رأي
الحرب الأوكرانية وتقاطع مصالح الحلفاء

تشن السعودية عاصفة حزم جديدة، ولكن هذه المرّة في واشنطن، بالتحالف مع سبعة وعشرين دولة (أعضاء أوبك).
دول الطاقة تتكتل في ظرف استثنائي، مستغلة حاجة الغرب وحالة فقدان الخيارات لديهم، حيث تبدو الطاقة محور ارتكاز أساسي في سياق الحرب الكونية الراهنة، ومع اشتداد الصراعات وبلوغ الأزمة مستوى بلا أفق جعلت الرئيس الأمريكي يستجدي السعودية، ويحج إليها، وهو على غير دينها، إلا أن الحج لم يكن مبرورا من وجهة نظر السعوديين، فالعلاقات الأمريكية - السعودية دخلت حالة ركود غير مسبوق في تاريخهما بالنظر إلى جملة المواقف الأمريكية التصعيدية، منذ مجىء إدارة الرئيس بايدن، التي نالت من أصالة تلك العلاقات. إذ تبدو السعودية هي من تصعّد، وتتخذ القرارات الحاسمة منذ مطلع الحرب الأوكرانية، التي وصلت أوجها بخفض الإنتاج إلى مستوي غير متوقع، أشعل حراكا عدائيا واسعا داخل الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التمرّد السعودي.
بيد أن هذا الحراك الحاصل في واشنطن لا يعدو عن أن يكون مجرد رد فعل لا أكثر، إذ تقصّدت المملكة استهداف إدارة بايدن، وتستخدم سلاح النفط لإسقاطه في الانتخابات النصفية القادمة، وتمهيد الطريق لعودة ترامب، ومعه تستعيد ألقها الأقليمي المصادر.
من الواضح أن التطورات الدولية ضاعفت من أهمية السعودية في التوازنات الدولية، وتعزز دورها كدولة عظمى بما تمتلكه من مقدرات اقتصادية، فهي أكبر منتج للنفط، وتتزعم أكبر موسسة اقتصادية في العالم (أوبك).
ولعل الأهمية الإستراتيجية للنفط تتجلى في أزمة الطاقة الراهنة، ومعها تبرز عالمية السعودية.
فقد يكون صحيحا أن السعودية ضمن الهيمنة الأمريكية بالنظر إلى العلاقات التقليدية، لكن مع اشتعال الحرب الأوكرانية أصبح الأمر مختلفا تماما، فالنظام الدولي لم يعد مستقرا، إذ أن التحولات الدولية خدمت السعودية، ومكّنتها
من التجرؤ على إدارة بايدن بهذا القدر الذي يبدو أنه سيغيّر مسار مستقبل العلاقات بينهما.
إذ لا يجب التقليل من قيمة خفظ الانتاج بهذا الحجم، وفي هذه التوقيت المأزوم عالميا، حيث فسرته واشنطن بالعدائي وغير المبرر، خاصة مع قمة بايدن في المملكة، والتذلل لها، وتغيير السياسة الخارجية تجاهها، والتنصل عن وعوده الانتخابية المستفزة تجاهها.
في هذا السياق، يُنظر إلى المواقف السعودية - من وجهة نظر المشرّعين الأمريكيين- على أنها انقلاب على الهيمنة الأمريكية، وهذا مؤشر يجب التوقف عنده، لا سيما والحرب الأوكرانية لم تضع أوزارها بعد، فكلما زاد زخم المواجهات في أوكرانية اشتدت الحاجة إلى السعودية.
ومع تطوّر العقوبات على روسيا وحاجة العالم إلى الطاقة، فمن غير الممكن أن تعلن الحرب على روسيا العظمى عسكريا، والمملكة العظمى اقتصاديا، وهنا تكمن معضلة واشنطن.
لا شك أن لدى واشنطن أوراق كثيرة للضغط، لكن الانقسام في المجموعة الدولية، وبروز تصدّع يتّسع مع مرور الزمان، يجعل الأمر معقدا ومكلفا، ويدفع نحو آفاق للتمرّد على العلاقات الدولية المعتادة.



