مقالات

رسالة أو ترياق مضاد لإحباط الشباب

23/05/2024, 07:15:54

لا تلعن نفسك كثيرًا يا صاحبي. أنت جيّد أكثر مما تظنّ، فلا تتورّط في مهمة "تدمير الذات" نيابة عن إبليس.

حتى حين تعتقد بأنك أكبر شخص فاشل ومنحط في هذا الكوكب، لا تلعن نفسك كثيرًا؛ لا بأس بقليل من اللعنات، المهم ألا تبالغ في السخط ضدّ نفسك.

حتى سخطك ضد العالم، لا تُكثر منه. يمكنك توفير طاقاتك لتدبير وجودك؛ هذا أفضل من إهدارها في إثبات عدائيتك للعالم، أو عدائيته لك. لا أحد عدو لأحد.

لا تلعن نفسك كثيرًا. وإن فعلت ذلك لفظيًا، عليك الحذر من السماح لهذه اللعنات بالتسرّب نحو باطنك؛ كي لا يستحيل توترك إلى موقف دائم تجاه الحياة، وتفقد بذلك أي قدرة للتفكير خارج هذه الدوامة.

مهما يكن ما أنت عليه من شروط حياة قاهرة، تذكّر أنك تملك إمكانية للبدء. أنت موجود، وهذا هو الشرط الوحيد لمواصلة اللعبة.

ما أنت عليه ليس ذنبك دائمًا، أنت لستَ سيئًا كجوهر أو ماهية، حتى لو امتلكت كل البراهين المؤكدة لحكمك هذا. كل البراهين المضادة للحياة باطلة، حتى لو أقرّها العقل، بمقدورك أن ترفض تفسيراتك العقلية. وفي ذروة كفرك بالعيش، تذكّر أن للحياة وجهًا آخر لم تسكتشفه بعد.

أنت محبط، وليس من حق أحد مصادرة إحساسك هذا تجاه العالم. ماذا لو أن الجو غائم اليوم، ولم تأخذ حقك الكافي من شمس الصباح. لعلّ هذا تفسير له وجاهته، ومبرر لشعورك الحاد بالسخط ضدّ نفسك والعالم.

احتمال آخر: ربما أن مدرّس الرياضيات تجهّم في وجهك وأنت واقف أمام السبورة في الصف التاسع؛ لكونك لم تتمكن من حل مسألة رياضية، حينها شعرت بالخجل، بالعار العميق من نفسك أمام طلاب وطالبات الصف، ظلت تلك الندبة تعشعش بداخلك؛ هذا احتمال ممكن -بحسب علماء النفس- تفسير له وجاهته يشرح سوء مزاجك الليلة.

هناك علاقة سببية مؤكدة بين شعورك الليلة بالخزي وبين عبارة قرّعتك بها صديقة، حين حاولت أن تتغزل بها، شعرت بالخوف واعتذرت منها؛ لكنها حظرتك، وقضيت ليلك كله تشعر بالعار. سواء تذكرت ليلة كهذه أم لا؛ ما هو مؤكد أن شعورك باحتقار نفسك، وأُمنيتك لو لم تكن موجودًا، له علاقة بتاريخك النفسي كله.

يا لسخافة القلق!!؛ يُنسيك بأنك إن لم تكن موجودا كنت ستكون محرومًا من أمنيتك هذه بالعدم.
أنت تكون محبطًا وأنت تواصل الحياة، خيار أفضل من عجزك حتى عن الإحباط.

ميزة الوجود أنه يمنحك حق السخط ضده بحرية؛ أليس هذا مبرر كافٍ لترجيح كفة البقاء...؟

عزيزي الشاب: تذكّر دائمًا أنّ ما تشعر به من سوء في حياتك ليس ذنبك تمامًا، هناك أمور لا علاقة لك بها، تجمّعت من نواحٍ عديدة، وجعلتك تشعر بفقدان انسجامك مع العالم كله.

إنك ساخط على نفسك لأسباب متشابكة. ربّما أن إحساسك بتلاشي قيمة حياتك هو نتيجة خلل جيني، تفاعلات عصبية كيميائية ورثتها من جدك المتوفي قبل 800 عام.

أنت ضحية لتراكم كبير من عوامل مجهولة، الحياة أكثر تعقيدًا من كل التفسيرات التي تمنحها لها.

لهذا، ليس من العدل أن تبالغ في إدانة نفسك كما لو كُنت المجرم الوحيد. العكس منطقي جدا. عليك أن تحتضن نفسك؛ باعتبارك ضحية عالم مساهم في التحكم بحياتك، إرادات كثيرة خارجك تقاطعت لتصنع هذا المصير الذي أنت فيه. استرخِ، وسوف تبتكر خطوطًا جديدة للمسير.

ما أراه مؤكدا تمامًا، أنك لست المتحكم الوحيد في وجودك الكلي. أنت مجرد لاعب واحد في مسرح يكتظ بفريق تعداده مليارات البشر. يلعبون في منصّة العالم، ولهم تأثيرات مباشرة، وغير مباشرة على حياتك؛ حيث دخان المصانع العسكرية في شنغهاي، يتجمع ويحدث ثقبًا في الغلاف الجوي، ترتفع حرارة الكوكب، وتعود أنت من السوق والعرًق يغسل ثيابك، تجد زوجتك أعدت طعامًا، ويبدو لك الخبز وقد زادت نسبة الملح فيه، فتغضب، وتذهب إلى المقيل. هي ضامرة القلب في المنزل وأنت تلعن الدنيا مع رفاقك،  تفشل في التخلص من كآبتك.

لعلّ هذا بسبب دخان المصانع في شمال روسيا، وربما زيادة ملح الطعام، أو يحتمل أنّ تسببك بخدش قلب زوجتك عاملًا أفقدك القدرة على الانسجام.

كما أن غالبية بائعي القات أولاد حرام وملعونون بالفطرة، لا تستبعد أنهم سبب في التلاعب بك، ومنحك نوعية رديئة من أغصان القات.

أرأيت كل هذه التداخلات أسبابا تضاعف سوداويتك؛ إنه إحباط قادم من عوامل بيولوجية، وأحداث خارجك وليست دلائل لإثبات فشلك الوجودي دفعة واحدة.

في كل الأحوال، لا تجازف بلعن نفسك، أو تنساق خلف هواجسك بأن الوجود غير صالح للبقاء؛ وتذهب بعيدا إلى التفكير بالانتحار.


بمقدورك أن تخلع ملابسك وتأخذ حماما باردا ثم تضع قُبلة على جبين زوجتك، وتخرج للتمشّي ساعة من ليل أو نهار؛ ولسوف تعود وتكتشف أن المسألة كلها تكمن في تضافر عوامل مجهولة ومعلومة، أسباب خارجية كانت وراء تلك السوداوية في مزاجك، وأن الأمر لا يحمل أي معنى أو برهان على سوئك الذاتي.


تأكد أنك لستَ منحطًا بالفطرة. لا يوجد إنسان سيئ بالكامل وفي كل وقت.

قد تكون وغدا تستحق اللعنة في هذه اللحظة، لكن بالتأكيد ستنام وتصحو شخصًا جيدا. تستحق أن يصافحك جارك ويبتسم، تتصفح ما يكتبه الشعراء وتشعر بيقين تام أنهم يكتبون ذلك لك.
أبو بكر سالم غنى كثيرا، وبدون وجودك سيخسر الفن مستمعًا رائق المزاج، وطيِّب القلب.


يمكنك أن تقرأ ما تحب من الشعر، تدندن بأغنية دونما ضرورة لفهم كلماتها تماما، ذلك أن المهم هو الأثر الكلي لها في فؤادك.

وإذا لم تكن من ذوي الاهتمامات الفنية، ولا تروق لك الأفكار، حتما ستجد صديقًا هنا ضجرا مثلك، بوسعكم تبادل الشتائم، وكسر الملل؛ ولسوف تنامان وتصحوان للضحك من أنفسكم.

هكذا يتوجّب عليك أن تحتال على كل لحظة سيِّئة. إنك فرد واحد، قدرتك على التحكم بوجودك محدودة. هناك فاعلون كُثر لديهم مساحة كبيرة للتداخل معك، والعبث بجزء من وجودك. أنت أيضا لك مساحة من السلطة على من هم خارجك، وعيت ذلك أم لم تعِ.

ومن الخلل في مبدأ العدالة الكونية ألا تشعر بضميرك يؤدبك أحيانا؛ ليس لأن وجودك خطأ، بل لأن هذا ما أراده القانون الكلي للحياة. اضحك، وتلقى جزاءك بمرح. غدا، ستصحو بمزاج طيب، ولسوف تتمنَّى أن يطول عمرك ألف عام..

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.