مقالات

الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني ـ التركي وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

08/08/2026, 13:04:05

ست نقاط لقراءة الاتفاق انطلاقا من متغيرات البيئة الاستراتيجية والأمنية الإقليمية والدولية وصولاً إلى الشأن اليمني.

لا أرى في الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني ـ التركي تحالفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو صيغة للتكامل الدفاعي والأمني بين ثلاث دول تمتلك، بدرجات مختلفة، عناصر قوة وخبرات واحتياجات متكاملة وتواجه مخاطر أمنية مشتركة. وهو، في جوهره حصيلة طبيعية للتحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية والدولية. وتتمثل الفكرة المركزية للاتفاق في تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، انطلاقًا من تصور مفاده أن أمن الدول الثلاث لم يعد شأنًا وطنيًا منفصلًا، وأن أي اعتداء مسلح على إحداها يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على الأخريين.

وهذا ما يعكسه مضمون الاتفاق، حيث تحرص الدول الموقعة على تعزيز أمنها المشترك وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وعلى تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي.

ولا يخلو اختيار الإطار المرتبط باتفاق مكة من دلالة سياسية وحضارية؛ فهو يمنح الترتيب الجديد بعدًا يتجاوز التعاون العسكري الضيق، ويشير إلى تصور يرى أن حماية أمن العالم الإسلامي، وفي مقدمته أمن الأماكن المقدسة، ليست مسؤولية دولة واحدة فقط، وإنما يمكن أن تكون مجالًا للتعاون والتكامل بين الدول الإسلامية القادرة على الإسهام في ذلك.

 

1- بيئة استراتيجية جديدة

ينشأ هذا الترتيب في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها عدة مصادر للتهديد، ولا تواجه الدول الثلاث بالدرجة نفسها أو بالطريقة نفسها.

بالنسبة إلى باكستان، يبقى العامل الهندي هو المصدر الأهم للتهديد المباشر. فقد شهدت العلاقات بين البلدين جولات متكررة من التوتر والمناوشات، ووصلت في بعض المراحل إلى مواجهات عسكرية قصيرة، لكنها حملت دلالات استراتيجية مهمة.

وتزداد حساسية هذا التهديد مع تطور الشراكة الأمنية والاستراتيجية بين الهند وإسرائيل، فضلًا عن اتساع نطاق التعاون العسكري والتكنولوجي بينهما. وفي المقابل، تمتلك تركيا حساباتها الأمنية الخاصة، بما في ذلك تبايناتها وصداماتها الاستراتيجية مع إسرائيل في ملفات إقليمية متعددة، وفي مقدمتها سوريا ولبنان وقبرص وحوض المتوسط إجمالاً سيما في تكوين محاور تعاون متباينة في تلك الضفة قرّبت بين مصر وتركيا من ناحية واليونان واسراييل من ناحية أخرى.

أما إسرائيل، فقد شهدت قدراتها العسكرية واتساع نطاق عملياتها الخارجية تحولًا كبيرًا منذ أحداث أكتوبر 2023. ولم تعد المسألة بالنسبة إلى دول المنطقة مرتبطة فقط بالحرب في غزة، وإنما بتحول إسرائيل إلى قوة عسكرية إقليمية ذات قدرة متزايدة على استخدام القوة خارج حدودها بلا رادع ولا حدود أو قيود.

وهذا يضع الدول العربية والإسلامية أمام تحديين متوازيين: الأول سياسي، يتمثل في الضغوط الأمريكية المتزايدة باتجاه التطبيع من دون مقابل سياسي وأمني يتناسب مع حجم التنازلات المطلوبة سيما في القضية الفلسطينية وهي هم مشترك للدول الثلاثة؛ والثاني استراتيجي، يتمثل في صعود إسرائيل كقوة إقليمية تسعى إلى فرض معادلات أمنية وعسكرية جديدة، وتوسيع نطاق نفوذها، خصوصًا في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل البحر الأحمر وجنوبه وفي القرن الافريقي حيث يكون الاشتباك مع السعودية.

 

2- إيران والتهديد غير المتماثل

في المقابل، يمثل السلوك الإيراني مصدرًا آخر للقلق، ليس فقط بسبب القدرات الإيرانية المباشرة، وإنما أيضًا بسبب شبكة الوكلاء والحلفاء التي طورتها طهران في المنطقة. ويظهر الحوثيون بوصفهم المثال الأكثر وضوحًا على طبيعة هذا التهديد غير المتماثل. فقد أتاح لهم امتلاك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، إلى جانب موقعهم الجغرافي، التأثير في حركة الملاحة الدولية وتهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبهذا يتعاظم التهديد الإيراني مباشرة عبر مضيق هرمز وعبر مباشر عبر الجماعة الحوثية التي صعّدت من عملياتها المستهدفة لنقل النفط السعودي وخنق مضيق باب المندب.

وبالنسبة إلى السعودية، يضاف إلى ذلك البعد التاريخي والسياسي والمذهبي في العلاقة مع إيران، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على أمن الخليج والمنطقة، فضلًا عن الحساسية الاستثنائية المرتبطة بأمن الأماكن المقدسة التي لا يخفي الإيرانيون ووكلائهم أطماعهم فيها.

لكن المهم هنا هو أن التهديد الإيراني أو الحوثي لا يمكن التعامل معه بالضرورة بالطريقة نفسها التي يُتعامل بها مع تهديد دولة تقليدية تمتلك جيشًا نظاميًا وبنية عسكرية واضحة. فالتهديد غير المتماثل يحتاج إلى رد غير متماثل، يقوم على تطوير الدفاعات الجوية والصاروخية، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، والمراقبة البحرية، والطائرات المسيرة، ودعم الأطراف المحلية القادرة على مواجهة التهديد، بدل الانزلاق بالضرورة إلى حرب مباشرة واسعة. لذا يجب أن تكون الحكومة اليمنية في قلب هذه المظلة الأمنية الإقليمية.

 

3- الولايات المتحدة والصين وأزمة المظلة الأمنية

هناك عامل ثالث أكثر عمقًا يتعلق بالتحول في النظام الدولي نفسه. فالعالم يتجه بصورة متزايدة نحو منافسة استراتيجية حادة بين الولايات المتحدة والصين، وما يصاحب ذلك من إعادة تشكيل للتحالفات وسلاسل الإمداد وموازين القوة.

وفي هذه البيئة، تصبح الدول المتوسطة والقوى الإقليمية أمام معضلة حقيقية: كيف تحافظ على أمنها دون أن تتحول إلى طرف تابع بالكامل لأحد المعسكرين؟

لقد كشفت تقلبات السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة، إلى جانب الانحياز الأمريكي القوي لإسرائيل، حدود الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، فإن الانتقال إلى مظلة صينية أو روسية بديلة ليس خيارًا سهلًا، وقد يضع الدول الإقليمية في مواجهة ضغوط استراتيجية وسياسية جديدة. ومن هنا تأتي أهمية تنويع الشراكات الأمنية. لذا يمكن الجزم ان الهدف من اتفاق مكة الدفاعي ليس بالضرورة استبدال المظلة الأمريكية بمظلة أخرى، وإنما بناء شبكة متعددة المستويات من الشراكات تجعل الدولة أقل اعتمادًا على طرف واحد، وأكثر قدرة على حماية مصالحها ومواجهة الأزمات.

لنأتي الآن إلى تقييمنا المبدئي حول الاتفاق. لماذا هو تكامل وليس تحالفًا؟

الاختلاف الأساسي بين الاتفاق الجديد والتحالف العسكري التقليدي هو أن جوهره لا يقوم على إنشاء قيادة عسكرية موحدة أو التزامات عملياتية شاملة، وإنما على تكامل القدرات. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للاتفاق. السعودية تمتلك الموارد المالية والحاجة الاستراتيجية إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية، وتسعى منذ سنوات إلى توطين جزء أكبر من صناعاتها الدفاعية، وتقليل اعتماد أمنها القومي على الاستيراد الخارجي. أما باكستان، فتمتلك خبرة عملياتية واسعة، وقوة عسكرية كبيرة، وتجربة طويلة في التعامل مع النزاعات والتهديدات الأمنية. في حين تمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وخبرة متنامية في مجالات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والأنظمة غير المأهولة، والصواريخ، والإلكترونيات العسكرية. وبالتالي، فإن كل طرف يمتلك شيئًا يحتاج إليه الآخر. وهذا هو جوهر التكامل الدفاعي: ليس أن يصبح الأطراف جيشًا واحدًا، وإنما أن تتحول قدراتهم المنفصلة إلى منظومة أكثر كفاءة عندما تُربط ببعضها.

 

4- السعودية وبناء طبقات متعددة للأمن

بالنسبة إلى السعودية تحديدًا، يندرج الاتفاق في طبقة جديدة في سياسة أوسع لتنويع مصادر الأمن والشراكات الاستراتيجية. فالرياض لا تتحرك باتجاه إنشاء مظلة واحدة بديلة للمظلة الأمريكية، وإنما تبدو أكثر اهتمامًا ببناء شبكة من المظلات والمحاور والمنتديات والشراكات الأمنية المتعددة. وهذه المقاربة تمنح السعودية مساحة أكبر للمناورة الاستراتيجية، وتقلل من اعتمادها على شريك واحد، وتساعدها في الوقت نفسه على التحول من دولة مستهلكة للأمن إلى دولة مساهمة في إنتاج الأمن الإقليمي. ومن هنا، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في الجانب العسكري المباشر، وإنما في كونه جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف موقع السعودية في منظومة الأمن الإقليمي.

 

5- البعد الديني والحضاري للاتفاق الدفاعي

الأكثر أهمية أن هذا الترتيب يختلف عن كثير من الترتيبات الأمنية التي نشأت في المنطقة خلال العقود الماضية. فهو لا يقوم فقط على الجغرافيا أو المصالح الاقتصادية، وإنما يحمل أيضًا بعدًا دينيًا وحضاريًا لا يمكن تجاهله. للأسف، لا يتجه العالم نحو علمانية موسعة. بل يرتد نحو تعريفات حضارية/دينية ضيقة للصراع على الموارد والنفوذ. تشدد إسرائيل على تعريف نفسها بانها مندمجة في حضارة يهومسيحية.  وهذا قد يفتح الباب أمام نشوء تصور جديد للأمن الإقليمي، لا تكون فيه الهويات الدينية والحضارية مجرد خلفية ثقافية، وإنما أحد عناصر تشكيل التحالفات والشراكات الأمنية.

لكن هذا البعد يحتاج إلى إدارة دقيقة؛ لأن تحويل التعاون الأمني إلى اصطفاف مذهبي صريح قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما يمكن للبعد الحضاري والديني أن يكون عنصرًا جامعًا إذا استُخدم باعتباره إطارًا للتعاون وليس أداة للاستقطاب.

 

6- ماذا عن الشأن اليمني وعن الحالة الحوثية؟

ومن الخطأ، في تقديري، اختزال الاتفاق في كونه ردًا مباشرًا على إيران أو الحوثيين. الترتيب لا يزال في مرحلة البناء، كما أن هياكله وآليات عمله وتفاصيله العملياتية لم تتبلور بالكامل. وفوق ذلك، فإن طبيعة التهديد الحوثي لا تستدعي بالضرورة دخول الدول الثلاث في حرب مباشرة. فالحرب المباشرة ضد الحوثيين قد تكون مكلفة وغير ضرورية، بينما يمكن تحقيق نتائج أكثر فاعلية من خلال بناء شبكة دفاعية واستخباراتية وتقنية قادرة على احتواء التهديد.

ومن هنا يمكن أن يكون التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيرة، وحماية الملاحة، وتطوير قدرات الشركاء المحليين أكثر أهمية من إنشاء قوة عسكرية مشتركة تخوض حربًا تقليدية.

وهنا تحديدًا يمكن أن تستفيد السعودية من القاعدة الصناعية والخبرات التركية، ومن الخبرة العملياتية الباكستانية، ومن قدراتها المالية والاستثمارية. وقد يؤدي ذلك تدريجيًا إلى تقليل الاعتماد على عقود شراء السلاح الجاهز من الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى امتلاك الدول الثلاث قدرًا أكبر من التحكم في دورة إنتاج السلاح وتطويره وصيانته.

وفي مرحلة لاحقة، قد تمتد آثار هذا التعاون إلى ساحات الصراع الإقليمية، ومنها اليمن، سواء عبر تعزيز القدرات الدفاعية للحكومة اليمنية والقوى المناوئة للحوثيين، أو عبر توفير أنظمة وتقنيات تغير ميزان القدرات على الأرض.

ما يزال هذه الاتفاق في بداية مساره. والمهم فيه هو القدرة على الانتقال من استهلاك الأمن والاعتماد على مظلة أمنية وحيدة لم تثبت جدواها تماماً وخاضعة لضغوط سياسية إلى بناء قدرة مستقلة على إنتاج الأمن. وقد يصبح تالياً نواة لتكتل أمني إقليمي جديد، أكثر استقلالًا عن الاصطفافات التقليدية، وأكثر تعبيرا عن التحولات الجارية في موازين القوة في العالم الإسلامي.

 

نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك

 

مقالات

الديانة الحوثية

الحوثية ليست ثورة داخل السياسة، بل انقلاب شامل على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم.

مقالات

عدن والتحولات السياسية الكبرى.. من سؤال الهوية إلى استعادة الفعل السياسي

تشهد العاصمة عدن، منذ يناير 2026م، موجة من التحولات السياسية والاجتماعية التي تجاوزت حدود التنافس السياسي التقليدي، لتلامس طبيعة المجتمع العدني ذاته، وتعيد طرح أسئلة مؤجلة حول هوية المدينة وخصوصيتها وحقها السياسي الغائب.

مقالات

هل تضيّع الشرعية الفرصة الثانية؟

التحالف السعودي–التركي–الباكستاني يفتح فرصة جديدة لاستعادة الدولة اليمنية، لكن نجاحها مرهون بقدرة الشرعية على توحيد قرارها وبناء مؤسساتها واستثمار التحول الإقليمي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.