مقالات

فرضية التوازن غير المعلن: لماذا تغاضى الغرب عن صعود إيران؟

09/06/2026, 12:37:07

منذ أكثر من أحد عشر عامًا، أطرح فرضية سياسية قد تبدو للبعض غير مألوفة، لكنها بالنسبة لي تظل واحدة من أكثر التفسيرات اتساقًا مع مسار الأحداث في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.

تقوم هذه الفرضية على أن الولايات المتحدة والقوى الغربية لم تكن عاجزة عن الحد من صعود إيران ونفوذها الإقليمي، لكنها بدت، في محطات عديدة، وكأنها تتعايش مع هذا الصعود أو تتسامح معه ضمن حدود معينة، ليس حبًا في إيران ولا اقتناعًا بمشروعها، بل لأن وجود قوة إقليمية مشاغبة بهذا الحجم يخدم توازنات استراتيجية أوسع.

لا تنطلق هذه الفرضية من الاعتقاد بأن الغرب صنع إيران أو يتحكم بها، فذلك ادعاء يحتاج إلى أدلة استثنائية لا أملكها. 

ما أطرحه هو فرضية مختلفة مفادها أن الغرب ربما وجد في استمرار صعود إيران، ضمن سقف معين، وسيلة لإبقاء إسرائيل منشغلة بخصم إقليمي دائم يمنعها من التحول إلى قوة إقليمية ودولية منفلتة من الضوابط.

فالقوى الكبرى، في كثير من الأحيان، لا تبحث عن القضاء الكامل على الخصوم بقدر ما تبحث عن إدارة التوازنات ومنع أي طرف من احتكار القوة.

ولا تستند هذه الفرضية إلى وثيقة سرية أو تصريح مباشر، بل إلى قراءة تراكمية لجملة من الوقائع والمؤشرات التي أراها مترابطة، ولا أدعي أن أيًّا من هذه الوقائع يشكل دليلًا قاطعًا بمفرده، وإنما تكمن دلالتها في تراكمها واجتماعها ضمن سياق واحد. 

وهذه الوقائع يمكن إيجازها كالآتي:

أولًا: التناقض بين الخطاب والنتائج. فبينما جرى تقديم إيران لعقود بوصفها تهديدًا استراتيجيًا خطيرًا، كانت النتيجة العملية على الأرض هي اتساع نفوذها الإقليمي بصورة غير مسبوقة.

ثانيًا: نتائج غزو العراق عام 2003، الذي أدى عمليًا إلى إزالة أهم حاجز جيوسياسي كان يفصل إيران عن المشرق العربي، وهو ما فتح الباب أمام تمدد نفوذها غربًا عبر العراق وسوريا وصولًا إلى مناطق التماس غير المباشر مع إسرائيل.

ثالثًا: طبيعة التعامل مع الملف النووي الإيراني، حيث غلبت على مدى سنوات طويلة سياسات الاحتواء والتفاوض وإدارة الأزمة أكثر من سياسات الحسم النهائي.

رابعًا: تحول التهديد الإيراني إلى أحد أهم مبررات صفقات التسلح الضخمة واستمرار الوجود العسكري الغربي في المنطقة.

خامسًا: الخلافات المتكررة بين واشنطن وإسرائيل بشأن إدارة ملفات الشرق الأوسط، بما يوحي بأن مصالح الطرفين ليست متطابقة دائمًا كما يتصور البعض.

سادسًا: ملاحظة نمط متكرر في سياسات القوى الكبرى يقوم على إدارة الصراعات والحفاظ على التوازنات أكثر من السعي إلى حسمها، بما يمنع ظهور قوة إقليمية منفردة قادرة على إعادة تشكيل المشهد بصورة جذرية.

سابعًا: صعود حزب الله من تنظيم محلي محدود إلى قوة عسكرية وإقليمية كبيرة تمثل أحد أبرز التهديدات الأمنية لإسرائيل، رغم أن مسار نموه استمر لعقود دون أن يواجه عملية احتواء حاسمة تنهي هذا التهديد بصورة نهائية.

ثامنًا: الحالة اليمنية، حيث انتقل الحوثيون من حركة محلية محدودة التأثير إلى قوة تسيطر على مناطق تمنحها نفوذًا على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولم تتضح الأهمية الاستراتيجية الكاملة لهذا التحول إلا خلال حرب غزة، عندما ظهر أن النفوذ على باب المندب والبحر الأحمر قادر على التأثير المباشر في حركة الملاحة والتجارة المرتبطة بإسرائيل والاقتصاد العالمي.

كل واحدة من هذه الوقائع يمكن تفسيرها منفردة بطرق مختلفة، وقد يراها آخرون مجرد نتائج طبيعية لأحداث متفرقة لا رابط بينها. لكنني أراها، عند النظر إليها مجتمعة، أجزاءً من نمط سياسي واستراتيجي يستحق التأمل.

ولهذا لا أقدم هذه الرؤية بوصفها حقيقة نهائية، بل باعتبارها فرضية تفسيرية قابلة للاختبار والتفنيد. وقد يثبت المستقبل خطأها، وقد يكشف أنها كانت أقرب إلى الواقع مما بدا للكثيرين في وقت طرحها.

لكن ما أحرص على توثيقه هنا هو أنني، ومنذ أكثر من عقد من الزمن، كنت أنظر إلى صعود إيران وحلفائها من زاوية مختلفة: ليس بوصفه فشلًا غربيًا خالصًا، بل احتمالًا لسياسة تغاضٍ محسوبة تهدف إلى إبقاء إسرائيل محاطة بقوس من الضغوط الإقليمية يمنعها من التحرك بحرية كاملة خارج حدود التوازنات التي ترغب القوى الكبرى في الحفاظ عليها.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل كان ما جرى مجرد سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية المتراكمة؟

أم أن الشرق الأوسط كان يُدار، طوال هذه السنوات، وفق توازنات أكثر تعقيدًا مما بدا على السطح؟

أما الإجابة الحاسمة، فربما لن تقدمها التحليلات السياسية بقدر ما ستكشفها الوثائق حين يغادر الحاضر موقعه ويصبح تاريخًا.

مقالات

باب المندب ورقةَ ابتزاز: مليشيا الحوثي بين خدمة إيران ومساومة السعودية

ليست عودة مليشيا الحوثي إلى البحر الأحمر حدثًا مفاجئًا، ولا هي سلاح جديد في ترسانتها. الجديد هو الظرف الذي تعود فيه الورقة إلى الواجهة: تصعيد إيراني واسع بعد إغلاق هرمز عمليًا منذ أواخر فبراير 2026، وانكشاف متزايد في طرق تصدير الطاقة السعودية، ورياضٌ تبحث عن تقليل المخاطر أكثر مما تبحث عن حسمٍ مؤجل.

مقالات

تقية الطويلية.. هات الدوا داوَّني واتحوني لا مُوتْ

ولدت تقية الطويلية لكي تغني. هذه هي سمتها الأساسية، والنابض الأساسي في شخصيتها منذ سنوات طفولتها الأولى. كان ذلك اختيارها ومصيرها ومعركة حياتها. ببساطة، اختارت الفن كأنه جزء من تكوينها. كأنها فقط تريد أن تتنفس. أن تعبر عن ذاتها بنغمة صوتها.

مقالات

ستيف بانون وبيتر ثيل «فرسان الهيكل في الحقبة الرقمية»

طراف من الولايات المتحدة التسلل التدريجي إلى الفاتيكان للسيطرة على هذه المؤسسة، لأنها تعتبرها أساسية في إعادة بناء الغرب ومواجهة الهجرة القادمة من الجنوب، وتوظيفها في تبرير الحروب المقبلة. ومن شأن هذا أن يعيد شبح الحروب الصليبية التي جرت تحت راية الدين، علما أن باقي الحروب الأخرى مثل العراق وإيران حاليا جرى فيها توظيف الجين.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.