مقالات

في ذكرى مؤسس الجمهورية الثانية

09/10/2025, 15:26:25

في اللحظات الفارقة في حياة الشعوب، ثمة رجال ينبثقون في وجه الظلام ككُوَّة ضوء، وكان عبدالرب الشدادي هو الومضة التي برقت في ليل الخيانة الكالح.

في ذكرى استشهاده التاسعة، لا يحضر الشدادي كعسكري منح القسم والشرف معناه فحسب، بل كقائد وطني استثنائي قدّم أفضل نماذج رجال الجمهورية الذين ينكرون ذواتهم ويتحلّون بقيمها.

لم يكن الرجل غريبًا عن هذا الميدان، فهو ابن شهيدٍ قارع الملكيّة وقت اشتداد الحرب الشرسة في ستينيات القرن الماضي.

ولقد سار على نهج أبيه، لكأنّ الأقدار كانت ترتّب لابن “العبدية” الأشم استكمال المهمة التي رفعت والده إلى السماء، لكنه بالتأكيد لم يكن يتوقع أن تأتي الخيانة من الجمهوريين المزيّفين الذين حكموا باسمها وسرقوها، ثم باعوها لطائفتهم بعد أن نخروها من الداخل، وسلّموها جثة جاهزة!

حين لاحت الحقيقة، كان ثمة قادة، شرفهم العسكري بلا شرف، وآخرون من ذات الصنف، كانوا مجرد بيادق في نقلات “الشيطان”، يخلعون الميري ليرتدوا “الزَّنَّة” المليشياوية محتشدين لشبههم الطائفي، يستبيحون في طريقهم كل شيء: القسم العسكري، والجمهورية، والتاريخ، وشرف البلاد، لكأنهم وُلدوا من الخيانة.

وعندما كانت البلاد تتساقط قطعةً تلو أخرى كأحجار الدومينو من صنعاء إلى شواطئ عدن، كان الشدادي وثُلّة قليلة من الضباط وأفراد الجيش يقفون مع مجاميع من القبائل والمقاومة الشعبية كعقبة أخيرة في مترس الجمهورية في مدينة صحراوية.

كادت مأرب وقتها أن تُضاف كآخر رقعة ثمينة إلى جيب الحوثي وصالح، ثم صارت بفضل الشدادي ورجال القبائل والمطارح أولى هزائم المليشيا، وأوشكت أن تكون مفتاح استعادة البلاد وبداية طريق العودة إلى صنعاء.

لم ينتظر الفريق عبدالرب الشدادي الأوامر لكي يحارب، فقد فعل كجندي رأى قلاع جمهوريته تتهاوى. وبعد تكليفه بقيادة المنطقة العسكرية الثالثة، كانت جميع مديريات مأرب المترامية تتطهّر من رجس المليشيا، ولم يتبقَّ سوى جيوب قليلة في آخر مديرياتها الشرقية بصرواح، بينما كانت طلائع الجيش تقف على تخوم صنعاء في نهم.

لم يكن الشدادي من نوع القادة الذين يديرون المعارك من غرف العمليات المحصّنة، ولا يعرف أولئك الذين يشرفون من الخطوط الخلفية، بل كان يتقدّم الصفوف وكأنه الجندي الذي يتوجّب عليه أن يقتحم خنادق العدو.

ورغم إصابته أكثر من مرة، كان يعود إلى مترسه كأنه آخر مقاتل منوط به حراسة البلاد.

ينتمي الشدادي إلى صنف نادر من القادة في هذه البلاد الشحيحة، ما جعل من استشهاده وهو يرابط في الخطوط الأمامية في جبهة صرواح خسارة فادحة وثقيلة على اليمن بصورة عامة، وعلى الجمهورية نفسها بصورة خاصة.

كان الرجل نظيف اليد، مخلصًا لليمن وشرفه العسكري، تنقّل بين الجبهات باذلًا المال، وقد غادر الحياة وفي ذمّته لائحة من الديون التي كان يوفّرها للإنفاق على الجبهات.

لم يكن يؤدي واجبه كقائد عسكري في منطقة جغرافية معيّنة، بل كان يتصرّف وكأنه القائد الأعلى في البلاد من حيث الواجب: يستقبل المقاتلين، ويرتّب الصفوف، ويوفّر المؤن.

ولكأن سقراط عندما كان يتحدث عن واجبات القائد كان يتحدث عنه: “يجب أن يعرف القائد كيف يعطي جنوده تعييناتهم وأي مؤن أخرى لازمة للحرب. يجب أن تكون لديه ملكة وضع الخطط وقدرة عملية على تنفيذها”. وقد فعل أكثر مما أتاحته الظروف، ثم ذهب لتنفيذ خطته بنفسه!

لقد أُطلق على القائد الفريق الشدادي وصف مؤسس الجمهورية الثانية، وهو لقب مستحق لقائد حقيقي فذّ مثّل الجمهورية كأفضل ما تتجلّى في الرجال حين يقاتلون تحت لوائها، يعيشون قيمها في حياتهم الشخصية وفي متارسهم، ويذودون عن سيادة الشعب، باذلين أرواحهم من أجل الحرية والمساواة والعدالة والكرامة.

كان المصاب في استشهاده فادحًا على البلاد، وقد شكّل ذلك أولى صدمات الحرب الثقيلة في حربٍ تحوّلت إلى سلسلة من الصدمات وميدانٍ لا نهائي من العبث، قبل أن تبلغ الصدمة ذروتها في الرجال.

يقتضي الوفاء للشهيد الشدادي تمثّل قيمه التي حملها وإحيائها، واستعادة نموذجه في الكفاح النزيه والمخلص، وفاءً للجمهورية التي عاشها في تفاصيل حياته وقضى من أجلها باذلًا روحه لله ذودًا عن الوطن وكرامة أبنائه، رافضًا الخضوع لأحد غير وطنه.

مقالات

الحوثيون في حرب إيران: ترقب اللحظة أم حسابات تجنب المواجهة؟

لم تكن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، مجرد حلقة جديدة في مسار التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؛ فقد تحولت تلك الضربة سريعا إلى حدث مفصلي مع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو تطور أربك موازين المحور الذي بنته طهران عبر عقود.

مقالات

تحركات أمريكية في البحر الأحمر تبدد الهدوء الذي يسود جبهة اليمن

هذا هو اليوم التاسع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومع ذلك لا يزال شمال اليمن يشهد هدوءً مشوباً بالحذر، ناتج عن عدم إعلان جماعة الحوثيين حتى الآن خطة لإسناد عسكري لطهران، من شأنها أن تضع اليمن مجدداً كساحة محتملة للحرب، يأتي ذلك وسط استعدادات أمريكية ميدانية شملت حتى الآن نشر حاملة الطائرات "يو إس أس جيرالد فورد" وهي أكبر حاملة طائرات، بالتزامن مع البدء بتسيير طائرات بدون طيار في سماء العاصمة صنعاء لأول مرة منذ أشهر.

مقالات

جبهة اليمن المشتعلة بين حسابات طهران وتكتيكات صنعاء

في خضم الحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران (منذ 28 فبراير 2026)، يبرز البحر الأحمر وخليج عدن كجبهة توتر إضافية بالغة الخطورة، قد لا تحسم مصير الحرب ولكنها بالتأكيد قادرة على المساهمة في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وإطالة أمد الصراع. وفي قلب هذه الجبهة، يقف الحوثيون (أذيال إيران) في اليمن

مقالات

خناقة في أمريكا

أقوى وأغنى دولة في العالم، تشن حربا بكل قوتها على دولة نازفة محاصرة متهتكة داخليا ومكروهة اقليميا ومع هذا فإن ترامب مُشوَّش ويتخبط.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.