مقالات

دروع بشرية ورهان مكشوف: المقامرة الحوثية بمصير اليمنيين

21/07/2026, 19:36:19

ردّ ترامب على تهديد مليشيا الحوثي بإغلاق البحر الأحمر باستدعاء "45 يومًا من العمل القوي"، فيما غيّرت ناقلتا نفط مسارهما بعد مغادرة ينبع.
المقال يعيد الواقعتين إلى حجمهما الحقيقي: فالتصريح يرسم حدود الالتزام الأميركي، واستدارة الناقلات إجراء امتثال تأميني تلقائي لا يصلح دليلًا على قدرة حوثية. وخلف ذلك تقف مليشيا تراهن على حساسية أسواق الشحن، وترعاها طهران بخطاب يستعير السيادة اليمنية ويوظف الجبهة اليمنية لتخفيف الضغط عنها، بينما يتحمل المدنيون الذين حوّلتهم المليشيا دروعًا بشرية كلفة هذا الرهان سلفًا.

في المكتب البيضاوي سُئل دونالد ترامب عمّا سيفعله إذا أغلقت مليشيا الحوثي البحر الأحمر. لم يجب عن السؤال مباشرة، بل أحال إلى الماضي: نحو 45 يومًا من العمل القوي ضدهم، ولم نشهد مشاكل معهم منذ ذلك الحين. ثم أضاف أن الإغلاق "لم يحدث حتى الآن، وقد يحدث، لكننا نتدبر الأمور". فهو يذكّر بعملية سابقة بدل أن يلتزم بردٍّ جديد، في وقت ينشغل فيه الجيش الأميركي بقصف إيران منذ منتصف يوليو، ويتداول الوسطاء مقترح هدنة من عشرة أيام.

وحملة 2025 التي يستدعيها ترامب ضربت أكثر من 1000 هدف، لكنها انتهت بتفاهم عماني يخص السفن الأميركية حصرًا. لذلك تعني عبارة "لم نشهد مشاكل" أن التفاهم الخاص بواشنطن ما زال ساريًا، وأن التهديد الراهن الموجه ضد السعودية ملف أوكلته الإدارة الأميركية إلى الرياض: ضوء أخضر كشفته أكسيوس، وهامش حرية أوحى به وزير الدفاع السعودي، وصفقة صواريخ دقيقة، وتنسيق عسكري مباشر في الرياض. غير أن المليشيا قرأت في تأجيل الرد الأميركي تشجيعًا على مزيد من التصعيد.

وقد ظهر أول أثر لذلك في بيانات التتبع الملاحي: فالناقلة "شين لونغ يانغ" غادرت ينبع محملةً بالخام ووجهتها الصين ثم عادت أدراجها داخل البحر الأحمر، وبدّلت الناقلة "رودوس" وجهتها من الهند إلى قناة السويس، وذلك بعد أن أبلغت المليشيا شركات الشحن أن السفن المتعاملة مع الموانئ السعودية على البحر الأحمر معرضة للاستهداف.

غير أن هذه الواقعة تحتاج إلى إطارها الصحيح قبل استنتاج دلالتها. فشركات الشحن والتأمين لا تقيس صدق التهديدات ولا موازين القوى، بل تدير مخاطر تحكمها نوادي الحماية والتعويض وبنود مواثيق الإيجار، وأي إخطار بتهديد في منطقة عمليات يفعّل إجراءات امتثال تُقرَّر في مكاتب لندن وسنغافورة. والناقلة التي استدارت نفّذت إجراءً تعاقديًا يمكن أن ينعكس متى أعاد السوق تسعير الخطر. وتفرض تجربة 2023–2024 تمييزًا ضروريًا هنا: فخطوط الحاويات غادرت البحر الأحمر ولم تعد، لأن حساباتها تشمل جداول عالمية وسلاسل توريد كاملة؛ أما ناقلات النفط -وهي القطاع المستهدف اليوم- فقد واصل كثير منها استخدام المسار رغم الهجمات، كما وثّقت رويترز حينها، لأن اقتصادها يقوم على تسعير كل رحلة على حدة. ولهذا يفصل التحليل الدقيق بين الامتثال التجاري والغلبة الاستراتيجية، وهو الخلط الذي تحتاج إليه دعاية المليشيا. يضاف إلى ذلك أن المليشيا، حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصب سفينة واحدة تنفيذًا لحصارها المعلن.

ويعمل هذا النوع من التهديد في الفترة الفاصلة بين إطلاقه واختباره، والمليشيا لا تملك وسيلة لمنع اختباره. فأول قافلة ناقلات تعبر بمرافقة بحرية من دون تعرض، أو أول آلية تأمين سيادية سعودية–خليجية تغطي السفن، تُفقد الإعلان مفعوله وتضع المليشيا أمام خيارين: تراجع صامت يكشف محدودية قدرتها، أو تنفيذ فعلي يستدعي ردًا تعرف كلفته من حملتين سابقتين. صحيح أنها خرجت من الحملتين محتفظة بمخزونها الصاروخي، لكن الاحتفاظ بالمخزون غير القدرة على تجديده: فمع خضوع المصدر الإيراني نفسه لقصف مفتوح، يصبح كل صاروخ يُطلق خسارة لا تعوَّض، علمًا أن حجم المخزون الفعلي يظل مجهولًا للجميع.

وقد أطّرت الرعاية الإيرانية هذا التصعيد بخطاب يستحق التوقف عنده. فبعد ضربة مدرج مطار صنعاء في 13 يوليو، التي منعت هبوط طائرة إيرانية تقلّ وفدًا حوثيًا عائدًا من تشييع المرشد علي خامنئي، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الضربة بأنها "انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومساس بسيادة اليمن"، ثم أعلن في مؤتمره الأسبوعي أن إيران "لا تعترف بالحظر الجوي على اليمن"، وأن التفسير القائم لقرارات مجلس الأمن "غير صحيح"، وأن الطائرة كانت تقل "ضيوفنا" من المعزّين بـ"قائدنا الشهيد" وجرحى عولجوا في إيران، وأن "مثل هذه الحوادث يجب ألا تتكرر".

بهذين الموقفين تنقل طهران الخلاف إلى مستوى الشرعية: فهي تطعن في البنية القانونية التي حكمت الأجواء اليمنية منذ 2015، بهدف تطبيع خط جوي مباشر مع صنعاء. لكن الخطاب يحمل تناقضاته في داخله. فالدولة التي تستدعي "سيادة اليمن" هي نفسها التي تصف قادة المليشيا بأنهم "ضيوفنا" وتربطهم بمرشدها برابطة ولاء معلنة، وهي لغة وصاية لا لغة دولة تخاطب دولة ذات سيادة. كما أن الاحتجاج بقرارات مجلس الأمن يصدر عن الطرف الذي أغلق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية وضغط على المليشيا لإغلاق باب المندب؛ أي أن طهران تحتج بالقانون الدولي حين يخدمها وتتجاوزه حين يقيدها. أما عبارة "يجب ألا تتكرر" فتتضمن التزامًا معلنًا يجعل الرحلة الإيرانية المقبلة إلى صنعاء اختبارًا مقصودًا: فإن مرّت ترسّخ أمرٌ واقع جديد، وإن اعتُرضت وجدت طهران نفسها ملزمة بالتصعيد دفاعًا عن موقف أعلنته. وهكذا تنشأ نقطة اشتعال جوية إلى جانب النقطة البحرية، وتوقيت تفعيلهما بيد طهران، بينما تقع صنعاء في موقع التنفيذ والتعرض للرد معًا.

على أن وظيفة الجبهة اليمنية في الحساب الإيراني أوسع من حادثة طائرة. فطهران، وقد طال القصف الأميركي 95 موقعًا في 12 مدينة خلال 10 أيام، تحتاج إلى تخفيف الضغط عن أراضيها: بتشتيت البحرية الأميركية بين الخليج والبحر الأحمر، وبمضاعفة أزمة الطاقة عبر تهديد ينبع وباب المندب — وهو ما يعطّل المسار البديل الذي كان يخفف أثر إغلاق هرمز على الأسواق ويُضعف بالتالي ورقة طهران التفاوضية — وبتوريط الرياض في مواجهة تربك الاصطفاف الإقليمي، ومن دون أي كلفة على قواتها. غير أن الدقة تقتضي القول إن طهران لا تريد حربًا مفتوحة في اليمن بقدر ما تريد إبقاء التهديد بها قائمًا وقابلًا للتفعيل أو التجميد بحسب مسار مفاوضات الهدنة؛ فاندلاع الحرب فعليًا يفقدها هذه الورقة، بينما يتيح لها التهديد القائم استثمارها. وعند هذه النقطة يلتقي الحساب الإيراني بأجندة المليشيا الخاصة من دون أن يتطابق معها: فطهران تحتاج إلى جبهة تخفف الضغط عنها، والمليشيا تحتاج إلى مقعد في أي صفقة مقبلة. مصلحتان مستقلتان التقتا على التصعيد نفسه، والضغط الذي تريد إيران رفعه عن مدنها سينتقل قصفًا إلى مدن يمنية.

والمدنيون في هذا الترتيب لا يستفيدون من الرحلات، بل يُستخدمون غطاءً لها. والسجل الموثق في مطار صنعاء يكفي لتسمية هذه الممارسة باسمها: فالمليشيا تحتجز طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر مع طاقمها، وتحتجز أربع طائرات للخطوط الجوية اليمنية بعد تجميد أرصدة الشركة، وتتحمل مسؤولية تدمير أربع طائرات أخرى، كما أجهضت خطة مكتملة التصاريح لاستئناف رحلات صنعاء–عمّان كانت ستفتح لليمنيين في مناطق سيطرتها منفذهم الإنساني الوحيد.

ويمتد المنطق نفسه إلى البحر. فالحصار يُعلَن من موانئ ومنصات ساحلية أقيمت وسط مناطق مأهولة، وهو ما يضع سكان الحديدة والساحل الغربي مسبقًا في مرمى أي رد، ويجعل سلامتهم وأرزاقهم رهينة لحسابات المليشيا. وللمليشيا في هذا التصعيد أجندة استعجال خاصة تتجاوز التنسيق مع طهران: فأي تسوية أميركية–إيرانية لا تتضمن بندًا يمنيًا تعني فقدان المكاسب الاستراتيجية التي راكمتها المليشيا منذ 2023، من المكانة التفاوضية إلى الدعم إلى مبرر التعبئة الذي يغطي أزمة الرواتب والاقتصاد المنهار في مناطق سيطرتها. ولذلك تصعّد في ذروة التفاوض كي تفرض حضورها في أي اتفاق قبل إبرامه، والثمن يدفعه أمن السكان الذين تحكمهم بالقوة. فهذه مليشيا تخشى السلام أكثر مما تخشى الحرب، لأن السلام يطرح عليها سؤالًا لا تملك جوابه: ماذا تكون سلطة أمر واقع عقائدية حين لا يبقى "عدوان" تعبّئ الناس ضده؟

أمام الرياض وواشنطن، في المقابل، فرصة قرار يقلصها التأخير وحده. فميزان القدرات لا يميل إلى المليشيا: مخزونها الصاروخي بلا مصدر تجديد مضمون، واقتصاد مناطق سيطرتها عاجز عن حرب استنزاف طويلة ضد جار يملك عمقًا ماليًا كبيرًا، وحصارها لم يُنفَّذ بضربة واحدة حتى الآن. وراعيها منشغل بجبهته الخاصة؛ ولا شك أن ورقة هرمز في يده، وقد اقتطع إغلاقه نحو 10% من الإمدادات العالمية، لكنها ورقة طرف يفاوض وهو يتعرض للقصف، لا طرف يملي شروطه. وكل يوم يمر من دون إجراء عملي يكسر التهديد — مرافقة بحرية للناقلات، أو تأمين مدعوم، أو تحرك في مجلس الأمن يثبّت نظام الأجواء ردًا على الطعن الإيراني — يمنح المليشيا مكاسب لا تستطيع قدراتها انتزاعها، ويطيل استخدامها لليمنيين في حرب ليست حربهم.

الجولة الراهنة، في المحصلة، اختبار للإرادة أكثر منها اختبار للقدرات. فقد راهنت المليشيا على أن حساسية أسواق الشحن وتردد العواصم كفيلان بتحويل إعلانها إلى حصار فعلي، وعلى أن وجود المدنيين في مناطق سيطرتها سيحول دون أي رد عسكري عليها؛ وغطّت طهران هذا الرهان باحتجاج قانوني انتقائي يستعير السيادة اليمنية وينتهك مضمونها. الرهان الأول يكسره قرار تجاري–أمني منسق يعيد الثقة إلى الممر، والثاني يكسره تمييز صارم بين المليشيا والسكان الذين تحتجزهم — في الاستهداف والممرات الإنسانية والخطاب معًا. أما الاحتجاج الإيراني فيسقط بمجرد مقارنته بسلوك طهران في مضيق هرمز. وعندئذ تتضح المعادلة على حقيقتها: مشروع لا يحمي اليمنيين بل يحتمي بهم، ولا يمثل اليمن في أي تفاوض بل يستخدم قضيته ورقة.

مقالات

هدية عسكرية ثمينة للسعودية والشرعية

بيان الحوثة بشأن الحصار البحري المزعوم على السعودية كشف اهتزازاً في موقفهم، بدليل الحشو المنفلت من الألفاظ النابية، بما لا يتفق مع المشوار الطويل الذي قطعوه في المباحثات الثنائية مع المملكة خلال السنوات الماضية.

مقالات

هل يجر الحوثيون السعودية إلى أصعب خياراتها؟

إعلان الحوثيين حظر الملاحة البحرية السعودية تحت شعار "الحصار مقابل الحصار" لا يبدو مجرد تهديد عسكري، بل محاولة لإعادة تشكيل طبيعة الصراع. فاستهداف الملاحة لا يهدد السعودية وحدها، بل يمس أمن التجارة الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام تدويل أي مواجهة مقبلة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.