مقالات

سقطرى.. أبوظبي.. تل أبيب!

11/09/2022, 09:33:42

سعت الحركة الصهيونية، منذ  نشأتها أواخر القرن 19، إلى إيجاد "وطن" قومي لليهود، بتواطؤ ودعم من قِبل الأوساط السياسية والاستخبارية البريطانية وغيرها 

ومنذها، كانت البدائل تتعدد والخيارات تتغيّر بين حينٍ وآخر، إلى أن استقر الأمر على فلسطين. وقد كان ما كان، منذ وعد بلفور 1917 حتى نكبة 1948.

ما لا يعرفه كثيرون أن جزيرة سقطرى كانت مرشّحة - بالتفاهم بين بريطانيا والحركة الصهيونية - لتكون وطناً قومياً لليهود (قبل نحو عقد زمني على قيام دولة إسرائيل)، وذلك ضمن خيارات أخرى، سبق أو لحق ترشيحها، في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وسواها.

وقد سبق لي أن تناولتُ هذه القضية غير مرة، في غير واسطة صحافية، منذ عديد من السنوات، مُزوّداً تناولاتي تلك بما تيسّر لي من معلومات ووثائق.

وأصل الحكاية السقطرية هذي يعود إلى أواخر ثلاثينات القرن الماضي - وبالذات بين ديسمبر 1938 ومايو 1939 - وهي الفترة التي شهدت مراسلات ووثائق في غاية السّريّة، تمّ تداولها بين الدوائر السياسية والاستخبارية البريطانية من جهة، والدوائر الصهيونية العالمية من جهة أخرى، وأبطالها الرئيسيون كانوا ثلاثة: السير جون شكبرج وزير المستعمرات في حكومة صاحبة الجلالة، السير ريدر بولارد ممثل حكومة صاحبة الجلالة في المفوضية البريطانية في مدينة جدة السعودية، وليوتانت كولونيل (مُقدّم) برنارد رايلي الضابط السياسي البريطاني في عدن.

وقد بحثت هذه المراسلات في موضوع محدد: إمكانية توطين اليهود في جزيرة سقطرى، على ضوء ما ورد في مقالة صحافية لفتت بشدة انتباه الأوساط السياسية والاستخبارية البريطانية والصهيونية.

وهذه المقالة نُشرت يوم 18 يونيو 1938 في "النشرة الاخبارية"، الصادرة عن مستعمرة عدن، وكانت بقلم السير أرنست بينيت عضو مجلس العموم البريطاني، يصف فيها الجزيرة ويُنوّه بأهم ملامحها ومكامنها من النواحي كافة، بصورة أسالت لُعاب الإنكليز، وأثارت شهية الصهاينة على السواء!

وقد تواصلت المراسلات والمفاوضات السريّة حول الموضوع بين مسؤولين بريطانيين وصهاينة، وكان الرأي قد استقر لدى هذه الأطراف على توطين مجموعات من يهود ألمانيا والنمسا وجنسيات أوروبية أخرى في الجزيرة، لا سيما بعد أن أشارت تقارير إلى أنه "لن تكون الفُرص الماثلة أمام المستوطنين محصورة جميعها في الإنتاج الزراعي الأوَّلي، بل ستمتد لتشمل التجارة.

وفي الواقع من المحتمل أن تجارة الترانزيت الحالية في عدن سوف تتوسع، وكذلك سيكون الحال مع موانئ الجنوب العربي الصغيرة، لاسيما إذا تمّ تطوير ترسُّبات الفحم الحجري في حضرموت. ويمكن للمنطقة كلها أن تشهد نمو تجارة محلية كبيرة، وهناك أيضاً إمكانية تتعلق باستغلال ترسُّبات السماد الطبيعي في الجزيرة".

قد يكون هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني - المرتبط بجزيرة سقطرى - طُويت مخططاته القديمة، لكن المؤكد - وبحسب المعلومات والوقائع المتواترة والمتجددة - أن هذه الجزيرة الحيوية والاستراتيجية الهامة لا زالت محطّ أطماع قوى دولية وإقليمية تسعى إلى رمي شباكها عليها، التي غالباً ما كانت - في ما مضى - بدعوى الاستثمار أو بهدف مكافحة الإرهاب والقرصنة. 

ولكن مؤخراً، جاءت الإمارات إلى هذه المنطقة كجواز مرور لأطماع إسرائيلية واضحة الملامح والأغراض، ظلت تتكشف يوماً إثر آخر، منذ أن وطأت الإمارات أرض الجزيرة وشرعت - بصورة محمومة - لاستباحة كل مُقدّراتها وطمس هويتها، وتغيير كل ما يمُت بِصلةٍ إلى يمنية الأرض والإنسان ويربطها - بالزيف والتدليس - إلى الإمارات!

وعلى صعيد تمكين أبوظبي تل أبيب من حرية وجرأة الحركة داخل الجزيرة - منذ يونيو 2020 - تم استقبال عدد من الوفود والخبراء الإسرائيليين في مجالات اقتصادية وأمنية وعسكرية، كما جرى إبرام اتفاقات على أعلى المستويات لإعادة رسم الخريطة الجيوبولوتيكية والأمنية للجزيرة، إلى الحدّ الذي وصفت فيه تقارير وثيقة جزيرة سقطرى بأنها أصبحت "كلمة السرّ في تنامي العلاقات الإسرائيلية - الإماراتية"!

لقد ظلت المنطقة الإستراتيجية المُطلّة على البحرين - الأحمر والعرب - ومضيق باب المندب تحتل أهمية قصوى لدى المنظومة السياسية - العسكرية لإسرائيل منذ زمن بعيد.

ولكن هذه الأهمية تعاظمت منذ 2016 بتواطؤ من إريتريا التي سمحت لتل أبيب آنذاك ببناء قاعدة استخبارية - أعلى جبل أمباسويرا جنوبي العاصمة أسمرا - والتحرك بكامل الحرية في المنطقة، بحسب موقع "جي فوروم" الإسرائيلي - الفرنسي.

ثم - مؤخراً - كشف إيهود يعاري (الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ووثيق الصلة بأجهزة الأمن الاسرائيلية) كثيراً من جوانب "التعاون" الاقتصادي والاستخباري التي تمنحها أبوظبي لتل أبيب في جزيرة سقطرى، مُنوّهاً بأن ثمة "تنسيقاً قائماً على نحوٍ حثيث بين الطرفين، لبناء قاعدة عسكرية واستخبارية غربي الجزيرة، ومعسكر آخر في الجزء الشرقي منها" عدا المدرج العسكري الذي يتم استحداثه حالياً في منطقة نوجد جنوبي الجزيرة، وهي المعلومة التي أكد على صحتها - في الوقت نفسه - الموقع الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية والاستخبارية "ساوث فرونت"، وهو الأمر الذي اعتبره الموقع بمثابة "هدية على طبق من ذهب" قدّمته أبوظبي لتل أبيب!

لقد سلّمت الإمارات مفاتيح الأمن القومي العربي - لا اليمني فحسب - إلى إسرائيل، من بوابة هذا الموقع الإستراتيجي الهام والخطير. نقطة. من أول السطر!

مقالات

للتاريخ .. في ذكرى 26 سبتمبر. تحيةٌ واجبةٌ لتضحيات مصر في اليمن

صغيراً كنتُ ، عندما ذهبت إلى مستشفى في مدينة (ذمار) حيث كان والدي يعمل حينذاك .. هذا المشفى كان الوحيد في ذلك الوقت الذي يخدم إلى جانب السكان ، الجرحى والمصابين القادمين من جبهات القتال القريبة في (رداع) وغيرها ، خلال الحرب الجمهورية -الملكية في ستينيات القرن الماضي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.