مقالات

"العـــلّان" وإعلان الجمهورية

14/09/2020, 13:39:53
بقلم : محمد صلاح

يعتبر "ذو علان" آخر شهور السنة الزراعية في اليمن، وهو يقابل شهر سبتمبر، وفي هذا الشهر يودع اليمنيون الخريف المرتبط بالجوع والفاقة، ويستقبلون موسم الخير.

يعد كل "عـلّاني" من المحاصيل في بلادنا هو "الأجود والأفضل"، وقد عرفت اليمن عددا من الانتفاضات والتحركات في مواجهة الإمامة، لكنها لم تنجح، ولم يكتب لها الخلاص من النظام الكهنوتي المظلم، لكن ثورة سبتمبر التي انبجست في سادس "العــلّان" من عام 1962م، "صدّرت" الإمامة ورحّلتها وطوتها إلى غير رجعة، مثلما يطوي "العلّان" الخريف، كما تقول ابيات المهجل اليمني:
لعن ابوك يا الخريف
"عــلّان" صدّر بتعريف
كان زادك رهيف
واليوم زين المهاديف
ولاشك أن هذا انعكس في ذهنية الناس حول ثورة سبتمبر التي جاء ميلادها في موسم "العــلّان"، موسم الخير والعطاء والفرح. أليس ما يصدق على الخريف يصدق على حكم الإمامة، فهذا الفصل مرتبط بالجوع والحطمة، وكذلك الإمامة كانت خريف اليمن التاريخي، فيها عانى اليمانيون من الفقر والفاقة، والأمراض الفتاكة.

أو ليس استقبال اليمنيون لذكرى ثورة سبتمبر وإعلان النظام الجمهوري، شبيه باستقبال الفلاحين لموسم "العــلّان"؟.
إن أروع أغاني واهازيج اليمنيين هي تلك التي تتفجر في موسم "العلّان"، ففي قدومه يستبشر الناس بالخير، ويتمكن الفلاحون من سداد ديونهم، وتأمين قوت الشتاء البارد، والصيف الحارق، فعند مجيئه يهزج اليمنيون ويحتفلون ويغنون جذلين:
علّنت علّنت يا اهل القلوب السلية
علنت واعلنت بشرى بغله هنية
ومن أغانيهم واهازيجهم المرحبة "بعـلّان" والتي تودع الخريف:
علّنت علّنت سار الخريف نحمد الله
علنت واقبلت والعوف لا رده الله
وكذلك تفجرت أحلام اليمنيين الكبرى في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وقد عبر عن فرحة قدوم هذا اليوم شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني صبيحة يوم الثورة بقوله:

أفقنا على فجر يوم صبي
فيا ضحوات المنى اطربي
تولى زمان كعرض البغي
وجاء زمان كقلب النبي
لقد كان إعلان النظام الجمهوري إعلان خير، وبشير أمل عند كل الكادحين، وهم كل الشعب اليمني الذي دمرت منظومة الإمامة مشروع حياتهم، ومستقبلهم، وارغمتهم على التشرد والضياع، وهجرة أوطانهم، ومفارقة أحبابهم، هربا من عسكر الإمام، وعماله الذين كانوا يستحوذون على خيرات حقولهم ومزارعهم.

فحين أُعلن عن قيام النظام الجمهوري صدحت فيه النسوة بالأغاني التي تنادي الأحباب في بلاد الغربة تطالبهم بالعودة إلى أرض الوطن، فقد أزاحت الجمهورية الإمامة، ومعها ذهبت الديون والقروض التي كان يضطر الفلاحون لاستدانتها من أجل تسديد الزكاة التي كان يفرضها زبانية الإمامة على الرعية، وتتجاوز ما فرضه الله:
اليوم جمهرنا قد الكلام زين
عجِّل وصولك لا زكاة ولا دين
وإذا كان حصاد الأرض، وجني الثمار والغلال مرتبط بــ"العــلّان"، فإن السلطات الإمامية كانت خلال هذا الموسم ترسل موظفيها ورجالها للطواف في الأرياف لتخمين الغلال، فكان حضورهم إشارة بلاء، ونزولهم علامة عناء، حيث كانوا يفرضون على الفلاحين الضرائب الجائرة، ويثقلون على الشعب بالزكوات الباهظة الأمر الذي كان يعرض المجتمع للمهالك والمجاعات بسبب تلك الجبايات، إضافة إلى الاتاوات التي كان ينتزعها موظفو الإمامة من أقوات الناس، ومحاصيل حقولهم، بينما اعتمدت سياسة النظام الجمهوري بصورة مستمرة طوال العقود الماضية، على افتتاح المشاريع الخدمية، من بناء للمدارس والجامعات، والمستشفيات، وشق للطرقات....الخ مع قدوم كل ذكرى سنوية لقيام الجمهورية، واحتفالات الشعب بعيد الثورة في شهر سبتمبر من كل عام. فبينما كانت السلطات الإمامية تسعى لفرض الجبايات ومصادرة الغلال خلال جني الناس لمحاصيلهم، فإن الجمهورية  ظلت تدشن بناء المشاريع التي تخدم الصالح العام خلال شهر الخير والعطاء عند الفلاحين والذي يوافق شهر أيلول. وليس ببعيد أنه طوال العقود الماضية ظلت سياسة افتتاح المشاريع تنعكس في ذهنية المجتمع وترتبط بالثورة، لتؤكد بأن الجمهورية هي في الأول والأخير جاءت لتقديم المصالح العامة ووضعها في المقدمة، ومهما اعترى المشروع الجمهوري من هنات وتراجعات، إلا أنه يبقى مشروع الحياة الضامن لاستقرار اليمن، والمشروع السياسي الذي يصعب على أية فئة أو جماعة مهما تمكنت من أسباب القوة على تجاوزه.
لا شيء في اليمن يشبه إعلان قيام النظام الجمهوري غير قدوم موسم "العــلّان" وحلوله على ربوع بلادنا، فهو موسم الخير والعطاء والأمان والفرح، وكذلك هو النظام الجمهوري بالنسبة لليمنيين.
مقالات

لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟

منذ سنوات تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟ ولماذا تبدو الجبهات وكأنها تدور في حلقة مفرغة، فلا سلام يتحقق ولا معركة فاصلة تقع؟ تذهب أغلب التفسيرات إلى أن السبب يكمن في ارتهان القرار السيادي للخارج، أو في اختلال موازين القوة العسكرية، أو في الحسابات الإقليمية والدولية. ولا شك أن هذه العوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر المشهد كله.

مقالات

قحطان.. رمز لمعاناة وطن وجريمة لن تسقط بالتقادم

لم تكن جماعة الحوثي مجرد طرفٍ في صراعٍ سياسي، بل مثلت انقلابًا على مجمل المكتسبات الوطنية التي راكمها اليمنيون عبر عقود من النضال والتضحيات. فمنذ أن اختارت العنف طريقًا، والسلاح وسيلة، والإقصاء منهجًا، دخل اليمن مرحلةً من التراجع العميق، تراجعت فيها قيم الدولة والقانون، وحلّت محلها ثقافة القوة، وغابت السياسة أمام منطق القهر، وأصبحت حياة الإنسان وكرامته رهينة مشروعٍ لا يتردد في استخدام كل وسائل البطش لإخضاع مخالفيه.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.