مقالات
"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي
القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.
بصريح العبارة ؛ كانت "آنستنا يا عيد" طويلة ومتشعِبة، حتى إن الشاعر الكبير عباس المطاع كاد أن يهدر الومضة الأولى بالاسترسال، لكن الفنان علي الآنسي أنتقى منها ما يتكامل مع نغمة اللحن الجميل الذي ألتمع وكأنّه النغمة التي انتظرها العيد في اليمن زمنا طويلا.
هنا تظهر عبقرية الفنان علي الآنسي، ويتجلى بوضوح كفنان يمتلك حساً شعرياً وفنياً رفيعاً. هو أدرك بذائقته الشديدة الذكاء أن "الحشو الزائد" والمواضيع الخدمية واليومية ستخنق الأغنية، فكيف يقول الشاعر " وما يهم البال خليه لبعد العيد" ثم يتبعه بحشد الهموم كلها!
لذلك، قام الآنسي بعملية بفلترة القصيدة فنياً. استبعد كل ما يندرج تحت الاسترسال غير الضروري، وأبقى فقط على الجوهر الإنساني الشفاف لأغنية عيدية ستحول إلى أيقونة لأعياد اليمن الفرح، أغنية عابرة للزمن تفيض بأُنس العيد ، التسامح، جبر خاطر، العطف على السائل، والبهجة العفوية.
هذه الفلترة الذكية " التشذيب الفني " التي أجراها علي الآنسي على قصيدة الشاعر عباس المطاع، تقودنا إلى ملمح نقدي غاية في الأهمية حول طبيعة العلاقة التكاملية التي كانت تجمع الشاعر بالفنان في زمن ازدهار الفن اليمني بعد ثورة سبتمبر في عقدي الستينات والسبعينات.
كان الفنان يمتلك ذائقة جمالية رفيعة وثقافة فنية كافية تمنحه الحق -بل والمسؤولية- في تشذيب النص واختيار ما يتكامل مع وجدان الناس ومقتضيات اللحن، حتى وإن كان الكاتب شاعراً كبيراً بقامة المطاع.
وهذه الحادثة ليست معزولة في تاريخنا الفني؛ فالمتأمل يجد أن كبار الفنانين المثقفين مارسوا هذا الدور النقدي بامتياز؛ تماماً كما فعل الفنان الكبير محمد مرشد ناجي حين تدخّل بوعيه الثقافي الرفيع وعدّل في قصيدة "نشوان" الخالدة للشاعر الكبير سلطان الصريمي، ليخرج بالعمل في أبهى صورة فنية ممكنة.
هذا النضج الواعي يضعنا أمام مفارقة حادة ومؤسفة عند مقارنته بما نشهده اليوم في واقعنا الفني. قبل شهرين تقريبا تابعت قصة اغنية أداها احد الفنانين الشباب ، من كلمات شاعر من هذا الجيل، تضمنت كلمات مبتذلة وركيكة، لا تليق بإرث الأغنية اليمنية. والصدمة الحقيقية لم تكن في رداءة النص فحسب، وإنما في ردة الفعل الغاضبة من الشاعر والفنان ومن بعض المحسوبين ضمن جمهورهم.
انتقد البعض ما رآه ابتذالا في الاغنية، فردوا عليهم بحملة دفاع شرسة ومكابرة من الفنان والشاعر معاً، في سلوك يعكس غياب الذائقة وانعدام الحساسية الفنية والقدرة على النقد الذاتي.
وهنا تحديداً، ومن خلال استحضار تجربة علي الآنسي، يحضر في ذهني المعنى الحقيقي للفنان كاملا غير منقوص. تحضر الإجابة الحقيقية عن السؤال الجوهري: مَن هو الفنان؟
الفنان ليس صوت يردد الكلمات آلياً دون وعي بمضامينها.
الفنان هو من يمتلك الصدق الفني، ذاك الإحساس الراقي الذي يعبر جمالياً وإبداعياً عن الروح العامة والوجدان العاطفي للمجتمع، دون إسفاف أو ابتذال.
الفنان الحق هو الذي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه ووطنه؛ ولنا في الفنان الكبير علي الآنسي أنموذجاً حوى كل أبعاد الفنان ومعانيه السامقة.
علي الآنسي الذي صاغ فرحة اليمنيين في "آنستنا يا عيد"، هو ذاته الذي كان يمثل الهوية والضمير الوطني لليمن.
لقد كان حاضراً بصوته وفكره عشية ثورة سبتمبر 1962، وغنى: " بإسم هذا التراب"، "جيشنا يا جيشنا"، و"في ظل راية ثورتي"، و " نحن الشباب ". وصدر بصوته أمام السلطة ورجلها الأول إبراهيم الحمدي بأغنية "أنا الشعب"
ودخل السجن بسببها.
وهو ذاته الذي غنى للجمال والأرض والإنسان من كلمات مطهر الإرياني في روائع مثل "وقف وودع"، و" الحب والبن".
هذا التناغم المذهل بين أغنية الحب العذبة بما فيها من أحساس يلامس القلب ، وأغنية الوطن الجسورة بما فيها من إبداع لا تخالطه ذرة إدعاء، وأغنية المناسبة الاجتماعية البهيجة بقدرتها على البقاء والإستمرارية ، هو ما يصنع الفنان الخالد؛ فنان يمتلك راداراً أخلاقياً وثقافياً يجعله شريكاً في صياغة وجدان أمة.
فنان توحد بفنه ولم تأسره أبدا مقتضيات الشهرة أو البحث عن وهج لحظي عابر على حساب القيمة والفن والجمال.
***
ليس لدي ما أضيفه عن اغنية " آنستنا يا عيد " فقد كتبت مقالا عنها قبل عام في مثل هذا اليوم.
ووجدت نفسي اليوم اكتب مرة أخرى ومن زاوية مختلفة. مثل هكذا اغنية لا ينضب جمالها، ولا تخفت قدرتها على إثارة إحساسك وفرض نفسها على تفكيرك.
هي باختصار تجلي مبهر لما يمكن تسميته بالحكمة الشعبية لليمنيين في مواجهة ثقل الحياة.
هذه الاغنية الخالدة ترفع العيد إلى مرتبة السلطة الأخلاقية العليا التي تسقط أمامها الأحقاد والمكايدات اليومية. "مش وقت قالت قال ودحس عال العال، وما يهم البال خليه لبعد العيد"
عبارة تقطع دابر الخصومة، وتؤجل ثقل العالم كله إلى ما بعد العيد، لتمنح اليمني فرصة لالتقاط أنفاسه والتخفف من الأحمال الثقيلة. كأنها تقول له ؛ هون عليك ، وضع العالم من فوق كتفيك. ليست مهمتك أن تحمل كوكب الأرض بين "أعدانك" حتى في العيد.
انستنا ياعيد
اضحك على الأيام
وابرد من الأوهام
وامرح مع الانغام
وافرح بهذا العيـد
سلم على احبابك
واهلك واصـحابك
وقل لمن عابك
مبروك عليك بالعيد
الجاهـل اضـحك له
وان كـان عديم دله
ومن حنق قله
مش وقت يا خي عيد
مش وقت قالت قال
ودحس عال العال
وما يهم البال
خليه لبعد العيد
أما من اتحرر
من غاغة المجبر
لقي قبول اكثر
وعاش زمانة عيد
هذا الزمن معهد
والكل في " ابجد"
ومن قرأ أزيد
حَصَّل شهادة عيد
الضحكة الحلـوه
تُوَحِّد الأخوه
وتدِّي النشوه
وطعم جيد للعيد
ما ينفع المشخير
وانت لا المنخير
بلاش نِفَّاخ كِير
أيـن انت واين العيد
اضحك بكل اخلاص
للعام أو للخاص
وتَرِّك الخيباص
أن شي بنا للعيد
وأحذر من التجريح
حتى ولو تلميح
وللخطا تصحيح
لا سيما في لعيد
ون شي حماقه فيك
علاجها التكتيك
أوبه أنا أعنيك
يضحك علينا العيد
عوذب من الـشيطان
ولا طف الأخــوان
والحائر الغلطان
وَرِّيه طريق العيد
خليك بين الناس
شاطر لبيب حسّاس
لا باس عليـك لاباس
إرتاح واهنا العيد
واعطف عـلى الـسائل
وادِّي له الحاصل
فدمعه السائل
يمحق عليـك العيـد
كم من فقير يا ذاك
مشتاق إلى لقياك
الله لا ورَّاك
دمع الفقـير في العيـد
وان كنت فاعل خـير
فالأهل قبل الغير
وان قلت ما ناش حير
فليش قالوا عيـد
العيد قـده في الهـاز
والبخل فيه ماجـاز
فخلي الحبزاز
عيِّدْ قد اسمه عيد
رفِّه على نفسك
وانسى عَنَا أمسك
بَسَّك لبـيج بسّك
إمذغ جمال العيد
واتجنّب الرشوه
والأخذ بالقوه
فالحق له سطوه
تهد مليون عيد
رزق الحلال أحــلى
من الحرام واشلى
فصّحح المقلا
وبنت صحن العيد
أنا استطيع افرح
بقسمتي وامرح
واسكب عطور تنفح
واعيِّد احسن عيد
وحَذِّر التاجر
من الغلا الجاير
با يرجع الخاسر
ولا يطيب له عيد
وقل لمن زوج
بنته بمهر اعوج
بكره عتتفرج
على الطلاق في العيد
ويا رفاق الدار
لـيش ترفعوا الايجار
خافوا عذاب النار
في يوم ما فيه عيد
ياصاحب القلاّب
والتكس والدّبّاب
كن ارحم الرُّكاب
والعابرين في العيد
خفف من السرعه
والطيش والزقعه
بلاش تموت دفعه
أو قد سئمت العيد؟
في العيد جَمْعَتْنَا
نكنس شوارعنا
وكم بنتمنى
لو كل الايام عيد
ليش نكره الصحة
ونعشق القرحة
والسل والكحه
فلو يموت العيـد؟
يا ناس يا عالم
ويا بني آدم
متى عنتفاهم؟
في العيـد وغـير العيد؟
يا بن اليمن حسبك
أنك بنيت شعبك
فاثبت على دربك
ولا لك إلاّ عيد
حققت انجازات
تفيض بالخيرات
وهات يا ماهات
من عيد يعانق عيد
سلام سلام يا اصحاب
يا أهل يا انساب
عدتم جميع يا احباب
لامْثَـال هـذا العيد