مقالات

جوهر النكف القبلي

26/10/2026, 08:08:00

لم يكن النكف القبلي في جوهره مجرد حشد للرجال أو استعراض للقوة، بل كان تعبيرًا اجتماعيًا رفيعًا عن منظومة من القيم التي شكّلت عبر التاريخ أحد أعمدة المجتمع القبلي اليمني؛ نصرة المظلوم، وإغاثة المستغيث، والدفاع عن المستضعف، والوقوف في وجه الظلم، وصيانة الكرامة، والانتصار للحق حين يعجز صاحبه عن انتزاعه بمفرده. كانت القبيلة، في صورتها الأخلاقية النبيلة، قوةً اجتماعيةً تضبط القوة، لا أداةً لإطلاقها بلا ضوابط، وملاذًا للمظلوم، لا حصانةً للظالم.
كان هذا هو جوهره في الأساس ... 
المأساة تبدأ حين تنقلب المعادلة، وتُفرَّغ القيم من مضامينها، ويُستدعى النكف لا لنصرة المظلوم، بل لحماية المتنفذ؛ ولا لردع المعتدي، بل لتوفير غطاء اجتماعي لاعتدائه؛ ولا لإقامة العدل، بل لفرض منطق القوة على المجتمع والدولة كما يعمل الحوثي اليوم ، وهو يحاول أن يحط من قدر القبيلة . عندها لا يعود النكف تعبيرًا عن شرف القبيلة، وإنما يصبح توظيفًا انتهازيًا لرصيدها الأخلاقي، ومحاولةً لتحويل التضامن الاجتماعي إلى وسيلة للضغط والابتزاز والإفلات من المساءلة.
الفرق شاسع بين قبيلة تنتصر للحق، وقبيلة يُستَخدم اسمها لفرض الباطل؛ وبين حشدٍ يردع الظلم، وحشدٍ يحوّل الظلم إلى أمر واقع.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس مجرد إساءة استخدام تقليد اجتماعي، بل إعادة تعريف الفضيلة ذاتها؛ حين يصبح الاعتراض على المعتدي اعتداءً على القبيلة، ومحاسبة المخطئ إهانةً لجماعته، والخضوع للقانون انتقاصًا من المكانة الاجتماعية. وبهذه المغالطة يُنقل النزاع من حقيقته، بوصفه خلافًا بين حق وباطل أو بين معتدٍ ومعتدى عليه، إلى مواجهة مصطنعة بين جماعات، يُطلب فيها من الناس أن ينحازوا إلى صاحبهم لمجرد أنه صاحبهم، لا لأن الحق معه.
وهنا تتحول العصبية من رابطة للتكافل إلى أداة لتعطيل العدالة، ويغدو الانتماء القبلي بديلًا عن المسؤولية الفردية، وتُختزل الكرامة في القدرة على فرض الإرادة، بدلًا من الالتزام بالحق واحترام حقوق الآخرين.
تمتد خطورة هذا التوظيف إلى تشويه الذاكرة الأخلاقية للقبيلة نفسها تمهيدًا لكسرها . فالقيم التي اكتسبت احترام المجتمع عبر أجيال لا يمكن أن تظل بمنأى عن التآكل إذا تحولت إلى ستار يحتمي خلفه المعتدون، أو إلى وسيلة لتهديد الخصوم وإرغامهم على التنازل عن حقوقهم. وحين يُجبر المجتمع على الاختيار بين الخضوع لقوة الجماعة والتنازل عن حق الفرد، نكون أمام اختلال يتجاوز القانون إلى جوهر العدالة الاجتماعية.
يعمل الحوثي اليوم على اختطاف قيم القبيلة ويفصلها عن منظومتها الأخلاقية، ويكون ، إذا نجح في ذلك ، قد ضرب جذر المجتمع وأعاد تشكيل قيمه على نحو يضع رصيده الأخلاقي والوطني على المحك.

 

نقلا عن صفحة الكاتب على "فيسبوك"

مقالات

المسألة اليمنية في ثلاث دقائق

تشبه الإمامية الزيدية "عَجْب الذّنَب" كما في الحديث المتفق عليه. أي تلك البذرة التي لا تفنى ولا تزول، منها يتخلق الكيان وإليها يبلى. إذا تحلل أو دُحِر عاد وكمَن فيها حتى تتيسّر له الظروف. فإذا تيسّرت خرجَ وحمل السيف.

مقالات

لماذا لن تنجح أنصاف الحلول في إنهاء معركة تعز؟

حتى هذه اللحظة يعاني الحوثيون من الاصطدام العنيف مع القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية عند مشارف مدينة تعز، غير أن هذا التعثر في معركة كسر إرادة تعز كان متوقعاً بالنظر إلى تجارب السنوات الماضية، لذا لا يتوقفون عن الضرب في المعنويات عبر جهود الـ"كول سنتر" مع المؤثرين والقادة والمقاومين وحتى الناس العاديين، وعبر مهام الطابور الخامس، وهي جهود تتوخى هز المعنويات العالية وتحييد الحاضنة الشعبية، لكن تأثير هذه الجهود يكاد لا يذكر، بل إنها بدأت بالانحسار في ظل الالتحام الكبير بين المقاتلين وحاضنتهم الواسعة في مدينة تعز.

مقالات

خنجر مغروس في خاصرة الأمن القومي العربي

من يعتقد أن بالإمكان الوصول إلى تسوية سياسية تتجاوز مرجعيات التوافق الوطني اليمني وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2216، إنما يراهن على وهم، ويتجاهل جذور الأزمة وطبيعة المشروع الذي قاد إلى الانقلاب

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.