مقالات

تحركات أمريكية في البحر الأحمر تبدد الهدوء الذي يسود جبهة اليمن

09/03/2026, 06:05:19

هذا هو اليوم التاسع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومع ذلك لا يزال شمال اليمن يشهد هدوءً مشوباً بالحذر، ناتج عن عدم إعلان جماعة الحوثيين حتى الآن خطة لإسناد عسكري لطهران، من شأنها أن تضع اليمن مجدداً كساحة محتملة للحرب، يأتي ذلك وسط استعدادات أمريكية ميدانية شملت حتى الآن نشر حاملة الطائرات "يو إس أس جيرالد فورد" وهي أكبر حاملة طائرات، بالتزامن مع البدء بتسيير طائرات بدون طيار في سماء العاصمة صنعاء لأول مرة منذ أشهر.


تهدف هذه التحركات واستعراض القوة بالتأكيد لاحتواء التهديد المحتمل من الحوثيين وهم ثاني أهم ذراع عسكري مرتبط بإيران في المنطقة، في وقت سجلت أنشطة مكثفة للجماعة واستعدادات ذات طابع دفاعي وهجومي، بانتظار أي تحول في مسار الحرب يستدعي أوامر عملياتية قد تأتي من طهران. وإن حدث ذلك، فإن الضربات التي قد يتلقاها الحوثيون ربما تتجاوز منطق ترامب العسكري المعهود القائم على مبدأ التدمير الاستعراضي الذي لا ينتهي إلى نتائج حاسمة على المستويين العسكري أو السياسي.


وبالقدر ذاته يتعين النظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بصفتها فاتحة لتغيرات قد تكون هائلة في المنطقة، وهو أمر يستوجب على كل من الحكومتين اليمنية والسعودية مستوىً استثنائياً في التعاطي مع المآلات المعقدة التي انتهت إليها الحرب اليمنية متعددة الأطراف، وأنتجت خلال السنوات الأحد عشرة الماضية تحدياتٍ استراتيجيةً أمام مهام استعادة الدولة اليمنية ووحدة البلاد، وأنتجت تحدياتٍ أعظمَ أمام السعودية المتحكم الأساسي في الحرب وصاحبة المكانة الجيوسياسية بالغة الأهمية في منطقتنا.


 لقد قطعت السلطةُ الشرعية بدعم فعال من الرياض شوطاً مهماً في احتواء تحدي الانفصال، الذي ثبت بالدلائل القوية أنه كان جزءً من الاستثمارات المشتركة للكيان الإسرائيلي مع دولة الإمارات، ولم يكن ينفصل عن التطورات التي تشهدها المنطقة، إذ كان يهدف إلى إنشاء كيان انفصالي معادي وبتهديدات عابرة للحدود وبنوايا مبيتة لتعزيز التحالفات "الإبراهيمية" التي تضع الكيان الإسرائيلي في هرم القيادة والنفوذ والتأثير في منطقتنا.


ويبقي أمام الحليفين تحدي إنهاء التمكين العسكري الخطير الذي حصل عليه الحوثيون طيلة السنوات الماضية، مستفيدين بشكل كبير جداً من تلاقي المصالح بين واشنطن وطهران، إبان موجة الاضطرابات الهائلة التي ضربت المنطقة في أعقاب الربيع العربي، وأجبرتْ دولٌ لها مصلحة حيوية في سلامة بلدان الربيع العربي، على التخلي عن مقارباتها الخاصة الناجحة لتلك الصراعات (كما كانت تفعل السعودية في اليمن)، والمضي خلف مخطط فرض "الفوضى الخلاقة" على البلدان وشعوبها.


كان التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي تشكَّلَ في ربيع العام 2015 لمواجهة التحدي الجيوسياسي الناتج عن الانقلاب الحوثي وعن الارتباط الوثيق لهذا الانقلاب بالأجندة التوسعية لإيران، قد مثَّل بنظر ملايين العرب الخطوة الأهم في تاريخهم، إذ أعاد الثقة لأمة بكاملها بقدرة شعوبها وحكوماتها على حل الصراعات الناشئة بالوسائل السياسية السلمية أو عبر القوة العسكرية إن لزم الأمر. ولهذا تعمدت واشنطن ومن خلفها العواصم الغربية، وضع العراقيل أمام هذا التحالف وأمام المحاولات العربية لتأسيس آلياتهم الخاصة في التعامل مع التحديات، وفرضت على التحالف مساراً سياسياً ترعاه ظاهرياً الأمم المتحدة فيما تتحكم به بشكل كامل القوى الغربية الكبرى.


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن هذه القوى كانت تنظر بارتياح كبير للخطوة الإيرانية وهي تزج بما أسماه الحوثيون السلاح الاستراتيجي (الصواريخ والمسيرات) في المعركة، وحدث أن شهدنا جميعاً استخداماً مباشراً للقوة الصاروخية من جانب إيران ضد أهداف حيوية نفطية في شرق المملكة في سبتمبر 2019، بل أن ترامب الصديق المفترض للقيادة السعودية لم يعزز حينها، الدفاعات الجوية السعودية، وهو ما أكدت عليه لأول مرة شخصية سعودية رفيعة، هو الأمير تركي الفيصل في أحدث مقابلة له مع قناة (سي أن أن) الأمريكية.


خلال السنتين الماضيتين مرت على الساحة اليمنية أحداثٌ بالغة الأهمية فقد تناوبت أمريكا وإسرائيل على توجيه ضربات قاسية ضد القدرات العسكرية والمادية للحوثيين. لكن اللافت أن تلك الضربات العرضية، أعادت تأطير الوجود الحوثي في شمال اليمن لا كقوة تمرد على الحكومة الشرعية، بل كطرف إقليمي شرير مرتبط بإيران ويتصادم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو توصيف، يزيد من منعة هذه الجماعة الانقلابية، ويطيل أمد معاناة اليمنيين، ويستدعي تحركات ذات طبيعة استثنائية لإنهاء الوضع القائم في اليمن بكل الوسائل الممكنة وتحقيق استقرار مستدام في جنوب شبه الجزيرة العربية يدعمه بلدان يتمتعان بعلاقات معززة بالمصالح والمنافع المشتركة.

مقالات

الأمم المتحدة في اليمن تآكل أدوات التأثير

جاءت إحاطة هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن امس الثلاثاء بلهجة حذرة وروتينية، أعادت تدوير المفردات التي صارت ملازمة للخطاب الأممي حول اليمن على شاكلة خفض التصعيد وحماية الملاحة، ودعم الاقتصاد والإفراج عن المحتجزين، والحفاظ على مسار السلام.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

مقالات

الشرعية: صراع على الهامش

بدو الشرعية اليمنية اليوم بعيدة عن قلب المعركة التي يفترض أن تخوضها. فبدلًا من أن توجّه طاقتها إلى استعادة الدولة، وترميم المؤسسات، وتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب، انزلقت إلى صراعات جانبية على النفوذ والمواقع، وتوزعت قواها بين ولاءات متنافسة، وتشكيلات مسلحة متجاورة، ورعاة خارجيين يضبطون الإيقاع ويحددون حدود الحركة. وعلى امتداد هذا المشهد، تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا، ويتحول ما تبقى من الجغرافيا الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع القوة، وإدارة المجتمعات المحلية بأدوات الغلبة.

مقالات

إيران.. ثبات الأهداف وتغيّر الأقنعة

حين ننظر إلى التاريخ الإيراني من زاوية ممتدة، لا كوقائع متفرقة بل كسلسلة متصلة من الأفكار والأنماط، يتبدّى لنا أن التحولات الكبرى التي عرفتها إيران لم تكن في جوهرها انقطاعات حادة، بقدر ما كانت إعادة تشكيل لمشروع

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.