مقالات

الحرب "العاقر" والنّخب "الانتهازية"

12/01/2021, 10:14:53
بقلم : محمد صلاح

الحرب أصبحت مثل كرة الثلج، كلما تدحرجت كبرت، وصعب التحكم فيها، ثم إن أي حرب أهلية هي دعوة الخارج إلى التدخل، وهنا يصبح الخارج هو المتحكم لأنه المموّل، خصوصاً في بلدان العالم الثالث.
كل حرب تسعى إلى أهداف واضحة وقاطعة، وكل طرف فيها يسعى إلى الانتصار والفوز، وهي مرتبطة -كما هو معلوم ومعروف- ببناء الدولة، غير أن ما يجري اليوم -ليس على ساحتنا فقط بل وفي عدد من الأقطار العربية- يبدو مجرد اقتتال بلا أهداف لصالح بناء الدول، لتفتيت مؤسساتها بالكامل، وفرض واقع جديد على الأرض لا يسمح ببنائها مجدداً.

فطوال السنوات الماضية، كل التضحيات التي دفعها البلد، وسقط جراءها عشرات الآلاف من اليمنيين بين قتيل وجريح لم تثمر على الواقع، ولم نجد أي مكاسب على الأرض، أو أي مواقف سياسية تشير إلى حرب تسعى إلى غايات واضحة ومهمة لتطوير الوطن وتقدمه.. على العكس: "هذه الحرب تقودنا قرونا إلى الوراء، وتمزّق اليمن إلى شعوب وقبائل وطوائف لا تعارف بينها ولا تآلف، وليس ثمة رؤية للحل والسلام" - كما يقول مفكر اليمن الراحل هشام علي..
بل على العكس، يجد المتابع لمجريات الحرب في اليمن، والخطاب المرافق لها، أنها تسير وفق منطق الحروب "الهجينة"، التي تستهدف استمرارية الصراع بين مكوّنات المجتمع، وادخال البلد في حرب أهلية تمتلك محرّكات بقائها التي لا تنتهي.

فبلادنا لم تعد فقط ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بل غدت لتصفية اليمن، والقوى الوطنية، وما يجري على الساحة هو "هندسة وطن"!
كما أن دور النّخب، التي تتشدق باستمرار الحرب، لا ينسجم مع حقائق الواقع الاجتماعي، الذي تدّعي التعبير عنه، ولا تستمد حضورها من طبيعة موقعها وإمكاناتها الأصيلة داخل المجتمع، بل دفعتها إلى الظهور على الواجهة ظروف الحرب، وطبيعة الصراعات التي يشهدها البلد، بحيث أن التدخل الأجنبي فيها بات هو المموّل، ومن يمتلك الإمكانات في الترويج وفرض هذه الشخصيات على مسرح الأحداث. كما عززت الحرب -من جهة أخرى- الدفع بمجاميع "لا ترى أنها تدافع، أو تناضل من أجل قضية"، بل من أجل منافع محصورة في جماعات محدودة.
تشعر هذه الجماعات داخل كل الأطراف أنها مستأجرة، وأن بقاءها مرهون ببقاء الفتن والحروب، وأن الحاجة إلى انتهازيتها - مدفوعة الثمن- سوف تنتهي وتزول بمجرد انتهاء الحرب.

خلال القرون الميلادية الأولى، برزت على المسرح في اليمن -أثناء الصراع بين الكيان الحِميري والسبئي على العرش- ظاهرة استئجار جماعات من المرتزقة، وكانت أغلبها من القبائل "المتبدِّية" والمحاربة، والقادمة من شمال الجزيرة العربية، فكان كل طرف من المتصارعين على الحُكم يسعى لاستئجار قوّتها، واستغلالها لحسم الحرب لصالحه، الأمر الذي دفع -مع طول أمد الصراع- إلى أن تتحوّل تلك القوى والجماعات القادمة إلى نُخبة قيادية داخل البلد، بسبب أدوارها القتالية، ولأنها لم تكن لديها أية خبرة أو معرفة بطبيعة المجتمع الذي انتقلت إليه، ولا بإدارة شؤونه، لأنها لم تنبثق من الواقع اليمني، كانت لذلك آثار سلبية على حياة المجتمع اليمني، بحيث "استغل سادة الأعراب حاجة أهل الحكم والمتنافسين عليه إليهم ببراعة ودهاء، فصاروا يؤيدون من يغدق عليهم المال، ومن يفسح لهم المجال للغزو والسلب والنّهب، ومن يزيد عن غيره في إعطاء المال لهم، وأخذوا يتنقلون من جهة إلى أخرى. يعيشون بالأمن في وقت كان الأمن فيه مضطربا قلقا. يهاجمون المدن والقرى والحكومات". [د.جواد علي المفصل في "تاريخ العرب قبل الإسلام"].

وامتدت التأثيرات الكارثية على النّظم السياسية والحضارية، التي كان لها دور في استقرار البلد ورخائه، إذ "ساعدت الحروب ودخول المرتزقة في تشكيلات القوات العسكرية -كما يقول الدكتور جواد علي- على زوال حكم الأخذ بالمشورة والرأي واستبداد الملوك وكبار رجال الإقطاع بالحكم".
وبزوال مجالس "المسود" -التي كانت تسود في اليمن- زال الاستقرار، وغدت الحروب والقوة هي الطريق إلى الوصول إلى السلطة، وكان من نتائج ذلك أن فقد البلد أهم ركائز الاستقرار.
كما ظهرت، خلال فترات تاريخية لاحقة، جماعات أشبه بالعرافين المتجولين والمتنقلين، استطاعت أن تجد لها موقعا داخل الساحة السياسية المشحونة بالاضطرابات والفتن، وأن تحتل موقعا منافسا بين زمر القوى المتنافسة والمتطاحنة، خصوصا وأنها كانت تمتلك إصباغ الشرعية على الحروب، الأمر الذي سهّل لها أن تخوض ميدان المنافسة لصالحها، وتدخل في الصراعات وهي مسلحة بإمكانات التعبئة المعنوية، التي تفتقر إليها بقية الأطراف المتقاتلة على الحكم والسلطة، مما أسهم في كتابة صفحات التاريخ بصورة كالحة.

إن الحروب "العواقر" هي من حطمت اليمن، وجعلتها تخوض صراعات لا تنتهي، وكانت تأتي لصالح جماعات وشلل محدودة، ولم تكن تهدف إلى تحقيق مصالح المجتمع، كما أن النّخب المستأجرة كانت وما زالت تعمل على تعبئة المجتمع لمواصلة الحروب لصالح من يحقق مكاسبها لا مكاسب المجتمع.
على جميع اليمنيين، وكل القوى في البلد -أياً كانت توجهاتها- إدراك أن اليمن لن يستقر إلا متى ضمته دولة وطنية تحت راية واحدة، يشعر فيها اليمنيون جميعا بأنهم شركاء في بنائها، وتأسيسها، وإدارتها، بدون ذلك ستظل مناطق الوطن براكين متفجّرة، يستغلها الطامعون فيه، وما إن يخمد أحدها، حتى تندفع الحمم من فوهة أخرى.

المصدر : خاص
تقارير

حرب ثقافية بنفَس طائفي.. كيف تتشكل هُوية جيل جديد في مناطق سيطرة الحوثيين؟

تشتمل الحرب الثقافية على التدمير الممنهج للتعليم وإجراء تغييرات على المناهج وإلزام المدارس والجامعات بتدريس مواد جديدة تركز على تدريس الفكر الطائفي الذي ينشر الكراهية داخل المجتمع ويحرّض على القتل وتمجيد ما تسمى "السلالة الهاشمية" ورموزها وقتلاها

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.