مقالات

أبو الروتي (29)

09/04/2025, 11:49:26

بعد مرور عام على انتقالي إلى فُرْن العيدروس، وبعد أن تكيًّفت مع المكان، وصار لي علاقات وصداقات، كان عليَّ -أنا المصاب بلعنة الأفرَان- أن انتقل إلى  فُرْن آخر، لكن الفُرْن هذه المرَّة كان ملكنا.

كنا قد تحررنا من العمل لدى الآخرين، وتحوّلنا من خبَّازين "أقنان" إلى خبَّازين أحرار؛ ذلك أن أخي سيف، الذي ظل منذ مغادرته القرية يعمل عند مُلاك الافْرَان، استقلَّ بذاته، وفتح له فُرْنا خاصا به في حي المنصورة.

أيامها كان حيُّ المنصورة حياً جديداً يقطنه موظفون كبار، ورجال أعمال وتجار، وفي البداية كان علينا أن نعتمد على أنفسنا، وقد بقينا لمدة ثلاثة أشهر نقوم بالعمل وحدنا.

ثم وقد  تزايد عدد الزبائن، وازداد الطلب على الرُّوتي، أدخلنا عمالا يساعدوننا. ولأنني كنت أشتغل إلى حد الإرهاق، فقد شعرت بأن من حقي أن استمتع بوقت فراغي، وأذهب إلى حيث أشاء بعد الانتهاء من عملي. وكان هناك في الحد الفاصل بين حي المنصورة وحي الشيخ عثمان سينما اسمها "سينما الشرق"، وأخرى اسمها" السينما الشعبية"، وكانتا متجاورتين، وتعرضان أفلاما مصرية، وكان أخي سيف مازال عند موقفه، وهو أن السينما خطٌ أحمر.

وحين كان يفتقدني لم يكن يشك  بذهابي إلى السينما، وكان على يقين من أنني مهما بلغت بي الجرأة لن أتجرأ على معصيته، ومخالفة أوامره وتعاليمه. وذات مساء، وأنا أقترب من شباك التذاكر في "سينما الشرق"، سمعت أحدهم ينادي عليًّ:"يا عبد الكريم". 

وسرعان ما عرفته، لقد كان واحدا من أبناء الحارة، لكنه كان ولداً محترماً، وكنت أحبه ليس فقط لأنه كان يناديني باسمي، ولا لأنه كان صديقي، وإنما لأن ثمة قاسما مشتركا بيني وبينه، فقد كان يهوى القراءة مثلي، وكنت وإيّاه نتبادل القصص والكُتب، ويومها وبسبب الزحام على التذاكر، وضخامة الطابور، طلب منِّي أن أقطع له تذكرة، وكان أن قطعت تذكرتين واحدة لي وأخرى له، ودخلنا نُسَيْنِم، وكان اسم الفيلم هو "إسماعيل ياسين في الجيش"؛ وهو فيلم كوميدي بطولة إسماعيل ياسين، وسميرة أحمد، وعبد السلام النابلسي، ورياض القصبجي، وإخراج فطين عبدالوهاب.

ولكثرة ما فيه من مفارقات ومواقف مضحكة، لم نتوقف عن الضحك، وخرجنا من السينما ونحن نضحك، ونواصل الضحك.

وفي مساء اليوم التالي، حين أقبل صديقي لشراء الرُّوتي، فضحني أمام أخي سيف، فقد راح يكلمني عن الفيلم، ويذكِّرني ببعض المشاهد، وهو يضحك، وكنت أنا أتوجَّس خوفاً من رد فعل أخي  الذي تفاجأ، والتفت ناحيتي التفاتة غاضبة، وقال لي هو غير مصدق ما يسمعه: "من صدق سرحت السينما -يا عبد الكريم ؟!!".

قلت له، وأنا منكس رأسي، وعيوني ملصقة في الأرض من الخجل:"أيوه، سرحت".

وبعد ذهاب صديقي العدني، راح أخي سيف يعنِّفني، ويقول إنني أخزيته وأخجلته، ووضعته في موقف محرج، وأنني الوحيد من أولاد القرية الذي تجرأ ودخل السينما. وزاد، فقال إن دخولي السينما يعني أنني لا أحترمه، ولا أحسب حسابه، وأن خالي محمد وخالي عبد الوهاب وجدي علي إسماعيل فيما لو عرفوا أنني أذهب إلى السينما سيلقون باللوم عليه، وقد ينقلون الخبر إلى جدتي، وإنها -أي جدتي- بعد أن يصلها الخبر سوف تغضب منه، وتقيِّم عليه القيامة.

ولكثرة ما راح  يلومني ويعنِّفني، شعرت كما لو أني بذهابي إلى السينما قد اقترفت أعظم جريمة، حتى إن النوم جفاني ليلتها. وفي اليوم التالي، حين سألني الولد العدني عن السبب في أن أخي التفت إليَّ تلك الالتفاتة الغاضبة، قلت له: "أخي منعنا من السينما، وأنا رحت من غير ما يدري".

وتفاجأ الولد العدني بما قلته، وظن أنني زعلان منه، وراح يعتذرلي؛ لكونه فضحني، وكشف سري، وتسبب في تعكير العلاقة بيني وبين أخي. ولكثرة ما راح يعتذر، أشفقت عليه، وحلفت له بأنني زعلان من أخي، وليس منه.

وفعلا  كنت زعلاناً ومتألماً من أخي سيف، الذي أشهر سيف غضبه في وجهي، بالرغم من أن جميع أولاد الحارة  يذهبون، ويُسَيْنمون، ولا أحد يمنعهم، أو يغضب منهم، ويعنِّفهم إذا ذهبوا.

وكنت أصرخ محتجا، وأتساءل قائلا بيني ونفسي: "ليش إلا أنا ما يحق لي أُسَيْنم؟ هل لأني أبو الرُّوْتي؟".

ثم وقد افتضح أمري، وانكشف سري، بقيت في حيرة، ولم أدرِ ما الذي عليَّ أن أفعله، وكيف أتصرَّف: -هل أواصل الذهاب إلى السينما، وأخسر أخي؟! أم أنقطع عن الذهاب وأكسبه؟! 

ولأنِّي كنت أحب أخي سيف، ولا أريد أن أزعِّله، أو أخسره، قررت الإقلاع عن السينما، بالرغم من أني كنت قد أدمنت عليها، وبلغت مرتبة الإدمان.

مقالات

الأمم المتحدة في اليمن تآكل أدوات التأثير

جاءت إحاطة هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن امس الثلاثاء بلهجة حذرة وروتينية، أعادت تدوير المفردات التي صارت ملازمة للخطاب الأممي حول اليمن على شاكلة خفض التصعيد وحماية الملاحة، ودعم الاقتصاد والإفراج عن المحتجزين، والحفاظ على مسار السلام.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

مقالات

الشرعية: صراع على الهامش

بدو الشرعية اليمنية اليوم بعيدة عن قلب المعركة التي يفترض أن تخوضها. فبدلًا من أن توجّه طاقتها إلى استعادة الدولة، وترميم المؤسسات، وتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب، انزلقت إلى صراعات جانبية على النفوذ والمواقع، وتوزعت قواها بين ولاءات متنافسة، وتشكيلات مسلحة متجاورة، ورعاة خارجيين يضبطون الإيقاع ويحددون حدود الحركة. وعلى امتداد هذا المشهد، تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا، ويتحول ما تبقى من الجغرافيا الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع القوة، وإدارة المجتمعات المحلية بأدوات الغلبة.

مقالات

إيران.. ثبات الأهداف وتغيّر الأقنعة

حين ننظر إلى التاريخ الإيراني من زاوية ممتدة، لا كوقائع متفرقة بل كسلسلة متصلة من الأفكار والأنماط، يتبدّى لنا أن التحولات الكبرى التي عرفتها إيران لم تكن في جوهرها انقطاعات حادة، بقدر ما كانت إعادة تشكيل لمشروع

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.