منوعات
"المُكيس".. مهنة شاقة ونظرة اجتماعية قاصرة

يقضي الثلاثيني"صويلح" معظم أوقات اليوم يعمل بكد في حمام بخار شمال العاصمة، صار المصدر الرئيسي لرزقه وأسرته منذ ثلاث سنوات، وبدون تذمّر تمضي الساعات الطويلة وسط الحرارة المرتفعة، وهو يساعد الزوّار على الاستحمام، وتنظيف أجسادهم، ويتنقل من غرفة إلى أخرى، بحثا عن الزبائن الواصلين.
يطلق الناس في صنعاء على صويلح، ومن يعمل في مهنته بـ"المُكيس"، وهو الشخص الذي يكسب قوته من عمله في الحمامات البخارية، من خلال تغسيل روّاد الحمام، ومساعدتهم على الاستحمام، مقابل أجر لا يتجاوز ألف ريال.
يقول صويلح في حديثه لـ"بلقيس": "العمل في الحمامات البخارية، على الرغم من أنه مُرهق، ويشعرني أحيانا بضيق في التنفس، إلا أنه مُربح، خاصة للذين يعملون من الصباح إلى ما بعد الظهر، ثم يعودون للعمل ساعات العصر والليل".
- لا عيب في العمل
العمّال في الحمامات البخارية لا ينتمون إلى فئة اجتماعية محددة، وهناك عاملون من المهمّشين، وفئات اجتماعية ضعيفة أخرى، بالإضافة إلى أبناء القبائل الذين دفعتهم الحاجة إلى العمل في الحمامات.
وتعد مهنة "المُكيس" من الأعمال التي يعاني أصحابها من النظرة الاجتماعية القاصرة والتجريح من بعض الناس، إلا أن فواز -من أبناء القبائل- لا يرى عيبا في عمله، ولا يهتم بما يقوله الناس.
يقول فواز: "العمل ليس فيه عيب، ولا أخجل من العمل في الحمام، ما دمت آكل من عرق جبيني، على الرغم من أن البعض يعايرني وأسرتي أحياناً بمهنتي".
عمل "المُكيس" ليس سهلا، وعلاوة على الجهد الذي يبذله لإرضاء الزبائن، يجب أن يتودد إلى مالك الحمام، ويشارك بأعمال تنظيف الأرضيات والجدران، ليكسب ودّه، وقد يدفع أحيانا جزءا من المبلغ الذي جناه في العمل للمالك، وإلا قد يُمنع من العمل، كما يؤكد فواز لـ"بلقيس".
- ضعف الإقبال
أبناء المحافظات الشمالية، وخاصة الذين يعيشون في صنعاء، يعتبرون الحمامات البخارية جزءا من ثقافتهم وطقوسهم، ويترددون على زياراتها بشكل متقطّع، إلا أن فوّاز يؤكد أن عدد زوّار الحمام لم يعد كما كان سابقا، بسبب أوضاع الناس المعيشية التي خلّفتها الحرب، باستثناء يومي الخميس والجمعة، اللذين يشهدان إقبالا كبيرا.
ولهذا يحرص صويلح على العمل في الحمام يومي الخميس والجمعة، ويشتغل بقية أيام الأسبوع في أعمال البلاط والسراميك مع مقاول بِناء.
ولم تنعكس الأوضاع المعيشية على تدنّي مستوى تردد الناس على الحمامات البخارية فحسب، وإنما على عمل "المُكيس" والمقابل المالي لعمله، فالكثير من الناس استغنوا عن "المُكيس"، أو صاروا يساعدون بعضهم، كما يؤكد صويلح، الذي يقول: "حتى الذين يطلبون مساعدة المُكيس يساومون على الأجرة ويدفعون 500 ريال بدلا من ألف ريال".
- فوائد طبيية
شيّد اليمنيون الحمامات البخارية منذ القِدم، واختلف المؤرّخون حول بدايتها، لكن الأرجح أن اليمنيين عرفوها بعد الإسلام، وكانت تُبنى بجوار المساجد، ويخضع بناؤها لمعايير هندسية محددة، ظلت متوارثة على مدى عصور.
وتتكون الحمامات البخارية من عدة غرف متفاوتة الحرارة، ولا توجد بها نوافذ، ويوقد تحتها بحُزم من الحطب لتسخن المياه، والأحجار التي تُبنى بها الأرضيات والجدران، وتولِّد البخار.
وتعتبر صنعاء القديمة من أقدم المدن التاريخية التي شُيّدت فيها الحمامات البخارية، أغلبها على الطراز العثماني، حيث تحوي المدينة القديمة ما يقارب 14 حماماً، تتوزّع على العديد من الأحياء.
ولحمامات البخار فوائد طبية متعددة كعلاج أمراض الجهاز التنفسي؛ كالربو، والتهاب الشعب الهوائية، وعلاج بعض الأمراض الجلدية، وتنشيط الدورة الدموية في الجسم، وطرد السموم من الجسم، وتفتيح مسامات الجلد، وتحسين القدرات العقلية، من خلال توسع الأوعية الدموية في الدماغ، وإذابة الدهون المتراكمة في بعض مناطق الجسم، وزيادة نضارة البشرة، وتقليل التوتر.
- معرّضون للمخاطر
على الرّغم من الفوائد العديدة لحمامات البخار، إلا أن التوجّه لاستخدام إطارات السيارات بدلاً عن الحطب، الذي ارتفاع ثمنه بشكل كبير، يتسبب بالعديد من المخاطر الصحية، لاسيما للعمّال داخلها "المُكيسون"، الذين يقضون الساعات الطويلة يستنشقون غازات الحريق.
وبحسب دراسات علمية، فإن انبعاثات الإطارات قادرة على إتلاف الجهاز التنفسي، والجهاز العصبي، والكلى والكبد، والتسبب بالإصابة بسرطان الرئة، والأمراض التنفسية، وانقباض الصدر، وضُيق القصبات الهوائية، والصداع وصعوبات في التنفس، خاصة للمصابين بالرّبو، علاوة على تسارع نبضات القلب، وغيرها.



