حين تحظر المدرسة لغة المنزل

في كندا، لم تتراجع لغات السكان الأصليين لأن أهلها توقفوا فجأة عن استخدامها، بل سبقت ذلك سياسة فصلت الأطفال عن عائلاتهم ودفعتهم إلى التخلي عن لغة المنزل. وتقول اليونسكو، في سجلها البحثي "الأطفال يتحدثون"، إن نظام المدارس الداخلية استمر قرابة 150 عاماً، وكان هدفه دمج أطفال السكان الأصليين في مجتمع المستوطنين، وخلال تلك الفترة، حُرمت أجيال من لغاتها وممارساتها الروحية والمعارف التي كانت تنتقل داخل الأسرة.

وفي دراسة نشرها الباحث مسعود خواجة في دورية "سوسايتيز" عام 2021، أوضح أن الأطفال مُنعوا من استخدام لغاتهم في تلك المدارس، وأن آثار هذه السياسة لم تنته بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم، بل امتدت نفسياً واجتماعياً إلى الأجيال التالية. فالطفل الذي يُفصل عن والديه ويُعاقب على التحدث بلغته قد يكبر من دون أن يتقنها، أو وهو يخشى استخدامها أمام أبنائه، ومع الوقت، تحل الإنجليزية أو الفرنسية محلها داخل المنزل، وتنقطع السلسلة التي كانت تنقل لغة الأسرة بين الأجيال.

هل يمكن تغيير المصير؟

ولا يستطيع الباحثون تحديد اللغات التي ستختفي خلال العقود المقبلة؛ فتصنيف اللغة على أنها مهددة لا يحسم مصيرها، كما أن انخفاض عدد المتحدثين بها لا يقود دائماً إلى النتيجة نفسها. تستطيع بعض اللغات استعادة حضورها عندما يقرر أهلها استخدامها من جديد، وتدخل المدارس والكتب والإعلام والمحتوى الذي يصل إلى الأطفال، وتظل لغات أخرى حية رغم استخدامها في نطاق ضيق، ما دام متحدثوها ينقلونها إلى جيل جديد.

في المقابل، تنحسر اللغة التي لا تجد مكاناً في حياة الأطفال بمرور السنوات، حتى لا تبقى إلا في ذاكرة كبار السن أو تسجيلات الباحثين، وعندها لا يعود السؤال عن عدد من يعرفون بعض كلماتها، بل عما إذا كان هناك من يستطيع أن يبدأ بها حديثاً ويجد من يجيبه.