالتها المادية، واستطاعت لمَّ شتات صغارها، كونها حوِّلت بيع الورد إلى وسيلة للحصول على احتياجات العيْش الضرورية، في ظل استمرار سلطة مليشيا الحوثي التي تخضع السكان بالقهر والمعاناة.

ـ ثقة تواجه التحدّي

لا حدود للثقة، التي تملكها بائعة الورد، بنفسها، منحتها دافعاً قوياً لمواجهة كافة تحدّيات ظروف المرحلة وتفاصيل الانحدار بسبب الحرب، إذ كسرت حاجز تقاليد المجتمع المحدقة سلباً على الأعمال المتواضعة للنساء، باعتبار أن هذه المِهن تأتي في سياق غير مفضّل عند بعض الفئات.

وهو ما أكدته "بائعة الورد" بقولها لموقع "بلقيس": "لا اهتم بنظرات المجتمع حول عملي، لأن خروجي سببه حياة أولادي، العمل أفضل من جلوسي في البيت والموت من الجوع ومن التسوّل، واثقة بنفسي، واعتز بما أفعل لأجل أطفالي".

مع استمرار غياب فُرص الدخل البديلة والمناسبة للنساء خلال المرحلة الراهنة، شكَّلت مِهنة بيع الورد تحدياً لافتاً لنجاح صاحبة هذه الحِرفة الناعمة والبقاء على قيد الحياة، جعلها تحقق عائداً مالياً متواضعا، يصل مقداره اليومي نحو 4500 ريال، طبقاً لحديث بائعة الورد، (8 دولارات أمريكية، سعر الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي).

تبذل هذه البائعة المتجوّلة بمفردها جهوداً كبيرة في عملها، تبدأ بجلب تلك الورود، وتنسيق الباقات بشكل جذّاب ومغرٍ، حتى تبيعها للزبائن المارّين بذاك الشارع.  

يقول أحد الزبائن لموقع "بلقيس": "الورد الذي تبيعه كأنه بالمحل، جديد لا يتعرّض للغبار، تحافظ عليه بطريقة جيّدة، يخلي الواحد يشتري منها بقناعة، ومن ناحية ثانية دعم وتشجيع لها". 

- نساء المرحلة

تبدو الأوضاع السيِّئة حالة سائدة لدى كثير من سكان صنعاء، وبقية المدن الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وخصوصاً النساء اللواتي واجهنَ -وما زلن- ظروفاً بالغة القسوة، خلال سنوات الحرب التي تشهدها البلاد.

دفعت بأغلبيتهن إلى البحث عن وسائل ضرورية للعيْش، أو مساعدة لتغطية نفقات أطول فترة ممكنة خلال هذه الحقبة الاستثنائية، من شأنها منح أطفالهن، وباقي أفراد الأسرة، شيئاً من التوازن المعيشي، ولو بالحد الأدنى.

تضيف "أم سيدرا" لموقع "بلقيس": "في الحرب تغيَّرت طُرق الحياة عند كثير من النساء، بعضهن من أعمار مختلفة خرجنَّ للعمل في الشارع، والبعض افتتحنَ مشاريع صغيرة من البيوت، والجميع استطعن إعالة أسرهن وأطفالهن".

يشير تقرير أُممي -صدر مؤخراً- إلى أن "عدد الأسر، التي تعيلها نساء على مستوى اليمن، بلغ نحو 417 ألف أسرة".

على غرار تجربة بائعة الورد المتوازنة بعدم خضوعها لقسوة الأوضاع، استطاعت بعض النساء العاملات احتواء أطفالهن، ومنعهم من الانخراط في سلوك الظواهر الاجتماعية السيّئة، رغم كثرة العوامل السلبية التي برزت بوضوح من آثار الحرب.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.