مقالات

اليمن ونزعة الاستقلال (5)

19/09/2022, 07:23:28
بقلم : محمد صلاح

إن ظاهرة خضوع اليمن للخارج، لم تكن تحصل إلا في ظل التناحر، والاقتتال على السلطة، والذي كان بدوره يساعد على تجزؤ البلد، وتفككها، الأمر الذي يغري القوى الأجنبية لاقتطاع جزء من مناطقها ووضعها تحت سيطرته.

ترافقت مع ظاهرة الصراع والاقتتال على السلطة في بلادنا، ظاهرتان هما: بداية التفكك والتجزؤ، والأخرى التدخل الخارجي، متعاونا، مع أحد أطراف الصراع الداخلي، أو مستغلا لحالة الانقسام وتفكك البلاد نتيجة للصراعات.

لكن دخول القوى الأجنبية، كان يثير حفيظة اليمنيين، وسرعان ما يتم رفع راية الاستقلال لمواجهة الخارج، وهذه كان يرافقها صعود نزعة التوحد.

لقد تطرقنا في المقال السابق - على سبيل المثال - للتدخل الحبشي في القرن الثالث الميلادي، وما اعقبه من اعادة القوى اليمنية للملمة صفوفها، وقيام دولة يمنية واحدة امتد تأثيرها ونفوذها إلى خارج حدود اليمن. 

ولم يقف الأمر عند ذلك التاريخ، فقد أعقب الخروج الأيوبي من اليمن (626ه) صعود نزعة التوحد. وقد أدرك ملوك الرسوليون والسلاطين الأوائل هذه النزعة، واستغلوها في تثبيت حكمهم، وصبغ شرعيتهم في السلطة.

 ثم مع الدولة القاسمية، بعد إخراج العثمانيين من اليمن عام 1636م، وما اعقب ذلك من استعادة البلاد لوحدتها. وفي القرن العشرين، بعد الصراع المرير الذي خاضته اليمن ضد الاحتلال البريطاني، فإن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، انجزت خلال فترة وجيزة إعادة توحيد أكثر من 23 سلطنة ومشيخة في ظل دولة واحدة. وبدحر المستعمر ارتفت دعوة التوحد مجددا، وغدت تيارا شعبيا هادرا، وقد خاضت القوى اليمنية باسم الوحدة والدعوة لتحقيقها حربين، وتمكن اليمنيون، من اعادة توحيد البلاد مجددا في 22 مايو 1990م.

إن التجزؤ ظاهرة عرفها اليمن مرارا وتكرارا، وهو أمر يعود بالدرجة الأولى " إلى ضعف حكومته المركزية، وليس إلى تعدد مناطقه الجغرافية. وسار تاريخ اليمن منذ أقد العصور وإلى الآن على هذا المنوال، أي بين المركزية والحكومة الموحدة أحيانا وبين التفكك وانفصال مناطقه وأطرافه أحيانا أخرى" [د. سيد مصطفى سالم مراحل العلاقات اليمنية السعودية ص13] وإذا كانت اليمن قد تعرضت لمثل ذلك في مراحل مختلفة، وبرزت على ساحته المحلية العديد من القوى، والسلطنات، والمشيخات، ذات المنحى الانفصالي، في أوقات الضعف الذي كانت تصيب المركز، فإن حالات انفصال أو استقلال بعض المناطق لم يكن يدفعها لتبني هوية مغايرة، بل ظلت على الدوام تشعر باعتزازها وانتمائها لليمن، وأنها جزء منه تاريخا ومصيرا فـ "لم تفقد هذه المناطق يمنيتها على طول التاريخ" وحين كان يتعافى المركز ويسترد قوته، فانه سرعان ما كان يبادر لإعادة المناطق الخارجة عليه، وتعود السلطة "لبسط نفوذها على تلك المناطق دون أن تشعر هذه الأخيرة بأن هناك احتلالا أو ضما بما تحمل هذه التعبيرات الحديثة من معنى" [نفس المصدر ص13]

ولقد كانت تزول الخلافات بين القوى اليمنية، سواء كانت مذهبية، أو مناطقية، متى تعرضت البلد لاحتلال أجنبي، كما أن نزعة التوحد تعود مجدداً للصعود، بحيث يعقب كل تحرر من السيطرة الخارجية، عودة البلاد لاستعادة وحدتها. حيث كان من نتائج الصراع بين اليمنين والعثمانيين عند حضورهم الأول إلى اليمن 1535م، " التقاء اليمنيين على اختلاف مذاهبهم في الدفاع عن استقلال اليمن فقد استمر الشمال الزيدي في نضاله واستمر الجنوب الشافعي يمد الشمال ويقدر له موقفه النضالي" [عبدالله الشماحي اليمن الإنسان والحضارة ص158]

بل إن منطقة يافع شرق البلاد، كانت قد سبقت صنعاء في نيل استقلالها عن العثمانيين، بحوالي سبع سنوات، ورغم أن المذهب السني، كان يجمعهم مع الأتراك، واختلافهم في المذهب مع الإمامة في صنعاء وشمالها، التي كانت تخوض صراعا مريرا لانجاز الاستقلال وإخراج العثمانيين، فإن أهل يافع أرسلوا بالمدافع التي غنموها من الجيش العثماني، إلى الإمام المؤيد بن القاسم لمساعدته، وإعانته ضد الأتراك.

كما لعب الأمير عبدالقادر بن محمد صاحب عدن، دورا بارزا في دعم الثورة التي كان يقودها الإمام المؤيد ضد العثمانيين مطلع القرن الستبع عشر الميلادي، بحيث "قام الأمير بإرسال المدد والعتاد والخيول والمدافع للحسن بن القاسم أثناء حصار تعز, ثم المخاء, وعند حصار زبيد, حتى تم نزوح العثمانيين من اليمن" [أمة الملك الثور بناء الدولة القاسمية ص106 المجلد الأول] ولم يتوقف الأمر عند إرسال المعونات المالية، والأسلحة والعتاد، بل إنه قام بمراسلة الحسين بن القاسم أحد قادة الثورة آنذاك، طالبا منهم "أن يرسلوا من طرفهم نائبا للإمام في ميناء عدن" [أمة الملك الثور بناء الدولة القاسمية ص106 المجلد الأول].

ولم تكن التوافقات المذهبية بين القادم من الخارج، وبين جزء من ابناء الشعب، تمنح الأجنبي غطاء شرعيا لتدخله في البلاد، ولا الاختلاف معه، هو المحرض الرئيسي على مواجهته، بل كانت قضية الاستقلال، ورفض هيمنته، أو تواجده، هي المحرك الأول لاندفاع السكان لمنازلته، ومقاتلته.

فالزرانيق في منطقة تهامة ذات الانتماء السني، من الناحية المذهبية، خلال عودة الأتراك (السنة) إلى اليمن مجددا في القرن التاسع عشر، كانوا أول من بادر بقيادة المواجهات في وجه القوات التركية، منذ أول تواجد لها على سواحل البلاد، رغم الانتماء المذهبي الواحد الذي يجمعهم مع الأتراك. كما شهدت المناطق الشافعية في تعز، وغيرها ثورات متواصلة ضدهم، تميزت عن الانتفاضات التي كان يقودها الإمام يحيى برفضها للمهادنة، أو المفاوضة، كما تشير إلى ذلك طبيعة المقاومة في المقاطرة.

وإذا كانت المناطق الشرقية والجنوبية، والسواحل اليمنية المطلة على البحر العربي، والمحيط الهندي، قد تمكنت من التصدي للغزو البرتغالي، واستطاعت إخراج العثمانيين بعد ذلك، إلا أن المطامع الأوروبية لم تتوقف عن سعيها للحصول على موطئ قدم لها على سواحل اليمن الجنوبية، وجزرها المنتشرة.

ولقد ظلت بريطانيا طوال مئتي عام تحوم حول المنطقة، من أجل السيطرة على السواحل اليمنية، تارة بالإغراء، كما حاولت مع سلطان المهرة، حيث وصل القبطان الانجليزي هينس في أكتوبر من عام 1834م، كما يروي ذلك في مذكراته "إلى قشن حاملاً معه عشرة آلاف ريال ماريا تريزا ليفاوض السلطان بشأن شراء الجزيرة من أجل أن يقيم عليها الإنكليز محطة لتمويل سفنهم بالوقود. إلا أن السلطان المهري رفض أن يساوم في بيع الجزيرة أو يتنازل عنها وكما يؤكد لنا هنينس نفسه في مذكراته فقد كان جواب السلطان كما يلي:- اسمع يا قبطان هينس وحق رب العرش لن أفرط في ذرة أرض الجزيرة لقد حباها الله المهريين فقط، وسنبقى نتوارثها صغارنا عن كبارنا إلى ما شاء الله" [د.سلطان ناجي الخلفية التاريخية للاحتلال البريطاني لعدن ص24، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، عدد 2، السنة الأولى، 1975م، الكويت]

لكن الفرصة عند النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت مهيأة لها في احتلال جزء من اليمن، وقد ساعدها آنذاك التفكك والتجزؤ الذي كانت تعيشه البلاد، بسبب الاقتتال والتناحر على السلطة بين القوى اليمنية.  

إن المتأمل في الاحداث الجارية في اليمن، يجد أن دورة التاريخ تعيد تكرار نفسها، من صراع للقوى على السلطة، يرافقها بوادر نزعة للتفكك، وتربص خارجي داعم للانقسام، من أجل تحقيق أطماعه.

ولعل الاختلاف في هذه الدورة التاريخية التي تمر بها بلادنا، أنها فتحت أبواب الجحيم على اليمن، من كل جانب، بصورة لم تعهدها مطلقا، وأصابت كل مناطق البلاد بالخراب والدمار. وأمام هذه الحالة لا يستطيع قارئ التاريخ، إلا أن يجد نفسه راضخا لمنطقه، وقوانينه، وعلى محياه ابتسامة ساخرة، من الحواة والهواة الذين يريدون شق مسارات، واختراع دروب لفرض رؤيتهم ومنطقهم على الصيرورة التاريخية للبلاد، فأحوال السياسة، وتقلباتها مرهونة بظروف وبأشخاص، ولا تستطيع أن تتعدى عقود من الزمن، بينما أحكام التاريخ قائمة على ثوابت إنسانية وحضارية، شقت طريقها خلال آلاف السنين عبر مسارات ودروب عسيرة حتى ترسخت. 

ومن يرد تغيير حقائق التاريخ فإن عليه أن يغير مجراه المتدفق منذ اربعة الاف عام، ومن يتوهم استطاعته رسم خارطة جديدة تشكل جغرافية البلاد، فإنه بحاجة إلى قوة يمكنها أن تحول البحار إلى صحاري، والجبال إلى رمال. 

مقالات

للتاريخ .. في ذكرى 26 سبتمبر. تحيةٌ واجبةٌ لتضحيات مصر في اليمن

صغيراً كنتُ ، عندما ذهبت إلى مستشفى في مدينة (ذمار) حيث كان والدي يعمل حينذاك .. هذا المشفى كان الوحيد في ذلك الوقت الذي يخدم إلى جانب السكان ، الجرحى والمصابين القادمين من جبهات القتال القريبة في (رداع) وغيرها ، خلال الحرب الجمهورية -الملكية في ستينيات القرن الماضي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.