مقالات

حديث عن العناية بالنفس(1)

06/02/2024, 09:08:31

وسط عالم يصطّخب بكل شيء، عالم بارع في اختراق كل حجب الواقع المادي ومحاولة وعيه والتحكم به، وهو جهد عظيم بالطبع. مقابل هذا لا يبدو أن نفس الإنسان، هذا الجوهر الخفي والمُحرك الخطير لسلوكه؛ تحظى بنفس الجهد من الاهتمام، ولا نصفه أو ربعه.

وبقدر النجاحات المتسارعة في شتى مجالات المعرفة، نظريًا وتطبيقيًا؛ يبدو علم نفس الإنسان غارقا في أسس قديمة، وليس تجديفًا القول: إنّ ما يخص النفس ما يزال أسير بداياته التأسيسية، حيث العودة إلى فرويد ملاذ تقليدي، يؤوب إليه الحيارى كلما استعصى عليهم أمر، أو تحداهم الواقع. واقع النفس الحديثة وهي تظهر تململها، وتُقاوم كل المحاولات الرامية لفرض مقترح لمداواتها لم يعد يتناسب معها. 

لعلّ من المفارقات المبدئية بين العلوم البيولوجية والنفسية هو أنّ الأخيرة ليست معطى جاهزا يمكن معاينته بسهولة، وتقرير أيّ أصناف الدواء ملائم للحالة. 

ففي حالة النفس ليس الطبيب هو من يقرر الدواء لمجرد تشخيص الحالة التي أمامه؛ حتى دونما حاجة لأي حديث مع المريض، ذلك أن المختبر يقوم بالمهمة، حالما كان المرض جسديا، وقابلا للفحص التجريبي. 

أما حين تتعب نفس الإنسان، فالمهمة عسيرة، والطبيب أمام فضاء واسع من الاحتمالات، لا يوجد احتمال واحد يقيني بشكل تام. من هنا ينبع العجز عن احتواء النفس، وقدّ مسّها مرض ما. ذلك أن المريض، وهو إنسان واع، هو طرف أساسي في نجاح عملية التداوي أو فشلها، بل هو الطرف الأهم من الطبيب ذاته. 

بمقدور شخص متعب نفسيًا أن يتلاعب بالطبيب، ويربك محاولاته لتطبيبه، ذلك أنّك أمام نفس دائمة التحول بطبيعتها، فضلًا عن أنها لا تعي ذاتها بشكل واضح؛ حتى في أكثر الحالات البشرية ذات المستوى الجيد من التعقّل. فهناك دومًا فرق بين ما تدركه الشخصية الواعية عن نفسها، وما لا تدركه. بل إن المساحة الأوسع من نفس الإنسان وما يتحكم بسلوكه الكلي هي محجوبة عنه. وبحسب كارل يونغ: يخلط الإنسان بين تصوّره الواعي عن وجوده، أي صورته الذهنية عن نفسه، وبين نفسه في حقيقتها. 

لا أود هنا اختزال علم لا تنتهي حدوده ولا يدركها أحد بمقالة عارضة، لكنّ ما وددت قوله بعد هذا التمهيد، هو ما الذي بمقدور إنسان سليم أن يفعله؛ ليحفظ كيانه مصانًا -قدر الإمكان- من المهاوي المحتملة، هل من الممكن عمل شيء للتحصّن أمام مباغتات الحياة وضربات القدر..؟ الجواب بكلمتين أو ثلاث: "العناية الدائمة بالنفس".

يُقال إن كلّ إنسان في الدنيا هو في جوهره على تماس وشيك مع كل الاضطرابات النفسية طوال حياته، حتى أكثر الناس عقلانية، ومن يتمتعون بصحة نفسية عالية، وتوازن تام، ولا يكاد أحد يشكّ ليس بسلامتهم فحسب، بل واحتمالية تعرّضهم لأي تعب في أي يوم من الأيام. أي حتى هؤلاء، ممن يظنّهم الآخرون يتمتعون بحصانة قوية ضدّ اختلالات النفس؛ هم في الحقيقة ليسوا كذلك؛ بل لا تكاد تكون احتمالية التعب على بُعد قشرة منهم. والخلاصة لا أحد في مأمن تام من أي اهتزاز مهما بدا عُمق رسوخه وتوازنه. وفي ذلك مدعاة للجميع بمزيد من النباهة، مزيد من "العناية الدائمة بالنفس".

مرة ثالثة: لعلّ أنبل مهمة يُمكن للإنسان العمل فيها بلا توقف هي العناية الدائمة بنفسه. مهمة تبدأ مُذ يعي المرء وجوده، ولا تتوقف حتى آخر نَفَسٍ له في الحياة. وسط عالم مليء بالفوضى، حيث كل شيء ينهار من حولك، أو هكذا يبدو لك، عليك أن تبني حصونك الداخلية بعناية شديدة، كل يوم تضيف فكرة وتجربة ومعنى يقيك من الرياح الهابّة في الخارج. 

غريب هو الجهد المبذول للإنسان؛ كي ينفصل عن نفسه، عن ثرائه الخاص، تجده مستعدا كل لحظة لعمل أي شيء خارجه، جاهز لأي مهمة، شريطة ألا يخلو بنفسه. ألا يشعر لحظة أنه في مواجهة عارية من المسافة صفر مع نفسه. لكأنه يهرب من مهمة عسيرة، لا يتردد أن يوافق على أداء كل ما تطلبه منه؛ كي تعفيه من مهمته الأساسية: العناية بنفسه.

ألهذه الدرجة تبدو نفس الإنسان مخيفة حتى بالنسبة له..؟ يحيا فزعًا، لاهثًا، كأن وحشًا ما يُطارده، ولا يفقه أن وحشه كامن فيه. تزداد ظلمة النفس، يتضاعف احتمال سوئها، كلما كان المرء خائفًا منها، حين تزداد الرغبة بالانفصال عن نفسك؛ ترتفع احتمالية فسادها، هشاشتها. هروبك منها لا ينجيك من مخاوفها؛ بل يجعلك فريسة مؤكدة لها. النفس هي الفخ الوحيد الذي تقع فيه حين تهرب منه. 

كلّ الناس يدركون أن بين جوانحهم شيئا اسمه النفس. ولا تمرّ يوم دون أن يتفوهوا بها. لكن، ماذا يعرف الإنسان عن نفسه..؟ كيف يتحدث معها كل يوم؟ هل يبذل جهدًا كل يوم؛ كي يشق طرقًا جديدا نحو مناطقه المجهولة فيه؟ هل يمتلك حساسية تجاه ما يؤذيه، ويحرص كل يوم على صيانة نفسه من كل خطر يحدق بها،

تمامًا كما يتعامل مع جسده..؟

لا شكّ أن وجود الإنسان كله قائم على مجابهة الأخطار المحدقة بوجوده، بشكل لا واعٍ. لكن القصد هنا: ما المحاولات الواعية والمنتظمة، التي يبذلها الإنسان "للعناية بنفسه"..؟ بقدر دقة ومستوى الجواب على هذا السؤال تكون درجة العافية النفسية؛ حالما تكلل جهده بنجاح يستشعره هو في دخيلة نفسه كل يوم. 

كلمة أخيرة: سيقول قائل: كيف يمكن العناية بالنفس؟ هذا كلام عمومي، ما الذي على المرء فعله بشكل تفصيلي؛ ليكون بذلك قد اعتنى بنفسه..؟ هذا سؤال مركزي، ومع كوني لست ممن يحب التهرب من الأجوبة المباشرة؛ بحجة أنّ الأمر لا يمكن حصره بخطة، أو يصعب وضع مقترحات تُقرّب الجهد، وتجعل المحاولة مثمرة. وهذا ما سأحاول التطرق له في سلسلة مقالات قادمة، قدر ما أعي وما في المستطاع.

مقالات

"ما احلى هواك"

لكل شخص مفتاح، أكان فناناً، أديباً، أو إنساناً عادياً. ومفتاح أيوب طارش هو البساطة. مفتاحه هو البراءة الصادقة. أصالة إنسان لا تأسره الأضواء، ولا تُفقِدَهُ الشهرة براءته وإحساسهُ التلقائي بذاتَهُ.

مقالات

في السلم والحرب

وفي الحروب تزدهر أمور وأحوال كثيرة، تكون بمثابة حقول تجارب ومرايا اكتشاف لعلماء النفس والتربية والاجتماع.

مقالات

عالقون في منصات التواصل

توصف منصات التواصل الاجتماعي بأنها جزء من "عالم افتراضي" تمثله شبكة الإنترنت، لكنها تكاد أن تزيح "العالم الحقيقي" جانباً، وتأخذ مكانه كمجتمع افتراضي يستقطب طاقات البشر اليومية واهتماماتهم.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.