مقالات

عن " المتانة الخرساء " للألمان

22/06/2026, 13:38:01

الألماني يلعب آلياً ومتجهماً ، وكأنه منهمك في منجم للفحم ، أو في أحد مصانع السيارات الألمانية.

اللعب الألماني مستفز بتلك " المتانة الخرساء " التي لا تتغير ولا تتبدل : إحدى عشر لاعباً يبدون وكأنهم مقاس واحد. كأنهم مُقَطعين من ضاحة جبل : نفس الطول ، نفس عرض الكتف ، نفس الجدية ، نفس طريقة الجري الآلية ، وكأنك تشاهد رجلاً آليا في لعبة العنف المعروفة للأطفال.

عندما تلعب أمام ألمانيا تبدو وكأنك تلعب مع البرنامج الجيني المحفوظ آلياً وليس مع إحدى عشر بشرياً.
حتى العربي والتركي والأفريقي المجنسين ألمانياً يندرجون سريعاً في البرنامج ، ولا يتبقى منهم سوى الأثر اليسير ؛ هذه اللفتة المستعجلة ، أو تلك البسمة التلقائية ، أو تلك الوقفة المعوجة.

المتانة الخرساء للألمان تستفزني ، في حقل يتناقض مع كل ماهو آلي في سمته الجوهرية : اللعب وكرة القدم.
حتى خطط المدربين وتطور الكرة كمؤسسات لم يقوى على نزع السمة الجوهرية من " اللعبة " كما تفعل " المتانة الخرساء " للألمان.

في الفلسفة والفكر والموسيقى الأمر مختلف ، تكون "المتانة" أرضية صلبة ينطلق منها التجلي الإبداعي الفردي، فتتحول المتانة الألمانية المغروسة في روح الفيلسوف والموسيقي إلى أداة للتحليق.
تجذبنا المتانة والجملة المصقولة الممزوجة بقدرة فيلسوف ألماني فنان مثل نيتشة، يكتب كأنه يلعب، كأنه يرقص. بل وأعتبر "اللعب" شرطا لكل عمل خلاق.

ما يشبه طريقة المتانة الكروية للألمان هو هيدجر. هو فيلسوف جاف وأسلوبه في الكتابة تعبير مكثف عن " ثُقل " نفسية لا مجال للعب في طريقتها وتفكيرها.
كتاباته تحمل عبئًا لغويا وفكريا ثقيلا، وكأن الرجل كان يرى العالم متاهة معقدة تحتاج إلى مفاتيح لغوية خاصة لفك رموزها. أسلوبه مليء بالتعقيد والغموض، حتى عندما يحاول الحديث عن مفاهيم قد تبدو أقرب إلى "اللعب".

قرأت من كتاباته ما يعطيني صورة عنه كفيلسوف ، وخرجت بهذا الانطباع : لا ضرورة لقراءة هيدجر ، بالنسبة لي.
لا يحتاج المرء أن يقرأ كل الفلاسفة.

أجد نفسي في أسلوب نيتشة :
" إنني لا أعرف في ممارستي للمهمّات الصعبة من طريقة أخرى غير اللعب : إنه علامة العظمة وشرطها الأساسي.
إن أقل تكلف ، والسحنة المتجهّمة ، وأية نبرة شديدة في الحلق ، كلها مآخذ تُرْفع ضد الشخص ، وبصفة أكبر ضد أثره "

اما في الملعب ، وأمام جمهور المتفرجين ، فتقمع المتانة الخرساء في نفوسنا شيء من سماتنا كبشر : روح اللعب ، اللعب الذي تشكل حتى الهزيمة وجهه الآخر الخفيف والتلقائي. يغيب الفرد في منظومتهم الصارمة؛ لا تجد في تاريخهم ذلك الساحر البرازيلي رونالدينيو الذي يرتجل الحلول من العدم، ويمر من بين الرصة كأنه كتلة مطاطية، ويقلب نتيجة المباراة بلمحة جنون ذاتية. وبالتأكيد، لن تجد في تاريخهم الكروي لاعباً مثل مارادونا ، مارادونا الذي يجمع في شخصيته وطريقة لعبه بين الجموح والسحر والمهارة ويلعب بروح المحارب ويمتلك قدرة فريدة على قهر المنظومات الصارمة بمفرده، بهدف أسطوري، أو بتمريرة ذكية .

حتى الإنجليز، قوتهم ليست آلية وخرساء مثل الألمان. رغم امتلاكهم للقوة البدنية والمتانة في الأداء، إلا أن منظومتهم الكروية لم تخلو- أكتب الواو متعمدا كسر الجزم بالحذف- يوماً من اللاعبين المهاريين الفرديين، الذين يكسرون جمود الخطط بلمحة من العفوية والارتجال البشري.

الألمان في كرة القدم يؤمنون ب " المتانة الخرساء" ويفتقرون الخيال والفن والجمال. يمحون الفرد لصالح الآلة، مما يحرم اللعبة من أسمى تجلياتها الإنسانية: تلك اللحظة الفريدة التي يتفوق فيها لاعب واحد مثل مارادونا ، على نسق ميكانيكي كامل.

مقالات

في مديح الحرب

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخص العالم. ماذا عن ترابه؟ يخص فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا. في الزمان القديم كان رسول كسرى يقرأ على اليونانيين: ونريد منكم الماء والتراب. ما من حدود لجوع فارس للماء.

مقالات

لماذا التربة؟

حتى وقتٍ قريب قُبيل اجتياح الحوثيّة صنعاء كانت التربة تستقبلك بلوحة تُخلّد أحد أبنائها عند مدخلها؛ قائد قوات الصاعقة وقائد معركة السبعين يومًا عبد الرقيب عبد الوهّاب.

مقالات

الحاكم الذي نريد: شروط الحاكم

الحاكم الذي نريد هو القائل لشعبه، الكاتب في دستوره: أنا منكم واليكم. لست شيئا من دونكم. بفضلكم اتيت. حقوقكم اولى من حقوقي، واجباتي نحوكم أولى من واجباتكم نحوي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.