مقالات
عبدول في مواجهة الأوليغارشية
قالت أيباك، أخيراً، إن 250 مرشحاً من الحزبين (الجمهوري، والديمقراطي)، مدعومين من قبلها، تمكنوا من الفوز في الانتخابات التمهيدية. في ولاية ميشيغن فاز عبدول (عبد الرحمن السيد)، الشخص الذي لا تحبه أيباك ولا يحبها. عبدول في الصحافة الأوروبية "شعبوي يساري"، وفي الوسائط الأميركية اليمينية "شيوعي"، وفي الميديا المصرية "إخوان"، وفي الصحافة الإسرائيلية "مسلم معادٍ للسامية"، وفي ميشيغن مرشح للحزب الديمقراطي.
وضعت أيباك السيد في مواجهة 250 انتصاراً. تتحسس الكولونيالية، في نسختها الكلاسيكية كما في صورتها الحديثة، مسدسها لمجرد أن صوتاً واحداً قال الكلمات الخطرة. الصهيونية ظاهرة استعمارية إحلالية على الطريقة الغربية، مركزها القانوني والعسكري في الولايات المتحدة الأميركية. هناك، في المركز، يتسلى الناس بلعبة خطرة اسمها الديمقراطية، تعيد إنتاج النظام نفسه ببراعة منقطعة النظير، كما لو أنها بالفعل تعبير عن إرادة جماهيرية حرة وواعية.
ورغم أنها متحكَّم بها على نحو شديد البراعة، فإن بعض الاضطرابات قد تحدث من داخلها أو على حدودها. عبدول ليس مجرد إزعاج داخل اللعبة المستقرة، بل سابقة خطيرة أكدت ما تتخوف منه المؤسسة: ثمة رغبة شعبية/شعبوية للإطاحة بالنظام الراهن، المالي والسياسي والثقافي. في نيويورك، نجح زهران ممداني لأسباب متعلقة برفضه لما استقر عليه الحال. ويكرر عبدول، وناخبوه، نموذج ممداني على مستوى اللغة والوعد.
ماذا لو انتقلت العدوى؟ مرشحون ديمقراطيون مسلمون، يساريون، شبان، ينتمون إلى طبقة أكاديمية رفيعة، تمكنوا من هزيمة المؤسسة. التحق بهم آخرون، ملوَّنون، يرون ضرورة إنقاذ الديمقراطية من قبضة الأوليغارشية. فقد صارت ديمقراطيتهم السياسية "أفضل نظام صالح للبيع"، كما بات يقال.
لا يعرف أحد ما المقدار الضار من الديمقراطية داخل الديكتاتورية، ولا القدر الضار من الديكتاتورية داخل الديمقراطية. ما بقي الناس قادرين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فإن المفاجآت واردة، مهما بلغت حنكة المؤسسة الأوليغارشية. هذا ما لم يحسب أوربان، في هنغاريا، حسابه، وما لم تتحسب له جمهورية فايمر في ألمانيا.
يقال إن أحد أبرز الزعماء السوفييت نيكيتا خروتشوف، بعد توليه السلطة عقب وفاة ستالين، قال في أول لقاء مع قيادة الحزب إنه سينأى عن سياسة سلفه المدمرة. لم يكتم كل الأعضاء السر، ووصلت عبارته إلى بكين، فارتعدت مفاصل ماو ونظامه. ما دفع الأخير إلى فتح نقاش مجتمعي تحت عنوان "مائة وردة"، مبشراً هو الآخر بالشفافية والمساءلة والنقاش المجتمعي المفتوح. كادت حركة ماو أن تقضي عليه، لولا أن تداركها من خلال مشروع نقيض سيُطلق عليه اسم "الحشائش الضارة"، أو شيء من هذا القبيل، وسيبادر إلى اقتلاعها. فالقدر البسيط من ديمقراطية النقاش سرعان ما قاد إلى المطالبة بتغيير النظام!
كان نجاح ممداني أمراً بعيد المنال. اليساري المعارض لإسرائيل يريد تحقيق معجزة في عاصمة المال العالمية وأكبر مدينة صهيونية في العالم. حدث ذلك، ونجح. اللعبة البيضاء، الديمقراطية، باتت خطرة في عالم الوسائط الجديدة. وهي صالحة للتحكم المطلق بها ما دامت وسائل المعرفة وأنماطها تحت السيطرة.
العدوى تنمو. الفرد العادي أدرك أن بمقدوره إيقاف العجلة ودفعها في الاتجاه المعاكس. المعلومات تتدفق، والسهم السياسي ــ بطاقة الانتخاب ــ بات قادراً على مجابهة السهم الاقتصادي، الأوليغارشية. أمر شبيه بنشوة امتلاك الحرية، والقدرة، واكتشاف الذات.
سيخوض عبدول نزالاً رهيباً في نوفمبر/تشرين الثاني القادم على أحد مقاعد مجلس الشيوخ، وليس النواب. تحت القبة البيضاء، حيث المعنى الصلب لكلمة "المسيحية-اليهودية"، من المفترض أن يجلس وأن يقف ليقول. بعض أعضاء مجلس الشيوخ يجلسون هناك منذ أربعة عقود. هناك يتفق الطرفان على الحفاظ على أمرين لا يطاولهما الجدال: إسرائيل وليبرالية الدولة.
عبدول، الشيوعي معادي الصهيونية، ذاهب إلى حفلة لم يُدعَ إليها، ولن يجالسه فيها أحد. تحت قبة مجلس الشيوخ يجلس مئة عضو؛ سيكونون: 99 وعبدول. تتحدث الصحافة الليبرالية، صحافة المؤسسة، كما لو أن عبدول قد بات أغلبية في المجلس.
تخوّف جي دي فانس من أن يصبح الرجل رئيساً، وقال: "لا قدر الله". حتى نوفمبر/تشرين الثاني ستحدث أمور كبيرة بحق الرجل. سيعاني.
سبق أن نشرت صحف كثيرة السجلات الجامعية لممداني، وقالت إنه كذب في إحدى طلبات التحاقه بالجامعة حين أشّر على خانة "أفريقي"، ليستفيد من الفرص التي تمنحها الجامعات تحت لافتة التنوع والشمول.
دعونا نتذكر أن هاكراً إيرانياً حصل على سجل جي دي فانس وأرسله إلى عدد من الصحف، راجياً منها أن تنظر في التناقضات والغش، فجاء الرد عبر الصحيفة، بقلم أسرة التحرير: "إن تهكير بيانات الناس فعل قبيح لا يتماشى والقيم الأميركية".
هذه القيم لعبة، لم يعد يصدقها الكثيرون، وهي قيم بيضاء الجلد في نهاية المطاف. الحقيقة في مكان آخر: قال 80% من الأميركيين في استطلاع حديث إنهم لا يرون ديمقراطية بلادهم مثالاً ينبغي أن يُحتذى به.
لنترك السيناتور بيرني ساندرز يصف حقيقة الديمقراطية الأميركية: إنها ليست ديمقراطية، بل أوليغارشية. بمعنى: نظام تتحكم فيه قلة ذات امتياز في النفوذ والثروة.
من خارج هذه الأوليغارشية يأتي عبدول ليخوض بحراً وقف الآخرون على شواطئه.
ننتظر، ونرى.
نقلا عن "العربي الجديد"