مقالات
هذا ما فعله الفساد بنا!
تابعت بحزن بعض النقاشات الدائرة بين شباب وشخصيات تُحسب على معسكر الشرعية، فهالني ما رأيت!!
لاحظت أن جانبًا كبيرًا منها لم يعد يدور حول استعادة الدولة، أو إصلاح مؤسساتها، أو وقف العبث بالمال العام، بل حول شيء أكثر إيلامًا: أين نصيبنا نحن؟
لن أفتش في ضمائر هؤلاء، ولا أريد أن أحاكم أحدًا منهم. لكل إنسان قصته، وربما وراء هذا الكلام سنوات من الخذلان والحرمان والبطالة والظلم ورؤية آخرين يثرون بينما هو ينتظر أبسط حقوقه. وقد أفهم كيف يمكن لكل ذلك أن يدفع الإنسان إلى مرحلة يقول فيها: كفى، أريد حقي أنا أيضًا.
لكن الذي أخافني ليس وصول فرد إلى هذه الحالة، بل التماهي الجماعي معها؛ أن تتحول المصلحة الشخصية من شعور يمكن فهم أسبابه إلى منطق سياسي يُدافع عنه، وأن يصبح السؤال ليس: لماذا يُنهب المال العام؟ بل: لماذا لم يصل إلينا شيء من هذا المال الفاسد؟
وهنا يصبح المرض أعمق من فساد مسؤول.
لأن الفساد حين يطول لا يسرق خزينة الدولة فقط، بل قد يعيد تشكيل وعي ضحاياه أيضًا. يجعل الإنسان، لكثرة ما شاهد من نهب، يتوقف عن المطالبة بإيقاف ذلك النهب، ويبدأ بالمطالبة بأن يكون جزءا من هذه العملية القذرة.
والمؤلم أكثر أن بعض من تقرأ لهم هذا الكلام كانوا، أو ما زالوا، يُحسبون على النضال والعمل العام. ولذلك أسأل بحزن لا بإدانة:
ماذا فعلت بنا هذه السنوات حتى تقلص الوطن في وعينا من قضية مشتركة إلى مجموعة حصص شخصية؟
وأعرف أن من يعيش منا في الخارج قد يُقال له بسهولة: أنتم مرتاحون، لديكم حياتكم، فلا تتدخلوا في أمورنا ولا تنظّروا علينا.
لكن نقد الفساد لا يصبح باطلًا لأن قائله يعيش في الخارج، كما أن معاناة من في الداخل لا تجعل كل وسيلة للحصول على المال حقًا.
من حق كل إنسان أن يطالب براتبه، ومستحقاته، وكرامته، ومستقبل أولاده. لكن هناك مسافة هائلة بين المطالبة بالحق وبين قبول فكرة أن الدولة غنيمة، وأن العدالة تعني أن يحصل كل فريق على نصيبه منها.
ما يقلقني أننا إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها اعتراضنا على الفساد مرتبطًا فقط بعدم حصولنا على حصتنا منه، فمشكلتنا لن تعود في الفاسدين وحدهم.
ستصبح المشكلة في الخراب الذي تركه الفساد بداخلنا..
نقلاً من صفحة الكاتب في "فيسبوك"