مقالات

عن صراع الأفكار في اليمن

12/06/2024, 06:56:06

يتصارعون على السطوح، فيما تغرق مجتمعاتهم في مزيد من الشتات، وكأنّ كلّ الطرقات لا توصلهم سوى إلى الحفرة نفسها. ذلك أنّ كل الجهات والنوافذ تبدو مسدودة، وحدها الحِيرة والشعور بمزيدٍ من المتاهة، تعلو قسمات الناس وتتجلى في نبرات حديثهم، وتبرُّهم من الجو العام.

أتحدث عن الفضاء اليمني، عن البشر العاديين، أولئك الغارقون في همومهم يوحدهم إحساس بالفزع، ولا يتفقون على شيء، مثل إيمانهم بأنّ نُخب البلاد خذلتهم، وأن كل الجماعات، كل العقول المُبشِّرة بالغد والحاملة للفكرة الثقافية، لا تمنحهم أي قدر من الوضوح.
ذلك أنّ كلّ جهة تخوض مرافعة لإثبات جدوى منطقها مقابل بطلان خصومها، فيما كلٌ من الجهة الأولى والواقفين على الضفة المقابلة؛ الداعين إلى تحكيم شرع الله والمُبشرين بلغة التقدم وما يزعمون أنّه منطق الحداثة، جميعهم يتخبَّطون على حواف المشكلة.
ولا يبدو أنّ أي طرف يملك تصورًا لما هو أولوية بالنسبة للناس، وما هو متصل بواقعهم، وما يمكن أن يكون مفتاحًا لغد أكثر ترتيبًا وجدوى للجماهير.

سيظل صراع الأفكار بين البشر قانونًا أبديًا، لن يتبدل ما دامت الحياة باقية على سطح هذا الكوكب. فالتعارض الأزلي وتصادم القناعات ليس بين الإنسان وأخيه الإنسان فحسب؛ بل وفي الفرد الواحد ذاته. لا يمكن لبشر أن يتوصل إلى رؤية نهائية عن حقيقة هذا الوجود الغامض.

لكن ما هو مُحبط في المجتمع اليمني هو أن صراعات الأفكار ليست تعبيرًا عن حراك عقلي متناغم مع طبيعة الواقع اليمني، ليس نشاطًا موازيًا للمصير العام، ويصب في محاولات تطوير الحياة.
إن ما يحدث من سجالات مكررة في العوالم الافتراضية اليمنية يكاد يكون تعبيرًا عن حالة من الضياع حد فقدان أي إمساك فعّال بواقع الحياة كما تجري في اللحظة الزمنية الراهنة.

يتجادل اليمنيون حول أسئلة كبرى، ثم لا أحد يتوقف لحظة ليتأمل العلاقة المباشرة بين ما يتناقشون حوله ومدى اتصاله القوي مع واقعهم المبعثر.
يصيح أحدهم: شرع الله هو الفيصل الحاسم للخروج من مأساتنا اليمنية. فيرد الآخر: إن المنطق الديني هو العلة الأولى وراء بقائنا في ذيل الأمم.

يكاد يكون ما يحدث من جدل ثقافي في سماء الأمة اليمنية أمرا صادما، وكأن الجميع فقد أي قدرة على رؤية واضحة لما نحن عليه، وما نحتاجه بشكل مُلحّ؛ ما هو أولوية قصوى وله إسهام مباشر في كشف حقيقة واقعنا وترتيب الوعي به؛ وما يمكن اعتباره نقاشات فكرية مفيدة؛ لكنها تقع في درجة متأخِّرة في سُلم احتياجاتنا.

لو أن الجُهد والطاقات، التي تستهلكها النقاشات العمومية في البلاد، تتصف بشيء من التهديف، لو أن العقل الكلي لليمن له سيطرة جيِّدة على مسارات الجدل، وقد نجح في ترسيخ نقاط تأسيسية في الفضاء الثقافي العام؛ أعني شيئا من التحكم العفوي الحر بكل فكرة حيوية مهمة للناس، لكانت هذه الصراعات قد أثمرت انقلابًا عمليا، ونجحت في استعادة السيطرة على مساحات كبيرة من حياتنا الهاربة.

لا أظن أن السجالات المفتوحة حول كل شيء في بلادنا يوجد ما يوازيها في الفضاءات الثقافية لبقية البلدان.

صحيح أن الجدل يظل مفتوحًا في كل شعوب الأرض حول كل شيء؛ نقاشات حول الخرافات والأساطير وحول نظريات أينيشتاين، جدل حول الكشوفات العلمية، وحول نصوص الكُتب المقدّسة، حديث عن الموضات الحديثة والفلكلور الموروث، كل هذه أمور طبيعية، لكنك بالمقابل تجدهم قد حسموا كل ما يتصل بقواعد حياتهم، ونجحوا من تثبيت أُسس صلبة للتحكّم بمجريات واقعهم.

أما اليمني، فتراه مهموما بمدى صلاحية هذه النظرية من تلك، يجادل بحماسة ليثبت جدوى ذلك المنهج العقلي، ويدين بشكل قاطع كل رؤية مجاورة. لكنه ينسى ما هو أساسي، ولا يكترث بمدى جاهزية واقعه لكل هذا الذي يجادل حوله المثقف؛ هل حالة الوعي العام مهيأة لأي نوع من الإصلاح، أم أننا نقتقر لأي ترتيب أولي يمكن البناء عليه؟

إننا نحيا مبعثرين، لا أحد يدرك أين نقف، وماذا علينا أن نفعل، وبأي اتجاه يجب علينا التحرُّك. ولا أحد من حاملي المعنى يقول للناس شيئًا حول كل ما هو بديهي، بل إن المثقف اليمني لا يكاد يقول لمجتمعه أي معنى يُرتّب له حياته. وتلك أكبر خيانة ارتكبتها المجموعة الثقافية بحق أمّتها على امتداد تاريخ الشعوب.

مقالات

الحوثيون في حرب إيران: ترقب اللحظة أم حسابات تجنب المواجهة؟

لم تكن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، مجرد حلقة جديدة في مسار التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؛ فقد تحولت تلك الضربة سريعا إلى حدث مفصلي مع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو تطور أربك موازين المحور الذي بنته طهران عبر عقود.

مقالات

تحركات أمريكية في البحر الأحمر تبدد الهدوء الذي يسود جبهة اليمن

هذا هو اليوم التاسع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومع ذلك لا يزال شمال اليمن يشهد هدوءً مشوباً بالحذر، ناتج عن عدم إعلان جماعة الحوثيين حتى الآن خطة لإسناد عسكري لطهران، من شأنها أن تضع اليمن مجدداً كساحة محتملة للحرب، يأتي ذلك وسط استعدادات أمريكية ميدانية شملت حتى الآن نشر حاملة الطائرات "يو إس أس جيرالد فورد" وهي أكبر حاملة طائرات، بالتزامن مع البدء بتسيير طائرات بدون طيار في سماء العاصمة صنعاء لأول مرة منذ أشهر.

مقالات

جبهة اليمن المشتعلة بين حسابات طهران وتكتيكات صنعاء

في خضم الحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران (منذ 28 فبراير 2026)، يبرز البحر الأحمر وخليج عدن كجبهة توتر إضافية بالغة الخطورة، قد لا تحسم مصير الحرب ولكنها بالتأكيد قادرة على المساهمة في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وإطالة أمد الصراع. وفي قلب هذه الجبهة، يقف الحوثيون (أذيال إيران) في اليمن

مقالات

خناقة في أمريكا

أقوى وأغنى دولة في العالم، تشن حربا بكل قوتها على دولة نازفة محاصرة متهتكة داخليا ومكروهة اقليميا ومع هذا فإن ترامب مُشوَّش ويتخبط.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.