مقالات
مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً
في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.
وإذا أردنا قراءة ما بعد تفكك المجلس الانتقالي بموضوعية، فشبوة تقدّم نموذجاً مكثفاً وصريحاً لحجم التحول الذي جرى .. بعيداً عن ضجيج المكالمات والخطابات الشعبوية ، الحقيقة القاسية التي يحاول سماسرة الوهم إخفاءها عن البسطاء هي أن عجلة التغيير قد دارت، وداست في طريقها على هياكل "المجلس الانتقالي المنحل"، مؤسسةً لمشهد جديد كلياً يتجاوز أمنيات العودة إلى الماضي. نحن اليوم أمام عملية تغيير وتفكيك منهجي لكل الكيانات والمؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للمجلس الانتقالي "المنحل" .
لندع جانباً حجم التغيير الجذري والواضح للعيان في العاصمة المؤقتة عدن، أو في حضرموت التي كانت منطلق الحسم. دعونا نوجه بوصلة التركيز والتدقيق نحو شبوة وحدها، ولنمسك بالملف العسكري حصراً منذ إعلان حل المجلس الانتقالي، لنرى كيف تم إعادة رسم الخارطة العسكرية وتجريد الانتقالي من مخالبه:
▪︎ تم إفراغ محافظة شبوة بالكامل من قوات العمالقة بكافة تشكيلاتها. نتحدث عن انسحاب أكثر من 30 ألف مقاتل، مما يعني إنهاء أي وجود أو ثقل لقوات العمالقة في محافظة شبوة. لم يقتصر انسحاب العمالقة على المعسكرات، بل شمل انسحابهم من حماية الشركات من "شركة جنة" النفطية في مديرية عسيلان، وتسليم زمام الأمور لكتيبتين من ألوية دفاع شبوة.
▪︎ تم إخراج اللواء الثاني دفاع شبوة من العاصمة عتق. هذا اللواء الذي كان يمثل قوة ضاربة وأداة بطش وكابوساً أمنياً، تم تجريده من كل معسكراته ونقاطه وحزامه الأمني لصالح الأمن العام والقوات المشتركة، ليتمركز في جبهة مرخة العليا. تمت الإطاحة أيضا بالعقيد وجدي باعوم من قيادة اللواء الثاني ورئاسة أركان قوات دفاع شبوة، وذلك بعد فراره إلى الإمارات. تم استبداله في أركان الدفاع بشخص آخر وتكليف "ماجد لمروق" بقيادة اللواء، في عملية تنظيف واضحة.
▪︎ تم سحب جميع كتائب اللواء الثامن دفاع شبوة (بقيادة العميد عوض الدحبول) من مدينة عتق وتوجيهها للتمركز في جبهة حريب.
▪︎ تم سحب القوات المرابطة التابعة للواء الرابع دفاع شبوة (بقيادة أصيل بن رشيد) بالكامل من معسكر عارين، في خطوة تقليم أظافر إضافية. وأصدر أبو زرعة المحرمي قراراً بتعيين قائد جديد للواء الرابع في عزان، غير أن القرار اصطدم بتوجيهات المحافظ عوض بن الوزير الذي أوقف التنفيذ، ليبقى أصيل بن رشيد في موقعه حتى اليوم.
▪︎ تم سحب كافة معسكرات قوات محور سبأ _ المحسوبة على الإمارات_ من محافظة شبوة وإعادة تموضعها في جبهة حريب بمحافظة مأرب، بالتزامن مع تغيير قيادتها عبر تعيين قائد جديد.
▪︎ في خطوة ذات دلالات عميقة، تم تعيين قائد أركان للواء الثالث دفاع شبوة من أبناء محافظة مأرب، مع إعادة تموضع اللواء في جبهة حريب.
▪︎ تعرضت ألوية دفاع شبوة لعملية "هيكلة وتهذيب" قاسية عبر فرض نظام "بصمة العين". هذه الخطوة أدت إلى كشف الاختلالات وفرض خصومات مالية على عدد كبير من الأفراد.
ما سُرد أعلاه ليس سوى قطره من بحر التغييرات في محافظة واحدة فقط، وهي شبوة. فكيف إذا ما أضفنا إلى ذلك التغييرات العاصفة في عدن وحضرموت ولحج وأبين والضالع؟
إن الاستخفاف بعقول الجماهير من قبل أنصار المجلس الانتقالي المنحل ، ومحاولة إقناع البسطاء بأن المشهد السابق يمكن أن يعود، أو أن مكالمة صوتية عابرة لعيدروس الزبيدي من مخبأه تمتلك عصا سحرية لقلب الطاولة، هو استمرار لنهج "الخداع السياسي".
لقد تغيّرت قواعد اللعبة لم تعد الكتلة العسكرية ثابتة، ولا مراكز السيطرة محصّنة. كل شيء بات قابلاً لإعادة التشكيل، وفق توازنات جديدة تُفرض من الميدان لا من الخطابات الشعبوية.
وهنا تكمن الحقيقة الأهم من لم يقرأ هذه التحولات بعمق، سيتأخر عن فهم الواقع، ومن تأخر عن الواقع، خرج من معادلته.