مقالات

اختطاف النبي..!!

10/10/2021, 07:04:39
المصدر : بلقيس - خاص

للمشرق العربي روحانية خاصة، علاقة حميمية بالمقدّس: الله، الأنبياء، الكُتب السماوية.. ولليمن، تلك البلدة الرابضة في جنوب الجزيرة، علاقة وثيقة بالرسالة والرسول، رباط روحي عميق بالنبي "محمد" من قبل ميلاد عبدالملك الحوثي بآلاف السنين، كانت علاقة اليمني بعوالم الغيب، بالنبوءات والأسفار، علاقة متناغمة ومتفاهمة. 

لم يكن اليمني مكابرا يرفض التجاوب مع رُسل السماء، ولم تكن الرّسل متجبّرة؛ كي تفرض عليه الإيمان بالقوّة.. هكذا سرت الأمور بهدوء، حتى وُلد صبي في العقود الأخيرة من هذا الزمان، خرج إلى الوجود في كهف معزول بأحد الجبال الموحشة، وحاول أن يعبث بعلاقة اليمني بفكرة النبي والنبوّة. 

قبل أن يختطف الحوثي عاصمة البلاد، كانت ذكرى المولد النبوي تمرُّ بهدوء لطيف، يحتفل الناس بطريقة بسيطة وتلقائية، يستذكرون مولد المُلهم الروحي، بتناقل وصاياه وأحاديثه، واستشعار عظمته، كانت مناسبة تضاعف بهجتهم، جاء الحوثي وأحالها إلى مناسبة تبث القلق في الناس، تدفع صاحب البقالة، العاجز عن المساهمة في تكاليف الحفل، إلى الكآبة والشعور بالغبن، وآخر تنفلت منه الكلمة، ويشتم "نبي الحوثي"، واحتفال اللصوص به. 

للنبوّة وقع خاص، إيحاء دلالي ساحر وعميق في وجدان الإنسان، مفردة "النبوة" حتى وهي مجردة من بُعدها الدِّيني تتضمن قُدسية عالية. 

النبوّة والنبي دالة ترمز إلى العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة، وسيط يكتسب قدسيته من علاقته بالمطلق. 

لكن الحوثي لا يحتفل بالنبي كنوع من إعلان تبعيته له في عالم الشهادة، ولا تذكير بالقداسة؛ بل رغبة بالسطو عليها، إنه يحتفل بالنبي ليتمَّلك عالمي الغيب والشهادة، وتلك أكبر عملية سطو تاريخي للرمزية، قامت به جماعة لاحتكار مصادر التشريع والمعنى: السلطة والقوّة، النبي والنبوّة معاً.

نبي الحوثي هو "نبي علماني".. هل هذا امتداح للحوثي كما لو أنه جماعة حداثية ذات نزوع علماني؟ بالطبع لا، هي تستخدم النبي لأغراض دنيوية، علمانية. 

إنها تحيل فكرة النبي لقيمة استهلاكية، تنزع عنها بُعدها القيمي، فتغدو وسيلة معلمنة، أداة للربح بصرف النظر عما يلحق الفكرة من خسارة، وتجريدها من هالتها القدسية المتعالية. 

جماعات كُثر استخدمت الدِّين كشركة اقتصادية وسياسية، ميدان استثماري مربح على كل الأصعدة؛ لكن كل ذلك حدث ويحدث بمستويات محدودة، وأحيانا عفوية؛ باستثناء متاجرة الحوثي، إنه وحده من يتخذ من الدّين، بكل عناصره، كمساحة مفتوحة للاستثمار، استغلالًا يذهب نحو أبعد مدى. يعمل على تضخيم كل فكرة دينية خادمة له، ويحيلها لمشروع تربّح ممنهج. 

يعتقد أن ذلك يُظهره أكثر اخلاصا وطهارة، فيما هو يتجلى أشد لصوصية وحقارة. 

ما يقوم به الحوثي هو نوع من مأسسة التجارة السياسية بالدّين، وما فكرة النبي والنبوة واحتفاله بالمولد النبوي إلا نموذج لهذا العبث الحوثي بكل مكاسب الناس الروحية، وبشكل مرتّب، إنه يمضي بعزيمة دائمة لممارستها؛ مهما كانت نتائج ذلك من ندوب خطرة في الذاكرة، وتدنيس للمقدّس بأطماع دنيوية رخيصة. 

تابعوا ما يحدث في صنعاء، كل عام تتخذ مناسبة المولد طابعا تحشيديا أشد، لقد استنفرت الجماعة الحوثية أقصى إمكانياتها استعدادا للاحتفال بالمولد النبوي: أمسيات إنشادية مصغّرة في كل حارة بالعاصمة، خواطر بعد كل صلاة في المساجد، خطب جمعة، سيارات تجوب الشوارع وتطلق أناشيد المولد، ملصقات وشعارات في كل مكان، صنعاء تكاد تتحول إلى قطعة خضراء لا يستبين المرء فيها شيئاً سوى إعلانات متنوعة تحشد للمولد. 

حسناً، لم يعد المولد النبوي مناسبة دينية صرفة -حتى بصرف النظر عن مدى أهميتها الدينية أو صحتها أو بطلانها- كل هذا ليس مشكلاً كبيراً، لقد تحوّلت إلى وسيلة دعائية خطرة، حفلة ترويجية تستخدمها جماعة محاربة لتطهير صورتها الملطخة بالدّم، جهاز سلطوي يستدعي فكرة المقدّس؛ لشرعنة وجوده المدنّس. 

ما يقوم به الحوثي في ذكرى المولد النبوي يتجاوز أخطر حيل الكهانة عبر التاريخ الإسلامي، إنه لا يستغفل الناس باسم الآخرة، ولا يتدثر بالدّين كي يبدو كجماعة صالحة وزاهدة، إنها لا تخلط الدّيني بالدّنيوي ولأغراض طائفية خاصة، إنها لا تشوِّه الوعي العام، إنها لا تفعل كل ذلك فحسب؛ بل تمضي فيما هو أبعد، وتدمّر فكرة " النبي" ذاتها، بعد أن دمّرت دنيا الناس. 

ما يحدث هو تخريب ممنهج لنظام الحياة الدّيني والدينوي معاً، سحق للحياة المادية والمعنوية، اختطاف للمصير العام والخاص. الحوثي يختطف رئاسة الدولة ويختطف رمزية النبي معاً، وفي الحالتين أسهم ويُسهم في تدميرهما وما يزال. 

قال عبدالملك الحوثي: "سنجعل من المولد مناسبة مختلفة عن أي مناسبة أخرى"، ثم أوعز لعصابته إطلاق الصواريخ على أطفال مأرب. من ذا الذي يقصف مأرب؟ جماعة الحوثي المجرمة، إنها تفعل ذلك وترفع شعار النبوّة، هل يفعلها عبدالملك باسمه كقاتل يحرس سلطته بالدّم أم أنه يرتدي ثياب ابن النبي..؟الحوثي ينشئ حاجزاً نفسياً بين الناس ورمزيتهم الروحية (النبي)، حين يوظّفها بتلك الصورة الرخيصة.

 أليس في ذلك خطورة أكثر من خطورة قاتل يقضي على خصمه؛ بدافع سلطوي مجرد؟ بلى.

عبدالملك الحوثي يقضي على حياة الناس، يحرق أجسادهم وذاكرتهم معا، لقد أنهك الرجل الطبيعة وما وراءها، استنزف الحياة الواقعية ويواصل استنزاف ما يتجاوز الواقع، إن أصابعه تمتد لإحراق كل شيء، لقد أحرق المدن وها هو يمضي في تسلله نحو عوالم المطلق ويواصل تشويهها، لكأنّها جماعة خراب وجودي شامل، نقمة إبليسية نذرت نفسها للفناء، لكأنّ عبدالملك الحوثي التجسيد المرئي للشيطان نفسه، العدو الوجودي ليس للنبي "محمد" فحسب، بل للرب نفسه، للإله، لإرادة الحياة، للخلق وفكرة الوجود الإنساني برمّته.

مقالات

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

مقالات

استعادة المناعة الوطنية.. كيف يمكن إعادة بناء التربية والمجتمع بعد سنوات التعبئة؟ (4-5)

إذا كانت الحلقات السابقة قد سعت إلى تفكيك الآليات التي أُعيد من خلالها توظيف المدرسة والمعلم والمناهج والرموز الثقافية في خدمة مشروع تعبوي ذي طبيعة أيديولوجية، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بفهم ما جرى، بل بكيفية التعامل مع نتائجه.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.