مقالات

تسعة دروس (مبكرة) من حادثة الاغتصاب.. موجهة للفاعلين المحليين والخارجيين

24/05/2026, 13:24:46

أحدثت حادثة اغتصاب طفل في عدن، بما حملته من تفاصيل مروعة، صدمة كبيرة في الوعي العام اليمني. وكل يوم تتكشف تفاصيل جديدة تُظهر عمق القبح الذي بلغه المجتمع؛ لكن هذه التفاصيل، من أولها إلى آخرها، تكشف أيضاً عن أعراض أخرى تستحق الالتفات إليها. 
الغرض من هذا السطور بما فيها من دروس موجهة للفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، هو أولاً الحث على التفكير في كيف أن هذه الجريمة كشفت لنا واقعاً مركباً. 
ثانياً كشف أعراض الاعتلال الاجتماعي من خلال فحص ما وراء حادثة اغتصاب طفل في عدن. 
ثالثاً التشديد على حقيقة أن السياسة الآثمة تأتي على حساب الإنسانية في سؤال :كيف حوّل الاستقطاب الجريمة إلى مناكفة؟ 
وأخيراً الحض على النظر إلى الوجه الآخر لمأساة عدن:  طفولة مستدرجة وقوانين قاصرة. 
وماذا يجب على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني فعله لحماية المجتمع. 

إذا اعتمدنا الرواية المتداولة، فسنبصر :
أولاً، جريمة بشعة ارتُكبت بحق طفل قاصر، والده "شهيد"، ومرتكبوها ضابط في مؤسسة أمنية ورفيق له قام بالتصوير.
وأول هذه الدروس هو أن الحرب أطلقت الوحوش الكامنة في أعماق بعض البشر، نتيجة ما تخلقه من تشوهات في طبائعهم من ناحية، ولأنها تقوض وسائل الحماية والرعاية الاجتماعية الجماعية التي تُهذّب الوحش وتكبح جماحه من ناحية أخرى. 

العنف يولّد موجات أخرى من العنف، والحرب ليست مزحة. فهل حان وقف الحرب وبناء الدولة؟

ثانياً، ظهرت هذه الحكاية إلى العلن من خلال تسريب عبر وسائل التواصل الاجتماعي في توقيت حرج، وهنا نحن أمام درسين:
الدرس الأول: أن الإعلام التقليدي فقد قدرته على الانخراط مع المجتمع وحمايته والإسهام في معالجة مشاكله، بل أصبح يلهث وراء وسائل التواصل الاجتماعي. لقد انهار الإعلام الرسمي وغير الرسمي وظيفياً؛ لأنه إما منقطع عن المجتمع، أو غارق في بلاغة الاستقطاب والمناكفة السياسية فقط.

الدرس الثاني: إن النشر عبر وسائل التواصل، بقدر ما يكشف عيوب المجتمع، فإنه يسهم في انتهاك حقوق الضحايا وتطبيع الجريمة في أعين الناس؛ كونه يفتقر للمهنية ولا يراعي قواعد النشر الأساسية.
ومن هنا، لا بد من ضبط آداب النشر الرقمي من خلال منظومة قانونية يجري تحديثها وتفعيلها، وهنا يبرز جانب آخر من المشكلة، وهو القصور التشريعي الشامل.
لقد اتخذت الجريمة مساراً سياسياً، شابه هجوم وهجوم مضاد، بعيداً عن الدفاع عن سلامة المجتمع وحق الضحايا.

وهذا بلاء نزل على اليمنيين، ففقدوا بسببه بعض إنسانيتهم بالتعامل مع الحوادث باعتبارها مجرد ورقة للمناكفات السياسية؛ إذ يذهب البعض إلى تسييس التهمة أو تجييرها مناطقياً وجهوياً، بينما يذهب البعض الآخر إلى الدفاع عن الجريمة أو إنكارها.

بل أن التفاعل اللا مؤسسي، أول بأول، وعلى قاعدة "ما بدا بدينا عليه"، بناء على ما ينشره المجتمع وآليته في تشكيل الضغط يضع الماكينة العدلية تحت ضغط الرأي العام وتستعجل الإجراءات فقط لإسكات الأصوات وامتصاص الغضب وليس لاعتماد إجراءات تضمن أولاً العدالة وثانياً سلامة الأداء وديمومته.

الدرس الثالث، سواء بقيت اليمن موحدة أو تشظت إلى وحدات صغيرة، فإن البلاء سيشمل الجميع؛ لأن المجتمع يمر بحالة اعتلال حاد بسبب الاستقطاب المفرط في التعامل مع الحقوق والواجبات الأساسية للفرد. وعلى الأحزاب والتكوينات السياسية، القديمة منها والناشئة، أن تعي دورها وواجبها، وتدرك خطورة ما ستؤول إليه البلاد.

الدرس الرابع، بحسب تفاصيل أخيرة- لم تؤكدها وزارة الداخلية التي لم تحسم الأمر بعد، رغم أنها المصدر الرئيسي للمعلومة- وقعت الجريمة داخل معسكر، واستُدرج الطفل بحجة تجنيده. وهنا نقف أمام ثلاث قضايا:

القضية الأولى: تظهر وزارة الداخلية كالطرف الأضعف والأقل حساسية تجاه مشاكل المجتمع، لافتقارها إلى استراتيجية تواصلية تضعها في مقدمة المصادر، مما يكشف خللاً كبيراً وغياباً للمسؤولية والضمير في إدارة المعلومة. حتى بيانها الأخير بدا دفاعياً لا مهنياً، وكأنه نتاج سلسلة من الإجراءات الارتجالية التي تتخذها المؤسسة عند حدوث أزمة كهذه. إن أداء وزارة الداخلية بحاجة إلى مراجعة جادة؛ فالمجتمع أمانة في عنقها، بينما أظهرت سلوكاً يتسم بـ "السبهللة" واللامبالاة غير الاعتيادية.

 القضية الثانية: إن المعسكرات التي نشأت خارج رحم الدولة - مهما كانت التسميات التي تُطلق عليها لتجميلها، من قبيل "تشكيلات قتالية"، أو "وحدات أمنية مساندة"، أو "ميليشيات"، بما في ذلك الأسماء البراقة التي تطلقها هذه التشكيلات على نفسها - فإنها في نهاية المطاف تتكئ على فراغ مركّب: فراغ دستوري، وفراغ قانوني، وفراغ قضائي، وفراغ شرعية.

القضية الثالثة، وربما يجدر بنا التوقف ملياً أمام هذه الحقيقة من زاويتين:
 زاوية الدمج الذي يُراد المضي به قدماً الآن من أجل احتواء المشهد الجنوبي. هذا الدمج يجب أن يتأسس على أمرين: بناء مؤسسات الدولة بما يتوافق مع المعايير الدستورية والقانونية، وعدم تبييض أسماء التشكيلات التي تورطت في انتهاكات بحق المجتمع، وتحديد واعتماد الحد الأدنى المطلوب من العدالة الانتقالية.

 الدرس الخامس، نحن أمام حادثة ناتجة عن تجنيد الأطفال، وعلى الأهالي أن يحموا أبناءهم القُصّر، فما حدث كان لطفل تم استدراجه للتجنيد.
في اليمن، هناك قرابة عشرين ألف طفل قاصر التحقوا بالجيش والأمن منذ اندلاع الحرب، وأغلبهم في مناطق سيطرة الحوثيين، وما حدث يشير إلى وجود حوادث مماثلة وقابلية شديدة للاستغلال في كل مكان. 

لقد فشلت الحكومة في التزاماتها تجاه حماية الطفل وفي الوفاء بالاتفاقيات الدولية، وعليها -أثناء عملية الدمج-غربلة الأسماء والأعمار لتقويض إمكانية الاستغلال، تماماً كما فشل المجتمع المدني في القيام بواجبه.

 الدرس السادس: انطلاقاً من الحديث عن الفراغ المركب، لا يمكن لجهة أن تكون هي الخصم والحكم (الحامي والقاضي) في الوقت نفسه، ولا يُنتظر من جماعة خارجة عن القانون، تعتاش على العنف المفرط، أن توفر الحماية للمجتمع. وهذه نقطة حساسة: لا يوجد بديل حقيقي للدولة ودولة القانون.

الدرس السابع، واتصالا بالدرس أعلاه، أعلم ان هناك توجه أممي ينضج منذ سنوات وتراق لأجله الأموال والجهود وتشحذ العقول ، تحت مسمى "بناء الأمن من الأسفل"، يهدف لتفويض الأمن المحلي إلى تشكيلات مسلحة لطالما انهارت الدولة، وهو ما يفرغ العملية من هدفها الحقيقي المتمثل في تكوين منظومة أمنية وطنية. 

وربما، دون قصد وبحسن نية وبمقاربة التجريب والابتكار، تسهم هذه المقاربة في أمرين: أولاً، تقويض الدولة القائمة التي لا يحق لهذه المنظمات دخول البلاد إلا باسمها، بالمشاركة في هدمها؛ وثانياً، التطبيع مع الجريمة والبناء المافيوي، وترك المجتمع يواجه مصيره وحيداً أمام جماعات مسلحة تحظى بتطبيع دولي وغطاء أممي.

نعود إلى كيفية تعامل المجتمع مع هذه الجريمة؛ وهذا هو الدرس السابع، إذ نلمس رغبة جامحة في تعميم العار جهوياً وسياسياً، وقد أشرنا إلى ذلك أعلاه. لكن هناك أيضاً عجزاً كاشفاً في تكوين آليات دفاع ومناصرة تقود إلى محاصرة الأفعال الشائنة والمخالفات والجنايات. 
فلا يوجد مجتمع مدني وحقوقي حي يتفاعل مع القضايا بصورة متخصصة، ولا يوجد وسط حقوقي نظيف؛ فالوسط الحقوقي مُسيّس في أحسن أحواله، وبسبب أموال المانحين تخلى عن المجتمع وقضاياه اليومية لصالح أجندات سياسية.

لقد حدث تدمير ممنهج للأولويات، وأنتجنا مجتمعاً قائماً على الاستقطاب. كما أن بنية المنظومة الأمنية في محافظات الجنوب، وفي عدن خصوصاً، أُسّست على ركائز قمعية أفرغت المجتمع من أدوات التفاعل والرفض. والأموال الخارجية التي صُرفت في الفترة السابقة لم تحافظ على نواة المجتمع المدني والحقوقي، ولم تنتج بدائل حقيقية.

الدرس الثامن، شيء آخر يثير الدهشة، وهو أن هذه الجريمة كانت مقيدة ضمن سجلات الأمن، وحاولت جهات في الفترة السابقة تبييضها، لكنها غائبة تماماً عن السجل الحقوقي. يبدو أن اللجنة الوطنية لرصد الانتهاكات لا علم لها بالموضوع، مع أن المفترض بها أن تكون جهة رصد مستقلة تمتلك سجلاً موازياً لسجل الأحداث الأمنية؛ وهذا القصور يطعن في مصداقية هذه اللجنة وفي الدعم الأممي المزعوم المقدم لها.

تقع الآن على عاتق الحكومة مسؤولية كبيرة في معالجة هذه المسألة من مسارين:
1: دعم اللجنة الوطنية والسماح لها بالوصول إلى سجل الأحداث الأمنية أولاً بأول.
2: تشكيل لجنة أمنية عليا مسنودة قضائياً لتلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكات التكوينات الأمنية أو المؤسسة الرسمية في عموم الجمهورية، وتحديداً في مناطق الشرعية.
لقد أثبتت هذه القضية أن المؤسسة الأمنية في مستوياتها الميدانية -عندما تنهض على أكتاف جماعات خارجة عن القانون- لا تكون مؤهلة لحماية المجتمع من الانتهاكات.

لنأتِ الآن إلى الفراغ التشريعي

الدرس التاسع، كشفت هذه الجريمة عن قصور تشريعي مروع تجاه قضايا الاغتصاب، يجعل من اليمن -مؤسسياً وتشريعياً- بلداً متساهلاً مع قضايا الاعتداء على الأطفال، وهذه كارثة شرعية وقانونية. والآن، حتى لو تحركت الأجهزة الأمنية وألقت القبض على الجاني، فما هي العقوبة الرادعة في ظل هذا القصور؟

الكارثة الحقيقية أننا، منذ أكثر من عقد من الزمن، عاجزون عن تحديث المنظومة التشريعية. وهذا الحديث موجه للرعاة الإقليميين والدوليين الذين أعاقوا المؤسسة التشريعية تحاشياً نزق وغباء بعض النواب وحماقاتهم ورعونتهم السياسية امام خطر وجودي يتمثل بانهيار الدولة -وهو أمر قد نتفق معهم فيه- لكنهم في المقابل أعاقوا المجتمع عن الدفاع عن نفسه.
لقد بات من الضروري معالجة غياب المؤسسة التشريعية في أسرع وقت، والسماح لها على الأقل بالنهوض بمهمتها الدستورية، في بلد تتطور فيه الجرائم الحديثة والإلكترونية دون أن يغطيها التشريع اليمني الحالي. 

وعليه، يقع على عاتق وزارة الشؤون القانونية التقدم بتعديلات عاجلة لقانون العقوبات، وربما يلزم إصدار هذه التعديلات بقرار رئاسي (قرار بقانون) في ظل تعثر وانقسام المؤسسة التشريعية.

هذه تسعة دروس أولية ومبكرة. وربما لو اجتمع أكثر من عقل لاستخرج دروساً أوسع تسهم في معالجة الشأن اليمني. وأنا مستعد للحديث أو التعاون مع من يريد بهذا الخصوص.


* من صفحة الكاتب على فيسبوكـ

مقالات

وحدة اليمن، الإنجاز الذي تتهدّده قوى النفوذ الخارجي

ما من منجز عظيمٍ تحقّق لأمّتنا أكثر عرضةً للتهديد من الوحدة اليمنية؛ لا لشيءٍ إلا لأنها تمّت في جغرافيا تعاني من التأثير الطاغي للنفوذ الخارجي، وفي بيئةٍ إقليميةٍ تكتنز قدرًا لا يُحتمل من التربص بوحدة اليمنيين واجتماعهم السياسي، وابتُليت خلال اثنين وثلاثين عامًا من عمرها بقيادة أنانية تعاملت مع الوحدة كفرصة شخصية لتكريس النفوذ الخاص

مقالات

قصة أغنية "نشوان" كما رواها المرشدي والصريمي

تسمعها، فينبعث داخلك صدى عميق لأنات الإنسان اليمني عبر الأزمان؛ صدى رخيم وحزين وشجي، بحجم اليمن كلها. لها وقع النشيد الملحمي ولها نغمة "الملالاة" الشعبية المعبرة عن بشر كثيرين في دائرة الظلم المستدام في تاريخ اليمن.

مقالات

مأزق "أرض الصومال" الأخلاقي والسياسي

احتفلت جمهورية أرض الصومال، غير المعترف بها دولياً، في 18 مايو/ أيار الجاري، من جانب واحد، بالذكرى الـ36 لما تسمّيه "استقلالها"، عقب انهيار الدولة الصومالية في 1991. ومن يراقب سلوك النُّخبة الحاكمة لهذه الدولة، يدرك أنّها حاولت (وتحاول) تقديم تجربة لافتة أمنياً وديمقراطياً،

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.