مقالات

عن فلسفة "الحج"..

21/06/2023, 07:39:58

يقول الفقهاء: إن العبادات توقيفية؛ أي أنها أوامر يتوجّب تأديتها دونما قيد ولا شرط؛ بما في ذلك البحث عن دلالتها ومحاولة فهمها منطقيّاً أو تعليل أسباب تشريعها. فالهدف الأساسي هو امتحان استعدادك للخضوع، ومدى التزامك بالآمرية الإلهية. إنها أوامر نهائية غير قابلة للمراجعة، إما أن تؤمن بالإسلام وتنفِّذ، أو أن إيمانك بهذا الدين مشكوك فيه. ليس أمامك سوى خط إجباري وعليك أن تمضي فيه، وتعلن تسليم وجودك كله للخالق الذي أوجدك، وتقول إنك مؤمن به. الأمر ليس مصادرة للعقل؛ لكن هذا هو منطق كل دين، إنه يكبح جماح العقل، بهدف أن يمنع المؤمن من أن يعبد العقل بديلاً لخالق الوجود، أو ما يسمى فلسفيّاً "العقل الكوني"، وهذا موضوع بعيد قليلًا عما أود قوله هنا. الحديث عن فلسفة الحج. 

يبدو شرط الحج بالذات شرطاً ذا مرونة خاصة، ذلك أن تأديته مقرونة بالقدرة، كما لو أنه شرط كمالي، ليس عليك تأديته، ما لم تكن عناصر حياتك الأساسية آمنة. غير أنّ الفسحة في تأديته أو العمل بالرخصة والتخلي عن أدائه لا يعني هامشية الشرط. أعني الركن الخامس من أركان "الإسلام"، بل لربما يكون العكس، حيث تغدو المرونة في الإلزام به دليل رفعة هذا الركن، بحيث إن الإنسان كلما بلغ مستوى أعمق من الإيمان بهذا الدين، حين يستوفي كل الأركان السابقة، وتتعمق فيه معانيها، يتوق بنفسه لتأدية هذا الركن، باعتبار أدائه مرة واحدة بالعمر، عملاً قدسياً، يؤدي فيه العبد طقوس التقديس المكثف للخالق الجليل. 

أول معنى مهيب من معاني "الحج" هو استشعار العظمة الإلهية. فكل طقوس الحج تبدو ذات غاية واحدة: استشعار مهابة الرب. الإحساس بضآلة كل شيء، مقابل تلك الجلالة القصوى للخالق، حيث ينزاح كل ما في الوجود، تنحسر كل مناصب العباد ومقاماتهم الدنيوية، ويتجلى الله السيد الأوحد، المصدر والمرجع النهائي لكل أشياء الوجود. 

طوال مسيرة الإنسان في هذا العالم، تعترض حياته أحداث ومواقف، انكسارات وانتصارات، لحظات شجاعة وأخرى مليئة بالذل والهوان، تتضخم في نفسه أشياء، وتنشأ له أطماع ورغبات. وكل هذه التوترات الملازمة لدراما الحياة تُسهم في اختلال ميزان الإنسان النفسي، يتشوّه معياره في تحديد قيمة الأشياء. فيحدث أن يبخس من أمر معظَّم ويُعظِّم أمراً هامشياً. وربما ينتهي به الحال إلى تشوُّش معياره كلياً وفقدان القدرة على إنزال كل شيء في منزلته. 

يأتي "الحج" بشعاره الأبدي "الله أكبر" ليقرر حقيقة نهائية: الله أكبر، وحده الله كبير في ذاته، هو معيار عظمته، وهو مصدر كل عظمة، وكل ما عداه من بشر ومكاسب وأهداف هي أمور تفتقد لأي مقام ثابت، ولا تملك الحق ولا القدرة على أن تدّعي عظمة أزلية، أو مقاما غير قابل للاهتزاز. 

"الله أكبر" ليست مجرد لفظ يتبعد بالنطق به الإنسان، بل تقرير لغاية وجودية عليا. إعادة ضبط لقيمة الحياة، تطهير لعواطف المرء من كل روابطه الزائفة بالعالم، والعودة نحو أصل الوجود. وبقدر ما تترسخ هذه الدلالة في نفس الإنسان، يسمو ويتحد بخالق البداية والنهاية، ويستعيد كرامته القصوى أمام الخلق. 

لعل أكبر خراب أصاب العالم الحديث هو تلك المحاولات الدؤوبة لتدمير المقدّس. حيث يلاحظ الكثير مظاهر استخفاف الإنسان بكل ما هو غيبي، وبكل ما هو سامي ومهيب. هي نزعة عدمية مهوسة بتقطيع روابط الإنسان بالعالم الذي يتجاوز حدود العقل. هذا السلوك نابع من بجاحة عقلية، إحساس وهمي متضخِّم بأن الوجود كله تحت سيطرة الإنسان، وبأن حدوده تنتهي عند أقصى نقطة يفهمها العقل، وما وراء باطل. 

حين نستحضر هرولة العالم ل"تدنيس المقدس"، واستبدال المقدس المتعالي بمقدس متداني، بحسب لغة هايدغر. ثم نحاول بالتوازي مع هذا، قراءة فلسفة الحج، كطقس لتعظيم الله؛ ندرك شيئا من دلالة هذا الحدث الرائع. تذكير الإنسان بحجمه في هذا الكون، وترميم أثر الخراب النفسي النابع من تدمير مكانة الله في قلوب البشر. 

لقد أصبح المخلوق البشري خائفاً في هذا الكوكب، وكلما راكم عوامل الأمان الدنيوية زاد خوفه. خائف لأن هناك شيئا مفقودا في حياته. شيء أساسي لا يمكن للإنسان أن يستعيد طمأنينته ما لم يستعد حريته الوجودية، يحرر نفسه من لهاث الدنيا، ويربط نفسه بما هو خالد، بالله الكبير. هكذا يوحي له طقس الجح. يفك كثير من قيوده، فيتوقف عن تبجيل ما هو زائل، ويستعصم بجملة واحدة "الله أكبر" كلمة تشحن روح المخلوق بالكبرياء. يقف في ظلالها مستشعرا دوره في هذا الوجود دونما هوان ولا تجبر. 

الخلاصة:

ليست الطقوس الدينية سلوكا روحيا يفتقد إلى التبرير المنطقي. بل نشاطات حساسة؛ لمداواة اعتلالات النفس البشرية. خطوط سير كوني، تصلح بعض من آثار البشر على هذه الأرض، إشارات علوية لو استجاب لها الإنسان، واستنفد ما فيها من دلالات، لتجاوز كثير من مظاهر شقائه في هذا الوجود، وتمكن من العيش متناغماً مع أخيه الإنسان، ومحافظاً على هذا الكوكب من العبث الذي يطاله جراء غرور الكائن، وتنصيب نفسه رباً لهذا الكوكب. 

"لا إله إلا الله وحده، نصره عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".

مقالات

اليمن بين تحالفين.. أيهما سيغلب؟

يدرك اليمنيون أنهم هذه المرة أمام معركة طويلة وقاسية وأن طرق الحل السلمي وسبله أصبحت أشبه بالخيال والأحلام في ظل تعنت المليشيا ورفضها قبول مبدأ الشراكة والعودة للمسار السياسي الانتخابي والاحتكام للدستور، وأنها قد أغلقت كل الطرق للتفاهم الأخوي بين اليمنيين الذين تقسمهم إلى رعايا أتباع وعملاء مرتزقة

مقالات

فجر اليمن".. معركة استعادة الدولة

النجاح المستدام لمعركة "فجر اليمن" يتطلب استثمار المكاسب الميدانية في خطة متكاملة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز حضور السلطات الشرعية، وتأمين المناطق المحررة، وحماية المدنيين.

مقالات

ليست حرباً منسية

قبل سنوات طويلة قيل عن ذلك البلد أنّ أهميته لا تتجاوز سطراً واحداً في وسائل الإعلام. كان ذلك سوء تقدير شديداً لأهمية البلد من أكثر من ناحية.

مقالات

آن أوان الخروج من الوهم!

تعز لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأوهام، ولا إلى جوقة جديدة تشرح للناس لماذا ينبغي لهم أن يثقوا بما لا يرونه على الأرض. إنها تحتاج إلى إنقاذ حقيقي، وإلى إمدادات تصل، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، وقرار يتجاوز ردود الأفعال المرتجلة

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.