مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

28/05/2026, 20:49:21
بقلم : يزن زياد

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

رحل الرجل بهدوء يشبه إلى حد بعيد شخصيته السياسية؛ هادئاً قليل الصخب متجنباً للاستعراض، رغم أنه وجد نفسه في قلب واحدة من أعنف المراحل التي عرفتها الجمهورية اليمنية منذ قيامها.
لم يكن عبد ربه منصور هادي قائداً كاريزمياً بالمعنى التقليدي الذي اعتاده اليمنيون، ولم يكن خطيباً شعبوياً أو زعيماً يجيد صناعة الهالة حول ذاته، لكنه كان ـ على نحو ما ـ رجل المرحلة الانتقالية بكل ما حملته من هشاشة وتعقيد وتناقضات مستحيلة.

لقد تسلم السلطة في لحظة كانت الدولة اليمنية تتآكل من الداخل، والمؤسسات العسكرية والأمنية منقسمة الولاءات، والقوى السياسية مأخوذة بصراعاتها القديمة، فيما كانت المنطقة كلها تدخل طوراً عاصفاً من التحولات بعد أحداث الربيع العربي.

وفي ظل تلك البيئة المشحونة، حاول الرجل أن يدير توازناً شديد الصعوبة بين ضرورات الانتقال السياسي ومخاطر الانهيار الشامل، وبين مطالب الثورة ومراكز النفوذ التقليدية، وبين الضغوط الإقليمية والتناقضات المحلية العميقة.
وربما كانت أهم فكرة ارتبطت باسم هادي سياسياً هي مشروع “اليمن الاتحادي”، ليس باعتباره مجرد إعادة تقسيم إداري للدولة، بل بوصفه محاولة لمعالجة الجذر التاريخي للأزمة اليمنية المتمثل في اختلال معادلة السلطة والثروة، والصراع المزمن بين المركز والأطراف.

لقد أدرك هادي ـ ومعه قطاع واسع من القوى المنخرطة في الحوار الوطني ـ أن الدولة المركزية بصيغتها القديمة لم تعد قادرة على احتواء اليمن المتعدد والمعقد، وأن استمرار احتكار القوة والثروة في مركز ضيق سيعيد إنتاج الحروب بصورة دائمة.

ومن هنا جاء تبنيه لفكرة الدولة الاتحادية باعتبارها مشروعاً لإعادة توزيع النفوذ والموارد، وفتح المجال أمام شراكة وطنية أوسع، تكسر الإرث الطويل من التهميش والإقصاء الذي غذّى الصراعات اليمنية لعقود.
ولعل ما يُسجل للرجل أيضاً أنه، رغم كل الضغوط، لم يوقع على إنهاء الجمهورية، ولم يمنح الشرعية السياسية الكاملة لمشروع الانقلاب الحوثي، وظل ـ حتى في أكثر لحظات الضعف والعزلة ـ يتمسك بفكرة الدولة اليمنية ومؤسساتها المعترف بها دولياً.


ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة لتجربته لا يمكن أن تتجاهل حجم الإخفاقات التي رافقت عهده؛ فقد بدا الرجل في كثير من اللحظات أقل قدرة على الحسم أمام تمدد القوى المسلحة، وأقل امتلاكاً لأدوات السيطرة على شبكة المصالح المتصارعة داخل الدولة وخارجها.

كما أن سنوات الحرب كشفت حدود السلطة الرسمية نفسها، وأظهرت حجم التآكل الذي أصاب مفهوم الدولة الوطنية في اليمن، حيث لم تعد القرارات الكبرى تصنع داخل المؤسسات وحدها، بل وسط شبكة معقدة من التوازنات المحلية والإقليمية والدولية.

غير أن اختزال تجربة هادي كلها في صورة “الرجل الضعيف” يبدو تبسيطاً مخلاً لتجربة أكثر تعقيداً من الأحكام المتداولة. فالرجل لم يكن يدير دولة مستقرة بمؤسسات متماسكة، بل كان يحمل عبء دولة تتداعى، ويحاول ـ ضمن هامش بالغ الضيق ـ منع سقوطها الكامل.

لقد كان، إلى حد بعيد، رئيساً لفكرة “النجاة الممكنة” أكثر منه رئيساً لدولة مكتملة السيادة.

وفي اللحظات الفاصلة التي يغادر فيها القادة صفحات الحياة إلى صفحات التاريخ، تتراجع الاعتبارات السياسية الآنية لصالح الحاجة إلى قراءة أكثر اتزاناً وعمقاً. وفي الوجدان اليمني، ظل الموت دائماً مساحة تُعلق عندها الخصومات ولو مؤقتاً، ليس بدافع العاطفة وحدها.. بل احتراماً لفكرة أن تقييم الرجال والدول لا يكتمل تحت ضجيج الصراع، وإنما عبر مسافة كافية من التأمل والإنصاف التاريخي.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة في المشهد اليمني أن الرجل الذي ظل يحمل، لسنوات، عبء “الشرعية اليمنية” في مواجهة الانهيار والحرب، انتهى به المطاف بعيداً عن تراب وطنه، دون أن تتوافر حتى اللحظة ظروف سياسية وأمنية تسمح بتنظيم جنازة رسمية تليق برئيس للجمهورية اليمنية. وهي لحظة تختصر ـ بصورة مؤلمة ـ حجم التآكل الذي أصاب فكرة الدولة نفسها؛ إذ لم تعد السلطة الشرعية قادرة، بكل ما تملكه من رمزية واعتراف دولي، على تأمين وداع وطني جامع لرئيس قاد البلاد في أخطر مراحلها.


ولا تبدو هذه المعضلة منفصلة عن التعقيدات التي تحكم المشهد في عدن، بما في ذلك تشابك النفوذ الإقليمي، وحسابات القوى المحلية، وحالة الاستقطاب التي جعلت حتى مراسم الوداع الوطني خاضعة لموازين القوة والتجاذبات السياسية. وكأن اليمن، في لحظة ما بعد هادي، يواجه السؤال الأكثر إيلاماً: كيف لدولة عجزت عن تأمين قبرٍ لرئيسها السابق أن تستعيد قدرتها على بناء وطن يتسع للجميع؟

رحل عبد ربه منصور هادي، بينما لا يزال اليمن معلقاً بين مشاريع الحرب وأسئلة الدولة المؤجلة. وربما سيكتشف اليمنيون مع مرور الزمن أن المعضلة لم تكن دائماً في الأشخاص وحدهم، بل في طبيعة البنية السياسية العميقة التي جعلت إدارة اليمن أقرب إلى السير فوق حقل دائم الانفجار.

رحم الله الرجل، ورحم اليمن التي أنهكت أبناءها وهم يحاولون النجاة بها… أو النجاة منها..كما علق أستاذ علم الاجتماع المعروف د.حمود العودي

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

مقالات

الدهشة المتأخرة من تصريحات الغيثي؟!

ليست المشكلة في أن يتحدث محمد الغيثي بما يؤمن به، فالرجل لم يُخفِ مشروعه يوماً، ولم يتسلل إلى المشهد متخفياً خلف خطاب وطني جامع ثم انقلب عليه لاحقاً. منذ ظهوره المفاجئ من أبوظبي، قُدِّم باعتباره أحد الأصوات الصلبة للمجلس الانتقالي، يحمل خطاباً واضح الملامح، حاداً في موقفه من الدولة اليمنية ووحدتها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.