مقالات

حسين المحضار .. حط وسط الكلام السهل سكر

16/05/2026, 09:00:07

تكتمل صورة الشاعر الفنان حسين أبوبكر المحضار في مخيلتي عندما أسمعه يقرأ بعض قصائده المغناة. سأبدأ بهذه، تاركاً كل ما سأقوله عنه ليأخذ مكانه بعدها.

أصغي إليه كلما وجدت تسجيلاً أو مقابلة يقرأ فيها بعض أشعاره. ينطق الكلمات بتأنٍ وهدوء. عندما يصل الشاعر الفنان إلى قمة نضجه الشخصي وذروته الوجدانية، يغمره شعور بالإعتزاز بكل قصيدة كتبها وبكل كلمة يقولها. يتبدى ذلك بوضوح في نطقه البطيء للكلمات؛ تتدحرج بأناة من صوت رخيم وممتلئ وذو رنة مغناطيسية، كأنه يعد جواهر ثمينة لها معنى ووقع خاص في قلبه وجنبات روحه.
يشعر بزهو داخلي وقيمة وجدانية عميقة تجاه كل كلمة ينطق بها.

لا إندفاع في الكلام ولا إزدحام للمفردات في وقع نغمة صوته. لا إلتفاتات قلقة، ولا نظرات مُحدِقة تحاول إكمال المعنى. نطقهُ وحدهُ قصيدة ونغمة موسيقية، كأنها كلمات حكيم بوذي فرغ لتوه من جلسة يوجا، وزن فيها كل ذرة من إحساسه بالتناغم مع جهازه العصبي الذي يبدو كأداة طوع أمره.

لا يخطر المحضار على بالي إلا جالساً على الأرض. الجلوس على الأرض متربعاً ومتكاملاً ومتصلاً بطاقة لكأنها موسيقى الكون الوترية. حتى في مشاركته الفنان أبوبكر سالم في مواجهة الجمهور خارج اليمن، تراه جالساً متربعاً على الأرض وبجانبه أبوبكر ومن يحضر من فنانين وضيوف في المنصة. لقد اعتاد عليها كطريقة حياة وكتابة؛ هي عملية تواصل موجي وإدراك عميق، من خلال التناغم بين إحساسه وما أستقر في أعماقه من موروث مجتمعه وشعبه.

الأوزان الغنائية تنتقل بالإيقاع الجسدي: نبضات القلب، التنفس، الرقص، المشي، نبضات قلب الأم وهي ترضع طفلها، وبطريقة النداءات في الحقول، بالعمل الجماعي، وبإيقاعات الضرب على الأرض.
المحضار اختار تلمس القصيدة ونغمتها جالساً ومتربعاً على الأرض.

لا يبدأ حسين أبوبكر المحضار بكتابة القصيدة وتلحينها من الورقة والقلم، بل يبدأ من نقر "حُق الكبريت" باحثاً عن تردد القصيدة الأغنية، الساكنة في وجدانه. أول ما سمعت عن هذا الشاعر المتفرد في طفولتي في مدينة تعز كانت هذه الحكاية: يجلس متكاثفاً على الأرض ويستجمع ذاته لتوليد اللحن، البحث عن التردد بالنقر فوق علبة كبريت صغيرة، أو الضرب على ركبتيه وهو متربع على الكون الشاسع في داخله، وربما يدق بأطراف أصابعه على طرف طاولة خشبية عتيقة في مقهى بالشحر.

تلك النقرة نوع من البحث عن تردد اللحن وضبط نغمته مع نغمة غامضة في داخله وفي مدينته وحياة ناسها ، وتراثها وإيقاعات رقصاتها وتاريخها.

لن أضيف شيئاً إذا تناولت المحضار في كتابة سيرية من خارجه. لن تفهم شاعراً أصيلاً مثله، يجمع الكلمة بنغماتها اللحنية، إذا نظرت إلى إنتاجه الجاهز دون أن تحاول الغوص في المتحد النفسي والذهني الذي تخلّق داخل روحه وانفعالاته المتقدة.

كان الشيخ الصوفي محمد السودي لا يكتب أشعاره إلا وهو في حالة انجذاب، هي نفسها حالة الوجد في ذات المحضار. هذا الاتقاد الداخلي يولد طاقة خلاقة، ويدفع الفرد للاستمرار في الحفر في أعماق الذات وفي أفق الحدث الإبداعي بدأب لا يكل ولا يمل.

لا مدخل لفهم الشاعر حسين أبوبكر المحضار أفضل من هذا: الأصالة الذاتية. الكلمة عند المحضار لها وزن جزيئي، ولها جُرس خاص؛ لذا لا تستطيع أن تقرأ قصائده دون أن تتخيل اللحن، لأن اللحن هو الروح والكلمة هي الجسد.
يقول عاصي الرحباني عن الأغنية: «ما بخلقها… هي بتخلق لحالها إذا أنا سمعت. المهم تسمع صوت قلبك. مش ضروري يكون عندك آلات كتير ولا أوركسترا. يمكن تكفيك مجوز أو شبّابة». "المجوز" عند الرحباني هو "حُق الكبريت" عند المحضار، وكلاهما كافٍ عند الذات الأصيلة، عند الفنان: شاعراً أو ملحناً.

الأصالة لا تحتاج إلى أوركسترا لتثبت وجودها. يكفيها هذه: ذائقة داخلية تجيد الإصغاء .
المحضار كان يضبط جهاز استقباله الروحي ليلتقط ما هو موجود أصلاً في أعماقه، وماهو موجود في أيام حضرموت وناسها ودانها وتراثها وأُنس لياليها.

كيف كان المحضار يكتب قصائده ويلحّنها؟

ذلك سرّه المكين. لا يقدّمه باعتباره وصفة قابلة للتكرار . هو فحسب يكتفي بالتلميح إليه متجنبا التصريح، والتلميح دوما أقوى من التصريح ، في تجربة الفنان والعشق والحياة بكل تنويعاتها. كأن لحظة الخلق عنده حالة وجدانية سرية عصبة على الشرح والإيضاح.

يقول المحضار ردا على سؤال الكشف والخلق الفني :

«النوب أنا، واعرف قراصي، والجبح والمجنا
صبّ العسل من اختصاصي، ما باك تسألنا
والنوب لا كملت قراصه، يحن في وسط جبحه الخاص»

بهذا القدر يكتفي: معرفة داخلية بأداته،وبالصوت الذي يحنّ في جوفه حين تكتمل القصيدة. ما عدا ذلك يظل خارج اللغة.
يقدّم نفسه كنحلة تعرف مساراتها وتمتصّ الرحيق من أزهار متفرّقة.
هذه مرحلة الالتقاط من العالم الخارجي: حياة الناس من حوله، مدينته والأماكن التي سكنها وسكنته، ما وقف عليه من غناء وشعر وتجارب سبقته وأسست أو شاركت في تراث الفن والغناء . يصب ذلك كله في ذاته ، في معمل الفن ، في الجبح او العالم الداخلي الذي تعود إليه النحلة، لتحويله إلى عسل:
“صبّ العسل من اختصاصي”

هنا يكمن سر التحويل. أتذكر الشاعر الفرنسي ألان جوفروا وهو يتحدث عن بياض الصفحة، وكيف كان يملؤه بما يدونه في دفاتر ملاحظاته اليومية ، ما يلتقطه من حياة الناس والشوارع ووجوه المارة وعبارات الإذاعة العابرة؛ كان يعتبرها مادة خام يعيد عجنها وصياغتها.
والمحضار، في عالمه الحضرمي، لم يكن يكتب من فراغ أيضاً.
كان هو الرادار الذي يلتقط ذبذبات الحياة اليومية في الشحر وموروث الغناء الشعبي في حضرموت، يلم بالأمثال والمفردات والحكايات ، وأنغام الدان ، وإيقاعات الرقصات . لم يكن ينقلها كما هي. كان يحولها إلى قصائد محضارية ملحنة في جبحه الخاص.

الشاعر لا يوجد من العدم. انه ذو صلة بمجتمعه ومؤلف لترددات العالم من حوله.
تجاوز التوصيف السيري للشاعر الفنان حسين المحضار يقودنا إلى السؤال الجوهري: كيف يعمل هذا الفنان من الداخل؟
بؤرة الذات عنده هي مركز الخلق الفني. الأشياء في الخارج، من إيقاعات ووجوه ومفردات، ليست سوى مواد أولية تدخل في عملية معالجة داخلية معقدة. تماماً كما كان الشاعر ألان جوفروا يعيد تدوير ملاحظات الشارع، كان المحضار يعيد صياغة حضرموت واليمن بكلها داخل وجدانه.

يستلهم الموروث الشعبي ويذوبه داخله. يجعله جزءاً من اشتغاله الذهني وإحساسه، حتى يغدو اللحن والكلمة تعبيراً عن حالة يتحد فيها الشاعر مع بيئته وناسه. الفهم هنا يكمن في إدراك تلك اللحظة الغامضة التي تكف فيها الأشياء عن كونها خارجية لتصبح جزءاً من نبض الشاعر الخاص.

إن ما يفعله المحضار هو إعادة إنتاج للعالم خارجه عبر بؤرة الذات. في تلك البؤرة، يحدث التفاعل في موقد الإنفعال الذي يحول الخارج إلى داخل. بؤرة الذات الخلاقة هي المكان الذي يفقد فيه الخارج صفته "الخارجية" ويتحول إلى مادة للخلق الفني.
التحويل ، هو تفسير لآلية الخلق الفني. المحضار يستوعب الواقع ويهضمه، وما يخرج منه هو مادة حيوية جديدة تماماً.


-الحنين للوطن في قصائد المحضار


الارتباط بالأرض سمة أساسية في شخصية المحضار: سمة ذاتية للحظة الكتابة ، وعلاقة بالوطن وارتباط وثيق بارضه.
سافر إلى خارج اليمن ، مرة للعمل ومرات تلبية لدعوات في زيارات لها علاقة بالفن والشعر. لكن جذوره تعيده بقوة جذب تظهر منظومة في قصائده ونغمات كلماته.
علاقة جذب وإنتماء تتجاوز الحنين التقليدي إلى حالة تماهي تام؛ فكلما ابتعد جسده ، اشتدت قوة الجذب في قصائده ونغماته، وكأن روحه مربوطة بحبل سُري بحضرموت واليمن مهما نأت المسافات.

في لبنان ، وقد قضى فيها أسبوعين ، طلب منه رفيقه وصديقه والصادح بأشعاره ابوبكر سالم أن يكتب شيئا عن بيروت وسحرها وما رآه من جمالها وما انطبع في ذاته من حلاوتها.
في اليوم التالي جاء المحضار وقرأ على ابوبكر قصيدة ذهب فيها بعيدا عن بيروت :
شلنا يا بو جناحين لا عند المحب حتى في الشهر ليلة
بشكي حالي ويشكي لي حاله.. الله يفك على كل مرصون
ما قدر ع البعد سنتين، ون مرت.. مرت سنة مرت عليّ ثقيلة
حالتي في البعد يا خس حالة .. دايم وانا حاير ومشطون


لم تكن بيروت اقل من ان تبهره بجمالها ، لكن الحنين الذي يسكنه لا ينضبط إيقاعه إلا على موجة الوطن. وهذا ما تكرر في الكويت، حين طال به المقام لعام كامل؛كتب ولوعة الإغتراب تفيض من كلماته "واويح نفسي" :

واويح نفسي لا ذكرت أوطانها حنّت.. حتى ولو هي في مطرح الخير رغبانه
وعلى الموارد لا جات للشرب تتنغص.. قدها مقاله شرب النغص يتعب الإنسان

لا يتوقف الأمر عند حدود السفر خارج الوطن. الحنين عنده حالة استنفار وجداني تجاه المدن التي تركت أثرها في نفسه داخل حضرموت واليمن.
الأماكن تتشكل داخل الروح. يخلقها الإنسان داخله وليست شيئا منفصلا عنه. في واحدة من أجمل أشعاره التي تغنى بها أبوبكر سالم بالفقيه "فرصة من العمر"، يضع حسين أبوبكر المحضار تريم الغَنّاء في كفة ولبنان والعاصمة وبيروت في كفة اخرى ، ليرجح كفة الأرض التي تروي ظمأه الوجودي:

فرصة من العمر يا ليتها ما أنقضت
في تريم المدينة علينا مضت
عند المحبين لى بعدهم ما اغمضت
مقلتى لا ولا ذقته لذيذ القوت
شوقي الى الغناء مدينة حضرموت

أيامهم والليالي تمر في أنس
بس ما ودي ألا معاهم وبس
وجوههم مسفره ما دخلها غلس
يخرج الضيف مما شاهده مبهوت

عديت في سفح "عيديد" ولحقت أعد
كل ظامي وعطشان فوقه يرد
ما لحقت عدد محاسنه لو جيت أعد.. إيش لبنان وإيش العاصمة بيروت؟
وشوقي إلى الغناء مدينة حضرموت

هنا، يتحول «سفح عيديد» إلى مركز العالم في نظر المحضار. ومع انه كتب هذه الكلمات وهو في حضرموت، إلا أنها تعكس حالة النزوح النفسي الدائم نحو الجذور.

غنى له محمد مرشد ناجي عدد من قصائده ، بينها "دار الفلك دار". في هذه الأغنية نفس الحنين الجاذب للبقاء في المكان الذي يسكن روحه. هي من هذا النسج بخيوط القلب، قلب كأنه بوصلة لا تشير إلا إلى جهة واحدة:

قريب ببدل بداري دار.. معمورة وديرة غير ذي الديرة
لكن قلبي ما رضي يختار.. غير الشحر لا وليته الخيرة
وطني وفيه الســاس والآثــار .. به نسعـد ونتـأثر بتأثيره
دايم ونا فوقه محلق فار .. حاشـا تهجر الوادي عصافيره
تزدنـي الغيره .. ونتشوق إلى شمسه وظـل الغار
دار الفلك دار. وعزمت السفر دار الفلك دار

سأختصر هذا الحنين بكلمة: حالة حلول في الأرض. في قصيدته «أمي الشحر» يعيد رسم قرابته العائلية لتصبح جبال الشحر وحيودها هي الأب والأم والولد:

أمي الشحر والوالد جبل ضبضب.. وابني الحيد الأسود وابنتي ضبّه
كل ما جيتهم قالوا هلا مرحب.. عش هنا بيننا لا تنزل الرحبه

تجاوز المحضار التعبير عن حنينه الخاص، و تقمص أرواح المغتربين جميعاً، صار هو ميزانهم وبوصلتهم، يهمس في أذن كل مسافر بترددات الحنين:
«يا مسافر ع البلاد وروحي وقلبي. سير واتركني هنا لآلام حبي»

«قل مرحبا للوطن لا قد دعاك الوطن
في حلها ما تعزك غير أوطانك
يالمغترب وسط إبطك حط ميزانك.. لا الدار دارك ولا السيمان سامانك»

وحين وصل إلى صنعاء، كتب يقول:
«سمعت عن صنعاء ولما رأيت.. رأيت أكثر من سماعي
الفن فيها له عمارة وبيت.. والحب خصبت له المراعي»

تصل ذروة الحنين إلى مداها الأقصى في قصيدته «حبي لها»:
«من قال محبوبتك مَن؟ قلت اليمن
حبي لها رغم الظروف القاسية.. رغم المحن
حبي لها أمي سقتني إياه في وسط اللبن
إن عشت فيها لجلها عانيت
وان غبت عنها لها حنيت»

قراءة وفهم حالة الحنين و «الحلول» التي عاشها المحضار في أرضه وبلاده، لا يعني مطلقا صياغة موقف قطعي ضد السفر أو الاغتراب. المكان الذي تقيم فيه لم تكن يوماً قيداً على الإبداع.
غادر فنانين كبار وقاماتهم عالية؛ أبوبكر سالم، وأحمد فتحي، والدكتور عبدالرب إدريس، لكنهم في بُعادهم لم يفارقوا اليمن. كانت تسكن فيهم أنى ذهبوا وأينما حلوا.
ذهبوا خارج الوطن وبقوا مرتبطين به ونسجوا أغانيهم وألحانهم من نبع الأصالة والانتماء الساري في أوردتهم.
لكن المحضار كان متماهيا مع حضرموت. سكنته قبل ان يسكنها.
عمر كل ذرة في جسد المحضار هو عمر حضرموت وعمر اليمن، دُورت عبر مئات السنين لتصوغ هذا الكيان الحساس للشعر والغناء.


-أطوار العشق الأربعة: تجديد الأغنية الحضرمية


اصدر المحضار اربعة دواوين شعرية أخذت مسميات مختلفة ورابط واحد هو " العشاق"، وكأنه أراد أن يختزل عالمه الشعري كله في مدار "العشق" بوصفه المحرك الأول للحياة. اول ديوان صدر له منتصف الستينات بعنوان« دموع العشاق» ، تلاه «ابتسامات العشاق» أواخر السبعينات ، وثالثها «أشجان العشاق» أواخر الثمانينات ، ورابعها «حنين العشاق»، صدر بعد وفاته، وهو هو العمل الذي جُمع فيه ما تبقى من إرثه الشعري الغزير الذي لم يُنشر في الدواوين الثلاثة.

أربعة أطوار يتقلب فيها الشاعر ، كتابة وحياة ، والعشق خيط رابط بينها على ما فيها من تقلبات المشاعر ومن خبرات الحياة وتجاربها.
العشق باعتباره الحالة الوجودية التي تلخص الإنسان في ميلاده وفرحه، وشجنه واشتياقاته.
يبدأها بـ«دموع العشاق»؛ صرخة الميلاد الأولى ودهشة الوجدان، ثم «ابتسامات العشاق» بما فيها من اندفاع الشباب وخفته، فـ«أشجان العشاق» حيث النبرة الأكثر تأملًا وشجنًا، وصولًا إلى «حنين العشاق»؛ مرسى الغياب وما يتركه الإنسان خلفه من أثر واشتياق.

في منتصف أربعينيات القرن الماضي بدأ المحضار كتابة الشعر، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره. وقد جاء ظهوره في لحظة كانت فيها الأغنية الحضرمية تمر بحالة اغتراب وفقدان للهوية، وكأنه منقذا لها في لحظة أزمتها وإنقطاع صلتها بجذورها. يصف الفنان محمد مرشد ناجي تلك المرحلة في كتابه «الغناء اليمني القديم ومشاهيره»، مشيرًا إلى أن الأربعينيات شهدت موجة واسعة من تركيب الكلمات العربية على الألحان الهندية، خصوصًا في عدن والمكلا، تحت تأثير السينما الهندية والارتباط الثقافي والسياسي بالهند أيام الاستعمار البريطاني، حتى غدا إتقان تلك الألحان معيارًا لنجاح المطرب آنذاك.

محمد عبدالقادر بامطرف في مقدمته للديوان الأول للمحضار «دموع العشاق»الصادر أواخر الستينيات ، يؤكد ذلك بقوله : « الأغنية الحضرمية كادت أن تفقد هويتها تماماً في عقد الأربعينات ؛ بين تقليد للألحان الهندية والتركية، أو الوقوع في الرتابة والجمود والتكرار البدائي، وكاد الفن الغنائي الحضرمي ان يندثر بعد أن طغت عليه الأغنية الوافدة بتأثير الاذاعات الأجنبية ، وفقد الأرض التي كانت يقف عليها، إلى أن برزت ألحان الشاعر الفنان حسين أبي بكر المحضار .. ومن هنا ابتدأت الأغنية الحضرمية تستعيد مكانتها، وأضحى الحضارمة يرددون أغانيهم الأصيلة المتنوعة وهي في فاتحة عهد تطورها وازدهارها»

المحضار شاعرا ، وأبوبكر سالم بلفقيه فنانًا، أعلنا زمنا جديدا في الأغنية الحضرمية؛ زمنا بدا كأنه استعادة للرابط الحي مع الموروث الشعبي، لكن بروح مجددة وحيوية لحنية حديثة. موجة جديدة انتشلت الغناء في حضرموت من التشوه والتقليد، وأعادته إلى الناس بوصفه تعبيراً حياً وجديداً عن حياتهم وموروثهم وتطلعاتهم للجديد الأصيل الذي لا يقطع مع القديم ولا يغدو أسيراً لحدوده وقوالبه المتوارثة.
وقد اتسمت قصائد المحضار الغنائية بتنغيم موسيقي أخاذ، وبقدرة لافتة على التنقل بين الطبقات الصوتية، كما اتسمت بالحيوية والتجديد والتنوع. قصائده تولد وفي داخلها إيقاعها الخاص، ولهذا بدت سهلة الحفظ والترديد، لكنها في الوقت نفسه مشبعة بعمق وجداني وبناء لحني متماسك.

في ديوانه الأول «دموع العشاق» تتجلى النغمة المحضارية في أكثر صورها اكتمالًا، شعرًا ولحنًا. هنا تشكلت الملامح الأولى للثنائي الفني الرفيع الذي جمع حسين أبوبكر المحضار بأبوبكر سالم بلفقيه؛ المرحلة التي خرجت فيها الأغنية الحضرمية من نطاقها المحلي لتصبح جزءًا من الوجدان اليمني والخليجي والعربي.

في تلك الفترة كتب المحضار أجمل قصائده الغنائية وأكثرها إطرابا وحضورا، ويكفي تأمل عناوين مثل: «يا زارعين العنب»، «باشل حبك معي»، «بريد المحبة»، «رد قلبي في مكانه»، «سلم ولو بكف الإشارة»، «شوقي إلى الغناء مدينة حضرموت»، «نار بعدك»، «طاب الجنا»، «الله الله بالأمانة»، «شلنا يا بو جناحين»، و«ودعت قلبي مع الأحباب» لندرك كيف تخلقت الأغنية الحضرمية الحديثة في ذروة اكتمالها الشعري واللحني.
كل اغنية من هذه البداية المحلقة في الأعالي لها وقع خاص في وجدان جمهور واسع داخل اليمن وخارجها.
شكلت أغاني الخمسينات والستينات بناءً جديدًا للأغنية الحضرمية نفسها، وفتحت لها أبواب الانتشار خارج حدودها المحلية. بعض هذه الأعمال التي تضمنها «دموع العشاق» تأخر أداؤها وغناؤها إلى سنوات لاحقة بعد صدور الديوان سنة 1969، لكنها ظلت محتفظة بحضورها وقوتها الطربية.

علاقته بالفنان ابوبكر سالم لا تحتاج إلى من يعرضها ويعدد عناوينها الطربية، إذ إنها أوضح من كل كلام يمكن ان يقال عنها. لا كثير شرح عن إندماج فني شكل واحدة من أوضح وأخصب العلاقات الفنية في تاريخ الغناء اليمني والخليجي. من تكامل هذا الثنائي تشكل عالم غنائي كامل امتد من «دموع العشاق» إلى «ابتسامات العشاق» و«أشجان العشاق»، عبر أعمال لا مجال لإختصار جماليتها الغنائية بكلمات عابرة هنا. غناء كأنه فضاء ممتلئ بألوان تسر الروح وينتشي لسماعها القلب، بكل مافيه من قدرة على الإحساس.شعر وغناء أصبح جزءا من وجدان المستمع اليمني والخليجي، مثل: «عاد الهوى عاد» ، «يا سهران»، «المحبة ولا شيء في المحبة لوم»،«كما الريشة»، و«أشكي لمن منك»، و« قال بو محضار قدني من قديم الوقت سالي»، «فرصة من العمر»، « ما أفتهم لي»، «ولو خيروني»، وغيرها من الأغاني التي حملت صوت أبي بكر سالم إلى ذروة حضوره الفني.

لم يقتصر حضور شعر المحضار على صوت أبو بكر سالم وحده، فقد غنى له عدد كبير من الفنانين اليمنيين والخليجيين، أبرزهم كرامة مرسال، ومحمد مرشد ناجي، وعبدالرحمن الحداد، ومحمد سعد عبدالله، وعبدالرب إدريس، وعبدالله الرويشد.

كرامة مرسال أبتدع أسلوبه الخاص في أغانيه المحضارية. له نغمة خاصة وطابع متميز ، ظهر في كل أغانيه ، ومنها «متيم في الهوى»، التي أشتهرت في حفلاته الخليجية، وغناها بعده الفنان راشد الماجد. وفي قائمة أغانيه المحضارية نقرأ عناوين شهيرة «شل قلبي معك ما لاق» ، «يا ربان السفينة»، «حيث حليت يا ريم اليمن ريتنا حل والقي لي سكن»، و «حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن من قال محبوبتك من قلت اليمن».

المرشدي غنى له «دعوة الأوطان» و«دار الفلك». عبدالرحمن الحداد غنى له الكثير. أذكر منها «الوداع الوداع»، «تغالط الناس»، «يا ساري الليلة لماذا سريت»، حبيت صنعاء»، «يا مول شامة»، «مايو وفي الثاني وعشرين منه حققت يا شعبي أغلى الأماني»


-من السمر الشفهي إلى غناء يجوب الآفاق: حيوية الدان المحضاري

كان المحضار خلاصة حيّة للموروث الغنائي الحضرمي بكل تنوعاته؛ من الدان وجلسات السمر والمسامرات الشعبية إلى الأغاني الجماعية وأهازيج الرقص في ساحل حضرموت وواديها.
أخذ من موروث الدان الحضرمي طاقته الكامنة وأعاد تشكيلها بروح حديثة وأصيلة، جعلت قصائده المُغناة قادرة على عبور الحدود والأجيال.

امتلك المحضار حساً رفيعاً وذائقة أصيلة صاغت قصائد غنائية ولدت متماهية مع ألحانها ونغماتها وإيقاعاتها. جمل لحنية بديعة جمعت بين الأصالة والابتكار. ولهذا بدت قصائده المغناة خفيفة وعميقة في آن؛ سهلة الحفظ والترديد، لكنها مشبعة بروح المكان ونغمات الدان الحضرمي وروح الناس في حياتهم اليومية وإيقاعات الرقصات الشعبية في ساحل حضرموت وواديها.

لم يحاول تقمص احساس مصطنع خارج ذاته، أو الكتابة بلغة غريبة وزائفة.
ولم يتخلى عن هوية المفردة الشعبية في حضرموت أو يحاول استبدالها بكلمات زائفة. ظل وفيا لها، للغة تسري في دمه ووجدانه، دون أن يحولها إلى لهجة مغلقة.
أسلوبه يقوم على اختيار المفردات الحية من الحياة اليومية وتوظيفها بأناقة تنسجم مع روح قصيدته ونغمتها اللحنية، وهذا الأسلوب له صلة واضحة مع الشعر الحميني والدان الحضرمي في استخدام كلمات من قاموس اللغة اليمنية المستخدمة في حياة الناس اليومية.
العلاقة بين شعر المحضار وموروث «الدان الحضرمي» علاقة عضوية وتكاملية؛ فقد كان أحد أبرز من نقل الدان من فضائه الشفاهي المحدود وجلسات السمر إلى الأغنية الحديثة دون أن يفقده روحه الأصيلة.
كثير من أغانيه استلهمت بنية الدان الحضرمية وإيقاعها وروحها المقامية، ثم أعاد تشكيلها بذائقته الشعرية واللحنية. لنقل أنه حول القوالب التقليدية إلى أعمال أكثر رحابة وحداثة.

يقوم الدان على الأداء الجماعي، وعلى التفاعل بين المنشد والكورال في صيغة تقوم على الأخذ والرد، وقد انعكس ذلك بوضوح في شعر المحضار وألحانه؛ في القفلات الغنائية، والتكرار المقصود، والبناء الحواري الذي يهيئ لدخول المجموعة. ولهذا جاءت كثير من أغانيه مشبعة بإحساس جماعي يجعل المستمع شريكًا في الغناء لا مجرد متلقٍ له.
ولهذا انجذب كثير من المطربين الخليجيين إلى هذا اللون، سواء عبر الأغاني التي انتقلت إليهم بأصوات أبي بكر سالم وكرامة مرسال ومحمد سعد عبدالله، أو عبر غنائهم المباشر لكلمات المحضار وألحانه، كما فعل عبدالله الرويشد وعبدالمجيد عبدالله ونبيل شعيل وغيرهم، لما تمنحه هذه الألحان من مساحات تطريبية وتدرج لحني ثري

ومن الأمثلة البارزة على انتقال الأغنية المحضارية إلى الخليج أغنية «الله الله بالأمانة»، وهي من أجمل أعمال المحضار، لحنها وغناها الفنان محمد سعد عبدالله بصوته العذب، واشتهرت في مدن الخليج عبر حفلاته وتسجيلاته، قبل أن يعيد الفنان عبدالمجيد عبدالله تقديمها لاحقًا. كما غنى عبدالمجيد أعمالًا أخرى من كلمات المحضار، بينها «عاد الهوى عاد» التي ارتبطت أيضًا بصوت أبي بكر سالم.
وامتد تأثير المحضار إلى عدد كبير من الفنانين الخليجيين الذين وجدوا في أغانيه ثراءً لحنيًا ومساحات تطريبية واسعة، مثل عبدالله الرويشد الذي غنى من كلماته «عويشق عسى الله يعينه»، و«يا ناسيين الحبايب»، و«المحبة لها مقياس»، و«العشق بلوه»، فيما غنى محمد عبده «وينك يا درب المحبة» وغيرها من الأعمال التي حملت الروح الحضرمية إلى جمهور عربي أوسع.

لقد استطاع المحضار أن يحقق معادلة نادرة: أن يبقى وفيا لجذوره العميقة، وفي الوقت نفسه أن يمنح الأغنية الحضرمية اليمنية أفقا عربيا وخليجيا رحبا.

حسبي
الاشارة
في
العبارة، نا على التعداد ما أقدر

في مقدمته لديوان «ابتسامات العشاق» عام 1978، قال محمد عبدالقادر بامطرف إن لدى المحضار أكثر من مئتي لحن من أعذب الألحان اليمنية وألطفها على الروح، ولكل لحن شخصيته ونبرته الخاصة. وإذا أخذنا في الاعتبار ما كتبه ولحنه بعد ذلك، فإن إرثه يتجاوز كتابة الشعر إلى عالم غنائي كامل؛ عالم ظل يتوسع حتى آخر أيامه.

رحل حسين أبوبكر المحضار في الخامس من فبراير عام 2000، لكن روحه المبثوثة في مئات الأغاني ستبقى حية في وجدان هذه البلاد وناسها ومن سيأتي بعدهم . ستبقى قصائده وألحانه ملتصقة بذاكرة الناس اليومية؛ في ساحل حضرموت وواديها، وجنوب اليمن وشمالها، وجبالها وسهولها ، وفي فضاءات المدن التي أحبها وسكنت روحه.

ربما لم يشرح المحضار نفسه كما فعل في هذه القصيدة التي كتبها عام 1977، وألقاها في احتفالية أُقيمت بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاة الشاعر عبدالله بن محمد باحسن الشحري، وأشار محمد عبدالقادر بامطرف إلى أنه كان يصف فيها ذاته بقدر ما يتحدث عن الشاعر المحتفى به.
هي بيان شعري يكشف فيه مفاتيح شعره ولحنه وعالمه كله: الناس والأرض واللغة الحية وإيقاعات الحياة اليومية.
كأنه، بهذه القصيدة، يلتفت إلى رحلته كلها ويقول لنا، من هو المحضار، ومن أين جاء ، ومن أين أستمد كل تلك الروح المشعة بالمحبة والجمال:

حسبي الاشارة في العبارة
نا على التعداد ما أقدر
يكفيك تسأل عن خباره
كل من كانوا به أخبر
ما تختلف لنوار والاقمار
ليلة خمستعشر
واللول هو والماس ظاهر
ما تخالطه الصهاديد

ليش حبّوا الناس شعره؟
ليه قالوا إنه أشعر
ممن سبق قبله،
لأنه ما تبجّح أو تقعّر
جاب الكلام السهل
حط وسط الكلام السهل سكر
وبعد ما رقّ وانطعم
وزّعه في كل البراريد

من روح ثغر الشحر جابه
ما فتح ديوان عنتر
من مدرسة معلّاق
من قاموس بن حيمد وقشمر
من صوت سعد، الزين،
من سواد، من نغمة مقمّر
من شيخ محفوظ العطيشي
من قصد مرتع أبو زيد

من محرث الحرّاث ذي
هو من صلاة الصبح بكّر
من هوري البحار والصنبوق
لا جحب وكوّر
من همة العامل إذا شدّا
المشدّة أو تعصّر
من ناس عاشوا في ضنك
وتنكّدوا في العيش تنكيد

هاذي مصادر باحسن
والشعب ما أعظمه مصدر
والشاعر الشعبي يحصل
فيه مطلوبه وأكثر
ومن خلاف الشعر يقدر
يجمع الحب المطّير
ويفتح الأبواب بالإقليد
ذي ما له حناديد

وبقي على عادته ملقي
للغناء والشعر منبر
يترددون الناس عا داره
وهو كالبحر يزخر
في اللحن هو والشعر يبدي
ما يشاء للناس ويعيد

في المدح ينظم والغزل
والحب، كم من عقد جوهر
يوصف في القد الرشيق الحلو
في الزند المدوّر
وفي الخدود الحمر، في
سبط الشعر، في الطرف الأحور
في كل خصلة في الغواني
الفاتنات الخرد الغيد

مقالات

محمد قحطان: خارج الصفقة، خذلان الأصدقاء وغدر الأعداء

عرفت محمد قحطان وأنا في بدايات عملي الصحفي كان يومها يشتغل، مع جار الله عمر وآخرين، على فكرة بدت في السياسة اليمنية أقرب إلى المغامرة هدفها أن ينتقل الخصوم التاريخيون إلى مربع واحد، وأن تُبنى جبهة معارضة سلمية في وجه نظام علي عبدالله صالح.

مقالات

قحطان وعبدالملك الحوثي

يملك زعيم جماعة الحوثي ترسانة كاملة من أدوات الإخضاع والإبادة والجريمة؛ كراهية السلالة، والسلاح، والسجون، والقدرة على تحويل القتل إلى فعل يومي يُتلى بخطاب تعبوي بليد. ومع ذلك، ظل يشعر أمام شخصية محمد قحطان بشيء يشبه العجز الأخلاقي وانعدام الجدارة السياسية والفكرية.

مقالات

الانتقالي الأصلي أو الدولة.. لا خيار!

في جوهره، يظلّ المجلس الانتقالي مشروعاً مناطقيّاً أكثر منه مشروعاً سياسيّاً وطنيّاً جامعاً، كما أن قاعدته الصلبة والحقيقية تقوم — إلى حدٍّ كبير — على جمهور مناطقي حادّ الانتماء، وهو الجمهور الأكثر ثباتاً وتمسّكاً به. أمّا القادمون إليه من بقية المحافظات، فغالبيتهم إمّا أصحاب مصالح ظرفية، أو أشخاص دفعتهم الأوهام السياسية والرهانات المؤقتة،

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.